موجات الحر والاضطرابات النفسية.. دراسة رصدية تكشف العلاقة | الشرق للأخبار

موجات الحر والاضطرابات النفسية.. دراسة رصدية تكشف العلاقة

التعرض المطول لموجات الحر يرتبط بزيادة دخول المستشفيات بسبب اضطرابات نفسية وسلوكية

time reading iconدقائق القراءة - 6
أشخاص في باريس وسط موجة من الحر الشديد تضرب غالبية أنحاء أوروبا. 10 يوليو 2026 - Reuters
أشخاص في باريس وسط موجة من الحر الشديد تضرب غالبية أنحاء أوروبا. 10 يوليو 2026 - Reuters
القاهرة -

حذرت دراسة دولية جديدة من أن موجات الحر الشديدة والممتدة، قد تؤدي إلى زيادة حالات دخول المستشفيات بسبب الاضطرابات النفسية والسلوكية، فيما تشهد فيه مناطق واسعة من الولايات المتحدة وأوروبا ارتفاعاً حاداً متكرراً في درجات الحرارة.

وقالت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة موناش الأسترالية ونشرتها دورية Nature Health، إن التعرض المستمر لدرجات حرارة مرتفعة للغاية خلال موجات الحر ارتبط بزيادة ملموسة في خطر دخول المستشفى بسبب مشكلات الصحة النفسية.

وحلل الباحثون أكثر من 2.6 مليون حالة دخول إلى المستشفيات، خلال المواسم الدافئة في 852 موقعاً بالبرازيل وكندا وتشيلي ونيوزيلندا، بين عامي 2000 و2019، في أول دراسة تقارن عبء الاضطرابات النفسية المرتبطة بموجات الحر عبر عدة دول.

وتعرف موجة الحر بأنها فترة تستمر عدة أيام وتسجل خلالها درجات الحرارة مستويات مرتفعة بصورة استثنائية مقارنة بالمعدلات المعتادة في المنطقة، بما يؤدي إلى زيادة الأمراض والوفيات المرتبطة بالحرارة.

وقال المؤلف المشارك في الدراسة، يومينج قوه، الأستاذ بجامعة موناش، إن العلاقة بين موجات الحر ودخول المستشفيات بسبب الاضطرابات النفسية والسلوكية، كانت أكثر وضوحاً بين كبار السن وسكان المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة.

وأضاف أن النتائج تشير إلى أن التعرض المطول للحرارة الشديدة يمكن أن يرفع بصورة سريعة، الطلب على خدمات الصحة النفسية في المستشفيات، مما يبرز الحاجة إلى خطط استعداد تستهدف الفئات الأكثر عرضة للخطر أثناء موجات الحر القاسية.

ولم تقتصر الدراسة على تقدير الخطر الإجمالي، بل قارنت النتائج وفق العمر والجنس، والكثافة السكانية، ومتوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي، وانتشار أجهزة تكييف الهواء، والوقت اللازم للوصول إلى المرافق الصحية، إلى جانب الأسباب المختلفة للاضطرابات النفسية والسلوكية.

الضغط الحراري واضطرابات النوم

وبحسب الباحثين في الدراسة، فإن موجات الحر قد تؤدي إلى تفاقم حاد في أعراض الاضطرابات النفسية من خلال تعطيل النوم وزيادة الضغط الفسيولوجي على الجسم وتغيير استجابته للتوتر.

وتؤثر الحرارة المرتفعة على قدرة الجسم على تنظيم حرارته، كما قد تسبب الجفاف والإرهاق وتسارع ضربات القلب واضطراب وظائف الجهاز العصبي، وهي عوامل يمكن أن تزيد القلق والانفعال والتشوش، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون بالفعل من اضطرابات نفسية.

وقد يكون المرضى الذين يتناولون بعض الأدوية النفسية، أكثر حساسية للحرارة، وفق الدراسة، إذ يمكن لبعض هذه العقاقير أن تؤثر على التعرق أو الإحساس بالعطش أو قدرة الجسم على خفض حرارته. غير أن الدراسة لم تختبر تأثير أدوية بعينها بصورة مباشرة.

