
كشف باحثون في جامعة وورويك البريطانية وجامعة موناش الأسترالية آلية طبيعية تستخدمها بعض البكتيريا لإنتاج نسخ متعددة من مركبات قادرة على مكافحة السرطان، في اكتشاف قد يساعد على تسريع تصميم أدوية جديدة للأورام الصعبة العلاج.
وتفسر الدراسة، المنشورة في دورية Nature Communication، لغزاً ظل يواجه مطوري الأدوية لعقود والذي يتعلق بالطريقة التي تستخدمها البكتيريا لصناعة عائلة كاملة من المركبات المتقاربة كيميائياً، مع اختلافات دقيقة تمنح كل نسخة خصائص مختلفة.
وتضم هذه العائلة الدوائية مركباً مهماً هو "رومايدبسين"، المعروف تجارياً باسم "إستوداكس"، وهو علاج معتمد سريرياً لبعض سرطانات الدم؛ لكن فهم الطريقة التي تصنع بها البكتيريا هذه المركبات قد يفتح الباب أمام إنتاج نسخ جديدة أكثر فاعلية أو أقل آثاراً جانبية.
يعتمد الاكتشاف على فكرة تسمى "التخليق الحيوي التركيبي" لاستغلال إنزيمات الكائنات الدقيقة كأنها أدوات تصنيع دقيقة؛ فبدلاً من بناء الدواء بالكامل داخل المختبر بالطرق الكيميائية التقليدية، يحاول العلماء استخدام الإنزيمات البكتيرية لإنتاج مركبات جديدة أو تعديل مركبات موجودة.
تصميم الأدوية
لكن المشكلة كانت أن العلماء لم يكونوا يعرفون بدقة كيف تتواصل هذه الإنزيمات مع بعضها بعضاً أثناء بناء الدواء؛ وبدون هذا الفهم، كان من الصعب التحكم في العملية أو إعادة تصميمها لإنتاج أدوية جديدة.
وقال المؤلف الأول للدراسة، مونرو باسمور، الباحث في قسم الكيمياء بجامعة وورويك، إن العلماء يعرفون منذ عقود أن البكتيريا تستطيع إنتاج نسخ متعددة من أدوية قوية مضادة للسرطان، لكنهم لم يعرفوا كيف تفعل ذلك. وأضاف أن الدراسة "فكت الشفرة" عبر تحديد طريقة تعاون الإنزيمات المختلفة لإنتاج هذه النسخ.
وأظهرت الدراسة أن السر يكمن في مناطق جزيئية صغيرة أطلق عليها الباحثون اسم "مجالات الالتحام"، وتعمل هذه المناطق مثل وصلات أو مقابس دقيقة تربط بين آلة بناء الدواء الرئيسية داخل البكتيريا وبين إنزيمات أخرى مسؤولة عن تصنيع الأجزاء المتغيرة من المركب.
وبحسب الباحثين، فإن هذه الوصلات تستخدم نقطة اتصال محفوظة وقابلة للتوافق مع أكثر من شريك إنزيمي. وهذا يعني أن البكتيريا تستطيع أن "تخلط وتطابق" بين إنزيمات مختلفة، فتنتج مركبات متنوعة، مع الحفاظ على دقة البنية الكيميائية المطلوبة لكي يظل الدواء فعالاً.
وتشبه الآلية، بصورة مبسطة، خط إنتاج يستطيع تبديل بعض القطع الصغيرة دون تغيير المنتج الأساسي بالكامل. وبذلك تنتج البكتيريا عائلة من المركبات المتقاربة، لكن كل مركب يحمل تعديلاً قد يؤثر في قوته، أو انتقائيته للخلايا السرطانية، أو طريقة تفاعله داخل الجسم.
ولم يقتصر البحث على شرح آلية التصنيع، بل تتبع أيضاً كيف تطورت هذه الأنظمة طبيعياً. ووجد الباحثون أن المركب الجديد الذي درسوه ربما نشأ من نظام قريب لإنتاج دواء آخر، من خلال عمليات تضاعف جيني وإعادة تركيب، وهي آليات تطورية تسمح للطبيعة بتجربة نسخ جديدة من الأدوات الجزيئية.
وقال المؤلف المشارك في الدراسة، جريج تشاليس، أستاذ الكيمياء المستدامة في جامعة وورويك وجامعة موناش، إن البحث يمنح العلماء "مخططاً" لفعل ما تفعله الطبيعة، لكن بصورة أسرع وأكثر توجيهاً. وأضاف أن فهم المنطق التطوري للطبيعة قد يسمح بتصميم مسارات صناعية لإنتاج مرشحات دوائية جديدة ضد السرطان.
استهداف الخلايا السرطانية
ويرى الباحثون أن الهدف القريب هو بناء مكتبة موسعة من المركبات المرشحة لعلاج أنواع مختلفة من السرطان، خصوصاً الأورام التي لا تزال خيارات علاجها محدودة. ويمكن أن تساعد هذه المكتبة لاحقاً في اختبار مركبات أكثر قوة، وأكثر قدرة على استهداف الخلايا السرطانية، وأقل تسبباً في آثار جانبية.
ولا يعني الاكتشاف أن دواءً جديداً أصبح جاهزاً للاستخدام الفوري؛ فالطريق لفهم آلية طبيعية داخل البكتيريا إلى تطوير علاج آمن وفعال للبشر يحتاج إلى مراحل طويلة من التصميم والاختبار المعملي والتجارب قبل السريرية ثم التجارب السريرية.
لكن أهمية الدراسة تكمن في أنها تنقل المجال من مرحلة الملاحظة إلى مرحلة الهندسة. فبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن مركبات تنتجها البكتيريا عشوائياً في الطبيعة، قد يتمكن العلماء من توجيه هذه الأنظمة لإنتاج نسخ جديدة حسب الحاجة.
وقال الباحثون إن هذه المقاربة قد تكون مهمة بشكل خاص في أبحاث السرطان، حيث يحتاج الأطباء باستمرار إلى أدوية جديدة قادرة على التغلب على مقاومة العلاجات الحالية، أو استهداف أورام لا تستجيب جيداً للعلاج الكيميائي أو المناعي أو العلاجات الموجهة.
وبذلك، يقدم الاكتشاف نموذجاً جديداً لكيفية تحويل ذكاء الطبيعة الجزيئي إلى منصة لصناعة أدوية المستقبل، عبر استخدام البكتيريا ليس فقط كمصدر للمركبات، بل كدليل هندسي لتصميم علاجات أكثر دقة ضد السرطان.










