لقاح لعلاج أخطر سرطانات الجلد.. ماذا تكشف التجارب السريرية؟ | الشرق للأخبار
خاص

لقاح لعلاج أخطر سرطانات الجلد.. ماذا تكشف نتائج التجارب السريرية؟

على غرار تقنية كورونا.. "موديرنا" و"ميرك" تطوران لقاحاً لعلاج الميلانوما

علاج جديد لأخطر أنواع سرطان الجلد باستخدام تقنية الحمض النووي الريبي المرسال. صورة منشأة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
علاج جديد لأخطر أنواع سرطان الجلد باستخدام تقنية الحمض النووي الريبي المرسال. صورة منشأة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
القاهرة -

بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجارب على استخدام تقنية الحمض النووي الريبي المرسال mRNA لمكافحة الأورام، حقق لقاح طورته شركتا "موديرنا" و"ميرك" نتائج جيدة ضد الميلانوما، أخطر أنواع سرطان الجلد، في المرحلة الثالثة من التجارب السريرية.

ورغم أن النتائج تعزز آمال المصابين بهذا النوع الخطير من السرطان، فإن العلاج لم يحصل بعد على الموافقات التنظيمية، فيما لا تزال البيانات التفصيلية لأحدث التجارب ونتائج البقاء على قيد الحياة قيد الانتظار.

وأظهر الإعلان الأولي أن إضافة العلاج المعروف باسم Intismeran Autogene إلى عقار العلاج المناعي Pembrolizumab، المعروف تجارياً باسم Keytruda، حسّنت بشكل ملحوظ المدة التي يعيشها المرضى دون عودة السرطان، وكذلك المدة دون انتشاره إلى أجزاء أخرى من الجسم، مقارنة باستخدام Keytruda وحده.

ويمثل ذلك أول نجاح لعلاج سرطاني شخصي قائم على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال mRNA في تجربة من المرحلة الثالثة، وهي المرحلة التي تسبق عادة طلب الموافقات التنظيمية. 

ولا يعطى هذا اللقاح  للأشخاص الأصحاء بهدف منع إصابتهم بالميلانوما، كما تفعل لقاحات الحصبة أو الإنفلونزا، وإنما يتم تقديمه لمريض أصيب بالسرطان وخضع لإزالة الورم جراحياً، بهدف تدريب جهازه المناعي على اكتشاف الخلايا السرطانية المتبقية والقضاء عليها قبل أن تنمو من جديد.

ويصنف المعهد الأميركي للسرطان هذه الوسائل بـ"لقاحات علاجية" للسرطان، وليس "لقاحات وقائية".

العلاج المركب يحقق هدفاً رئيسياً

شملت تجربة المرحلة الثالثة، المسماة (INTerpath-001)، 1137 مريضاً مصاباً بميلانوما جلدية من المراحل الثانية والثانية المتقدمة والثالثة والرابعة والمعروفين باسم IIB وIIC وIII وIV.

وكانت أورام المرضى قد أزيلت بالكامل جراحياً، ولم يكونوا قد تلقوا علاجاً جهازياً -مناعياً أو كيميائياً أو موجهاً أو هرمونياً، سابقاً. 

وتم تقسيم المشاركين بين مجموعة حصلت على Intismeran مع pembrolizumab ومجموعة حصلت على pembrolizumab وحده.

وفي تحليل مرحلي محدد مسبقاً، حقق العلاج المركب، الهدف الرئيسي الخاص بالبقاء دون عودة المرض، كما حقق هدفاً يتعلق بالبقاء دون انتقال السرطان إلى أعضاء بعيدة في الجسم.

ولم تظهر، وفق الشركتين، إشارات سلامة جديدة، فيما لا يقدم الإعلان حتى الآن رقماً يحدد بكم في المئة انخفض خطر عودة السرطان في تجربة المرحلة الثالثة.

وستستمر متابعة المشاركين في التجارب لمعرفة أثر العلاج وإمكانية أن يعيش المرضى الذين يحصلون على اللقاح لفترة أطول.

وتعتزم الشركتان عرض النتائج التفصيلية في اجتماع طبي دولي ومناقشتها مع الجهات التنظيمية. ولهذا فالنتيجة الحالية مهمة للغاية، لكنها تظل "نتائج أولية عليا" وليست الصورة العلمية النهائية للتجربة.  ولم تنشر البيانات الكاملة في مجلة علمية محكمة بعد.

تكمن غرابة Intismeran في أنه ليس منتجاً واحداً مطابقاً لجميع المرضى، فمن الناحية العملية، يصنع دواء مختلف لكل مريض.