كما يمكن لقلة النوم خلال الليالي شديدة الحرارة، أن تؤدي إلى عدم استقرار الحالة المزاجية وزيادة التهيج والاندفاع وتفاقم أعراض القلق والاكتئاب وبعض الاضطرابات الذهانية.

وقال الباحثون إن ضيق التنفس المرتبط بالحر، إلى جانب التغيرات السلوكية التي قد تحدث خلال موجات الحر، يمكن أن يساهما في تدهور الأعراض وزيادة الحاجة إلى الرعاية الطارئة أو دخول المستشفى.

كبار السن

وأظهرت النتائج أن كبار السن كانوا من بين الفئات الأكثر تأثراً، وهو ما قد يرتبط بانخفاض كفاءة تنظيم حرارة الجسم مع التقدم في العمر، وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة، وتناول أدوية متعددة يمكن أن تزيد الحساسية تجاه الحرارة أو الجفاف.

أما ارتفاع الخطر في المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة فقد يعكس، بحسب الباحثين، طول المسافة إلى المرافق الطبية، وقلة خدمات الصحة النفسية، وضعف انتشار أجهزة التكييف، إلى جانب احتمالات العزلة الاجتماعية.

وقالت المؤلفة المشاركة في الدراسة، شانشان لي، إن تغير المناخ أصبح عاملاً ملحاً يؤثر على الصحة النفسية على نطاق عالمي، مع ما يصاحبه من ظواهر جوية متطرفة وندرة في الموارد واضطرابات بيئية تزيد الضغط النفسي ومخاطر الإصابة بالاضطرابات العقلية.

وأضافت أن ازدياد تواتر موجات الحر وشدتها، يمثل أحد أبرز التهديدات المرتبطة بالمناخ، مشيرة إلى موجات الحرارة التي شهدتها الولايات المتحدة ودول أوروبية خلال الفترة الأخيرة.

استعداد المستشفيات

وتدعم النتائج دعوات إلى إدراج الصحة النفسية ضمن خطط الطوارئ الخاصة بموجات الحر، والتي تركز عادة على ضربات الشمس والجفاف وأمراض القلب والجهاز التنفسي.

ويرى الباحثون في الدراسة، أن السلطات الصحية قد تحتاج إلى زيادة جاهزية أقسام الطوارئ وخدمات الطب النفسي خلال موجات الحر، مع متابعة المرضى الأكثر عرضة للخطر والتأكد من قدرتهم على الوصول إلى أماكن باردة والحصول على المياه والأدوية بصورة آمنة.

وقد تشمل التدابير المقترحة، إصدار تنبيهات مبكرة للمرضى ومقدمي الرعاية، وتوفير مراكز تبريد، وتعزيز خدمات الدعم الهاتفي والمجتمعي، ومراجعة تأثير الأدوية لدى المرضى الذين يواجهون صعوبة في تنظيم حرارة أجسامهم.

ويصنف الباحثون الدراسة بأنها "رصدية"، ولذلك فإنها تُظهر ارتباطاً بين موجات الحر وزيادة دخول المستشفيات، لكنها لا تثبت وحدها أن الحرارة كانت السبب المباشر في كل حالة. كما اقتصرت البيانات على أربع دول، وهو ما يعني أن حجم الخطر قد يختلف في الدول الأكثر حرارة أو الأقل قدرة على توفير الرعاية الصحية والتبريد.

وتقدم النتائج، حسبما يؤكد الباحثون في تلك الدراسة، دليلاً متعدد البلدان، على أن آثار موجات الحر لا تقتصر على الأمراض الجسدية، بل تمتد أيضاً إلى الصحة النفسية والسلوك، مشيرين إلى أن هذه الآثار مرشحة للتفاقم مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالمياً.

تصنيفات

قصص قد تهمك