
توصلت دراسة دولية واسعة إلى أن الرجال أكثر عرضة من النساء للإصابة بعدوى السل، لكنهم لا يبدون أكثر قابلية لتطور المرض النشط بعد حدوث العدوى، في نتائج قد تساعد على تفسير سبب إصابة نسبة كبيرة من الرجال حول العالم بالسل.
وحلل باحثون بكلية لندن الجامعية في بريطانيا، بيانات أكثر من 22 ألف شخص، شاركوا في 11 دراسة مستقبلية، أجريت في 14 دولة بأوروبا وإفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، بحسب النتائج المنشورة في eClinicalMedicine.
وقال الباحثون إن الرجال كانوا أكثر إصابة بعدوى المتفطرة السلية من النساء، ما يشير إلى تعرضهم للبكتيريا بدرجة أكبر على مدار حياتهم، لكن بعد أخذ وجود العدوى في البداية في الاعتبار، لم يظهر أن الرجال أكثر عرضة بصورة ذات دلالة إحصائية من النساء للانتقال إلى مرض السل النشط.
وتشير النتائج إلى أن الفجوة بين الجنسين في معدلات السل قد تنشأ، بدرجة كبيرة، قبل مرحلة تطور المرض، أي بسبب اختلاف احتمالات التعرض للبكتيريا والإصابة بالعدوى، وليس بالضرورة بسبب اختلاف بيولوجي يجعل الرجال أكثر عرضة للإصابة بالمرض بعد العدوى.
الرجال وعدوى السل
أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية أن الرجال شكلوا 54% من جميع الأشخاص الذين أصيبوا بالسل في 2024، مقارنة بـ35% للنساء و11% للأطفال والمراهقين الصغار، بينما تظهر مسوح الانتشار الوطنية أن الرجال يمثلون ما بين 66 و75%من البالغين المصابين بالمرض.
وأفادت الدراسة بأن أحد احتمالات إصابة الرجال هو أن يكون الرجال أكثر عرضة لمقابلة أشخاص يحملون البكتيريا، أو قضاء وقت أطول في بيئات تسهل انتقال العدوى، أو وجود اختلافات بيولوجية، أو مناعية تجعل جسم الرجل أكثر احتمالاً لتطوير السل النشط بمجرد إصابته بالعدوى.
وللفصل بين الاحتمالات، جمع الباحثون بيانات الدراسات المستقبلية التي يمكن فيها تحديد حالة المشاركين من ناحية العدوى في البداية، ثم متابعتهم لمعرفة من أصيب منهم لاحقاً بالمرض.
وأظهر التحليل أن احتمال وجود عدوى بالسل عند خط الأساس كان أعلى لدى الرجال بنحو 12% مقارنة بالنساء، بنسبة أرجحية بلغت 1.12
وتغيرت الصورة عندما نظر الباحثون فقط إلى الأشخاص المصابين بالفعل بعدوى السل، إذ بلغ معدل الإصابة بالسل النشط نحو 16.3 حالة لكل 1000 شخص-سنة لدى النساء مقابل 15.6 حالة لكل 1000 شخص- سنة لدى الرجال، ولم يكن الفارق ذا دلالة إحصائية.
ولم يجد التحليل فرقاً واضحاً في خطر تطور السل النشط بين الرجال والنساء، سواء بين المصابين بالعدوى عند بداية الدراسة، أو بين غير المصابين بها آنذاك.
وقال الباحث المشارك في الدراسة، يوهي هامادا، من معهد الصحة العالمية بكلية لندن الجامعية، إن النتائج تشير إلى أن تقليل أوجه عدم المساواة في التعرض للسل بين الرجال، قد يكون أكثر تأثيراً في تضييق الفجوة بين الجنسين، من التركيز فقط على منع انتقال العدوى الكامنة إلى المرض النشط.
عوامل انتشار السل
لا تجيب الدراسة بشكل مباشر عن سبب تعرض الرجال للبكتيريا بدرجة أكبر، لكنها تضع عدداً من التفسيرات التي يحتاج العلماء إلى دراستها.
ومن العوامل المحتملة طبيعة العمل، والبيئة الاجتماعية، وأنماط الحياة، والوصول إلى الخدمات الصحية، إذ يمكن لبعض الوظائف، أو الأنشطة أن تزيد الوقت الذي يقضيه الشخص في أماكن مزدحمة، أو مغلقة وضعيفة التهوية، حيث يكون انتقال السل أكثر سهولة.
وينتشر السل أساساً عبر الهواء عندما يطلق شخص مصاب بالسل الرئوي النشط، البكتيريا أثناء السعال، أو العطس، أو الكلام، أو الغناء. ويزداد خطر انتقال العدوى عادة مع المخالطة الطويلة، خصوصاً في الأماكن المكتظة وسيئة التهوية.
وتدعم أبحاث سابقة فكرة وجود اختلاف في التعرض؛ إذ خلص تحليل عالمي سابق إلى أن الفارق بين الرجال والنساء، في مؤشرات العدوى، يصبح أكثر وضوحاً ابتداءً من مرحلة المراهقة، ويزداد مع العمر، وهو ما يتوافق مع احتمال مساهمة الاختلافات الاجتماعية، والسلوكية، والتعرضات المهنية.
عدوى السل لا تعني المرض دائماً
والسل مرض تسببه بكتيريا المتفطرة السلية، ويصيب الرئتين في أغلب الأحيان، لكنه يمكن أن يصيب أعضاء أخرى من الجسم.
ولا يتحول كل شخص يلتقط البكتيريا إلى مريض بالسل؛ فقد تظل العدوى كامنة دون أعراض، بينما يصاب جزء من الأشخاص لاحقاً بالمرض النشط عندما تبدأ البكتيريا في التكاثر والتسبب بأعراض.
وتشمل الأعراض الشائعة للسل النشط: السعال المستمر، والحمى، والتعرق الليلي، وفقدان الوزن، والإرهاق، ومن هنا، تأتي أهمية التمييز الذي قدمته الدراسة: ارتفاع عدد الرجال المصابين بالمرض يمكن أن يحدث؛ لأن عدداً أكبر منهم يصاب بالعدوى في المقام الأول، حتى لو كانت احتمالات تحول العدوى إلى مرض متقاربة بين الجنسين.
وقال الباحثون إن النتائج ربما تعني أن بعض برامج مكافحة السل تحتاج إلى التركيز، بصورة أكبر، على البيئات والظروف التي تعرض الرجال للعدوى.
ويمكن أن يشمل ذلك مستقبلاً البحث عن الحالات بصورة أكثر نشاطاً بين الرجال في البيئات شديدة الخطورة، وتحسين التهوية، وتقليل التعرض المهني، إلى جانب فهم أسباب تأخر بعض الرجال في الوصول إلى التشخيص والعلاج.
وأشار الباحثون إلى عدد من القيود المهمة، منها صغر حجم بعض مجموعات المشاركين، وعدم توافر معلومات كاملة للجميع عن عوامل يمكن أن تؤثر في خطر السل، مثل التدخين، واستهلاك الكحول، والوضع الاجتماعي والاقتصادي.