فبعد إزالة الورم جراحياً، يأخذ الباحثون عينة منه ويحللون مادته الوراثية ويقارنونها بخلايا المريض الطبيعية. وتكشف هذه المقارنة الطفرات الموجودة داخل الخلايا السرطانية وحدها.

وبعض تلك الطفرات يؤدي إلى إنتاج بروتينات غير طبيعية تظهر أجزاء منها على سطح الخلية، وتعرف باسم المستضدات الجديدة، وهي بمثابة علامات جزيئية يمكن أن يستخدمها جهاز المناعة للتمييز بين الخلية السرطانية والخلايا الطبيعية.

وتستخدم شركة "موديرنا" بعد ذلك أنظمة حاسوبية وأدوات ذكاء اصطناعي لتقدير أي من هذه المستضدات الجديدة لديه الاحتمال الأكبر لإثارة استجابة مناعية قوية. ويختار عدد منها ليكتب "تعليمه الجيني" داخل جزيء الحمض النووي الريبي المرسال، ويستطيع اللقاح ترميز ما يصل إلى 34 مستضداً  جديداً خاصاً بورم المريض.

وبعد حقن العلاج في العضلة، تقرأ خلايا الجسم تعليمات الحمض النووي الريبي المرسال وتنتج المستضدات المستهدفة مؤقتاً، فتتعرف الخلايا المناعية، وخصوصا الخلايا التائية، على الخلايا السرطانية التي تحملها، وتهاجمها.

 اللقاح والعلاج المناعي

لا تكفي معرفة جهاز المناعة لشكل السرطان دائماً للقضاء عليه، لأن الأورام تمتلك وسائل تستطيع من خلالها إضعاف الاستجابة المناعية.

وإحدى هذه الوسائل تستغل نقطة تفتيش مناعية تعرف باسم PD-1، تعمل في الظروف الطبيعية مثل مكابح تمنع الخلايا التائية من مهاجمة أنسجة الجسم بصورة مفرطة. وبعض الخلايا السرطانية تستخدم هذه المكابح للهروب من المناعة.

ويعمل Keytruda على تعطيل هذا المسار، بما يسمح للخلايا التائية باستعادة قدرتها على مهاجمة الورم. ومن هنا نشأت الفكرة، فاللقاح يخبر جهاز المناعة بمن يجب أن يهاجم، بينما يرفع Keytruda جزءاً من المكابح التي تمنعه من الهجوم.

وهذه الشراكة بين اللقاح والعلاج المناعي هي أحد الأسباب التي جعلت الميلانوما المرشح الأبرز لاختبار العلاج.

فالمرض يحتوي في كثير من الحالات على عدد كبير نسبياً من الطفرات، ما يوفر مجموعة أكبر من المستضدات الجديدة التي يمكن استهدافها، كما أن الميلانوما من السرطانات التي أظهرت استجابة مهمة تاريخياً للعلاجات التي تمنع نقاط التفتيش المناعية.

لكن هذه الحقيقة تفسر أيضاً أحد أوجه الحذر، فالنجاح في الميلانوما لا يثبت بصورة تلقائية أن اللقاح سيعمل بالكفاءة نفسها في جميع أنواع السرطانات، ولا سيما الأورام التي تحمل طفرات أقل، أو التي تحتوي على بيئة مناعية أكثر مقاومة.

الحمض النووي الريبي المرسال

فكرة استخدام الحمض النووي الريبي المرسال mRNA في علاج السرطانات، جاءت قبل استخدامه في لقاحات فيروس كورونا.

ففي عام 1990 أظهر باحثون أن حقن الحمض النووي الريبي المرسال المصنّع داخل مختبر، في عضلات الفئران، يمكن أن يجعل الخلايا تنتج البروتين الذي يحمله ذلك الجزيء.

وبعد خمس سنوات، جاءت إحدى أولى تجارب إثبات المفهوم في السرطان، عندما استخدم باحثون حمض نووي ريبي مرسال يحمل تعليمات لإنتاج المستضد الجنيني السرطاني المعروف باسم CEA في الفئران، ونجحوا في تحفيز استجابة مناعية ضده.

ومنذ ذلك الوقت أصبحت الفكرة واضحة نظرياً، فبدلاً من تصنيع البروتين السرطاني نفسه، يمكن إعطاء الجسم التعليمات المؤقتة اللازمة لإنتاجه، وتدريب المناعة عليه.

لكن الطريق من الفكرة إلى العلاج كان صعباً، فجزيئات الحمض النووي المرسال هشة وتتحلل بسرعة، ويصعب إدخالها إلى الخلايا بكفاءة، كما يمكن أن تثير استجابات مناعية فطرية غير مناسبة.

