
طور باحثون نموذجاً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي قد يساعد الأطباء على التنبؤ المبكر بخطر تلف الشبكية لدى مرضى السكري من النوع الثاني، قبل ظهور الأعراض، وقبل وصول الضرر إلى مرحلة يصعب عكسها.
ويعتمد النموذج، الذي طوره باحثون من مركز جوانجدونج الإقليمي للأبحاث السريرية في أمراض العيون بمدينة جوانجتشو في الصين، على تحليل 71 بروتيناً في بلازما الدم لتقدير احتمالات الإصابة بالتنكس العصبي الشبكي السكري.
ويمثل النموذج خطوة محتملة نحو نقل رعاية العين لدى مرضى السكري من الاكتفاء برصد التلف بعد حدوثه إلى توقع الخطر مبكراً عبر إشارات جزيئية قابلة للقياس وتحليلها بالتعلم الآلي، بحسب الدراسة التي نشرتها دورية PLOS Medicine.
العين ومرض السكري
يعيش أكثر من نصف مليار شخص حول العالم مع مرض السكري، وهو مرض لا يقتصر أثره على اضطراب مستويات السكر في الدم، بل يمتد إلى أعضاء وأنسجة متعددة، منها العين والجهاز العصبي.
ومن بين المضاعفات التي تثير اهتمام الباحثين حالة تعرف باسم التنكس العصبي الشبكي السكري؛ وهي حالة يحدث فيها تدهور في الشبكية، الجزء الحساس للضوء في مؤخرة العين.
وتكمن خطورة هذه الحالة في أنها قد تؤدي إلى ضعف شديد في الإبصار أو فقدان البصر، كما يرى العلماء أن الشبكية قد تكون نافذة مهمة على ما يحدث في أجزاء أخرى من الجهاز العصبي لدى مرضى السكري، فالتغيرات العصبية التي تصيب الشبكية قد تعكس، أو ترتبط، بعمليات تنكسية أخرى تشمل الضعف الإدراكي والخرف، إضافة إلى تلف الأعصاب الطرفية في مناطق مثل أصابع اليدين والقدمين.
ولا يُكتشف التنكس العصبي الشبكي إلا بعد ظهور الأعراض، أي عندما يكون الضرر قد وقع بالفعل، وأصبح غير قابل للعكس، لذلك يسعى الباحثون إلى إيجاد وسائل مبكرة تساعد الأطباء على تحديد المرضى الأكثر عرضة للخطر، قبل الوصول إلى مرحلة التلف الواضح.
71 بروتين في البلازما
للوصول إلى طريقة تنبؤية أكثر دقة، حلل الباحثون عينات بلازما الدم من 1492 مريضاً بالسكري من النوع الثاني، ولا يعانون بعد من التنكس العصبي الشبكي السكري في بداية الدراسة، وتابعوا 1218 منهم عبر فحوص وتصوير للشبكية على مدى 6 سنوات، بهدف رصد من تظهر عليهم علامات التدهور لاحقاً، وقارنوا النتائج ببيانات 502 شخص آخرين مصابين بالسكري من البنك الحيوي في بريطانيا.
ومن خلال هذا التحليل، حدد الباحثون 71 بروتيناً في بلازما الدم ارتبطت بظهور التنكس العصبي الشبكي السكري.
هذه البروتينات لم تكن عشوائية؛ فقد كانت جزءاً من مسارات خلوية مرتبطة بعمليات مثل الالتهاب وصيانة الخلايا، لأن تلف الشبكية في السكري لا يمكن فهمه فقط كأثر ميكانيكي أو وعائي بسيط، بل كجزء من شبكة أوسع من الاستجابات الخلوية والجزيئية التي قد تسبق الأعراض السريرية.
استخدم الباحثون مستويات هذه البروتينات في البلازما لبناء نموذج تنبؤي قائم على التعلم الآلي أطلقوا عليه اسم Pro-DRN، واستطاع النموذج أن يحسن الأداء مقارنة بأفضل نموذج قائم سابقاً بنسبة 26%.
وتعني هذه النتيجة أن المعلومات الموجودة في الدم قد تحمل إشارات مبكرة عن تلف عصبي شبكي لم يظهر بعد بصورة واضحة في الفحوص أو الأعراض.
وبدلاً من انتظار حدوث الضعف البصري أو ظهور التلف غير القابل للعكس، يمكن مستقبلاً استخدام فحص دم بسيط، يتم تحليله بمساعدة الذكاء الاصطناعي، لتحديد الأشخاص الذين يحتاجون إلى متابعة أدق، وربما تدخلات وقائية في وقت أبكر.
حدود الدراسة
رغم أهمية النتائج، إلا أن الباحثين يشيرون إلى أن نموذج Pro-DRN يعتمد على الارتباط بين مستويات بروتينات البلازما وخطر التنكس العصبي الشبكي السكري، ولا يثبت أن هذه البروتينات تسبب المرض بشكل مباشر؛ فقد تكون البروتينات علامات مبكرة أو مؤشرات على عمليات بيولوجية أعمق، لكنها ليست بالضرورة المحرك الوحيد للتلف.
كما أن النموذج يحتاج إلى مزيد من الاختبار في مجموعات سكانية متنوعة قبل أن يتحول إلى أداة سريرية معتمدة على نطاق واسع.
ولا تقدم الدراسة علاجاً جديداً للتنكس العصبي الشبكي السكري، بل تقدم وسيلة محتملة للتنبؤ بالخطر..
لكن؛ وإذا أثبت نموذج Pro-DRN فعاليته في دراسات لاحقة، فقد يصبح جزءاً من منظومة أوسع لمتابعة مرضى السكري، بحيث لا تُعامل فحوص العين فقط كوسيلة لاكتشاف الضرر، بل كجزء من استراتيجية وقائية تعتمد على التنبؤ المبكر وتخصيص المتابعة حسب مستوى الخطر.