وعلى مدى سنوات عمل الباحثون على تعديل تركيب ذلك الحمض وتحسين استقراره وطرق توصيله إلى الخلايا.

وفي الوقت نفسه كانت ثورة أخرى تحدث في علم السرطان تتعلق بانخفاض تكلفة قراءة الحمض النووي، وظهور تقنيات التسلسل الجيني عالي الإنتاجية، ما جعل من الممكن قراءة جينوم ورم كل مريض والبحث عن الطفرات التي لا توجد في خلاياه الطبيعية.

وهكذا التقت تقنيتان كانتا تتطوران بصورة منفصلة، هما الحمض النووي الريبي المرسال وتسلسل جينومات الأورام.

رحلة البحث عن العلاج

وخلال العقد الماضي، بدأ الباحثون يركزون بصورة أكبر على "المستضدات الجديدة" وعلى عكس بروتينات أخرى قد توجد بنسب مختلفة في الخلايا الطبيعية والسرطانية، تنتج المستضدات الجديدة من طفرات خاصة بالورم، ولذلك يستطيع الجهاز المناعي نظرياً استهدافها مع تقليل احتمال إصابة الأنسجة السليمة.

إلا أن المشكلة كانت أن كل ورم تقريباً يمتلك مجموعة مختلفة من الطفرات، أي أن اللقاح المثالي لمريض قد يكون بلا قيمة لمريض آخر.

وأصبحت الحاجة إلى قراءة ورم المريض، ثم التنبؤ بالمستضدات المناسبة، ثم تصنيع لقاح مخصص سريعاً، هي التحدي المركزي للمجال.

ولكن في عام 2017 جاءت نتائج بشرية صغيرة أعطت دفعة قوية للفكرة.

ونشرت مجموعتان مستقلتان في مجلة Nature تجارب على مرضى الميلانوما أظهرت أن اللقاحات الشخصية الموجهة إلى المستضدات الجديدة تستطيع استثارة خلايا تائية موجهة ضد طفرات الورم.

واستخدمت إحدى المجموعتين لقاحات مكونة من "ببتيدات" (سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية)، بينما استخدمت مجموعة يقودها العالم الشهير أوجور شاهين، لقاحات شخصية من الحمض النووي الريبي RNA.

كانت التجارب صغيرة ولا تكفي لإثبات الفاعلية، لكنها أظهرت أن صنع لقاح مختلف لكل شخص ليس فكرة نظرية فقط، وأن جهاز المناعة يستطيع بالفعل التعرف على الأهداف المختارة.

قبل ظهور تلك النتائج بعام، عقدت "موديرنا" و"ميرك" في يونيو 2016 شراكة لتطوير لقاحات سرطان شخصية قائمة على الحمض النووي الريبي المرسال، ودفعت "ميرك" 200 مليون دولار مقدماً، بينما تولت "موديرنا" جانباً كبيراً من البحث والتصنيع.

وكان الهدف منذ البداية الجمع بين لقاح يقدم قائمة شخصية من مستضدات الورم، وبين Keytruda الذي كان قد أثبت بالفعل قدرة على تحرير الاستجابة المناعية من أحد القيود الرئيسية التي يفرضها السرطان.

وتحرك البرنامج بسرعة نسبية، وقالت "موديرنا" إنها انتقلت من توظيف أول موظف في البرنامج إلى تقديم طلب بدء التجارب البشرية إلى إدارة الغذاء والدواء الأميركية، خلال فترة 18 شهراً.

وفي نوفمبر 2017 تلقى أول مريض جرعة من العلاج الذي كان يحمل آنذاك اسم mRNA-4157. بدأت تجربة المرحلة الأولى KEYNOTE-603 بدراسة السلامة وقدرة العلاج على توليد استجابة مناعية، سواء بمفرده في بعض الأورام التي أزيلت جراحياً، أو إلى جانب Keytruda في أورام صلبة أخرى.

المرحلة الحاسمة

بدأت المرحلة التالية الحاسمة بين عامي 2019 و2021 في تجربة KEYNOTE-942. وشارك 157 مريضاً مصاباً بالميلانوما عالية الخطورة أزيلت بالكامل جراحياً، فيما حصل 107 منهم على mRNA-4157 مع عقار Keytruda، بينما حصل 50 على Keytruda وحده.

وكانت الفكرة هي البحث عن خلايا سرطانية مجهرية قد تبقى في الجسم بعد الجراحة ولا يمكن رؤيتها في الفحوص، ثم تدريب المناعة على القضاء عليها قبل أن تنشئ ورماً جديداً.

وفي ديسمبر 2022 أعلنت الشركتان أول نتيجة كبيرة، فالعلاج المركب خفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنحو 44% مقارنة بـKeytruda وحده في التحليل الأول.

وكانت تلك أول مرة يظهر فيها علاج سرطاني قائم على الحمض النووي الريبي المرسال فاعلية في تجربة عشوائية. وقبل ذلك بشهرين كانت "ميرك" قد مارست حقها في الدخول الكامل في تطوير المشروع، ودفعت 250 مليون دولار إضافية، مع اتفاق الشركتين على تقاسم تكاليف البرنامج وأرباحه المستقبلية بالتساوي.

دفعت النتائج إدارة الغذاء والدواء الأميركية FDA في فبراير 2023، إلى منح العلاج صفة "العلاج الاختراقي"، وهي آلية تهدف إلى تسريع تطوير ومراجعة العلاجات التي تظهر دلائل أولية على تحسن مهم مقارنة بالخيارات المتاحة.

وبعد أسابيع، منحته وكالة الأدوية الأوروبية صفة "برايم" ذات الهدف المشابه. ولا تعني أي من الصفتين الموافقة على العلاج، ولكنهما أشارتا إلى أن الجهات التنظيمية اعتبرت النتائج جديرة بمتابعة مكثفة.

وفي يوليو 2023 انتقلت الفكرة إلى الاختبار الحقيقي بإطلاق تجربة المرحلة الثالثة INTerpath-001 على نطاق دولي. وفي الوقت ذاته لم تنتظر الشركتان معرفة النتيجة النهائية للميلانوما، بل بدأتا توسيع البرنامج إلى أنواع أخرى من السرطان.

وبدأت تجربة مرحلة ثالثة في سرطان الرئة ذي الخلايا غير الصغيرة، ثم توسعت الدراسات لتشمل سرطان الكلى والمثانة والميلانوما المنتشرة وأنواعا أخرى من الأورام.

وبحلول مايو 2026 كانت "موديرنا" تعرض Intismeran في عدة تجارب من المرحلتين الثانية والثالثة، ما جعل نجاح الميلانوما مهماً للمشروع كله، وليس لعلاج سرطان الجلد فقط.

تفاصيل الدراسة المنشورة

في يناير 2024 نشرت النتائج الكاملة الأولى لتجربة المرحلة الثانية في مجلة The Lancetبعد متابعة وسطية قاربت العامين.

وشهد 22% من المرضى الحاصلين على اللقاح مع عقار Keytruda عودة المرض أو الوفاة، مقابل 40% ممن حصلوا على Keytruda وحده.

وبلغت نسبة المرضى الأحياء الذين تحصلوا على العلاج المركب ولم يسجلوا عودة للسرطان بعد 18 شهراً 79%، مقابل 62% في المجموعة الأخرى. 

كما أظهرت الدراسة أن معظم الآثار الجانبية المرتبطة بالعلاج كانت من الدرجتين الأولى والثانية.

لكن إضافة اللقاح لم تكن خالية من الأعراض، إذ ظهرت آثار جانبية مرتبطة بالعلاج من الدرجة الثالثة أو أعلى لدى 25% من مجموعة العلاج المركب، مقارنة بـ18% مع Keytruda وحده.

وكانت الأعراض الشائعة المرتبطة باللقاح تشمل التعب وألم موضع الحقن والقشعريرة، ولم تسجل الدراسة أحداثاً من الدرجتين الرابعة أو الخامسة، كما كانت نسبة الأحداث المناعية متشابهة تقريباً بين المجموعتين.

وظل السؤال بعد ذلك هو، ما إذا كانت الفائدة ستستمر أم ستختفي مع مرور الوقت.

وفي يونيو 2026 قدمت الشركتان في الاجتماع السنوي للجمعية الأميركية لعلم الأورام السريري ASCO بيانات متابعة بلغت مدتها الوسطية أكثر من خمس سنوات. وأظهرت النتائج استمرار انخفاض خطر عودة السرطان أو الوفاة بنسبة 49% مع العلاج المركب مقارنة بـKeytruda وحده، وانخفاض خطر ظهور نقائل بعيدة أو الوفاة بنسبة 59%.

أما البقاء الكلي، وهو أحد أهم المعايير النهائية في علاج السرطان، فقد أظهر اتجاهاً في مصلحة اللقاح، لكن عدد الوفيات كان صغيراً وفاصل الثقة واسعاً، ولذلك لا يمكن اعتبار تلك النتيجة دليلاً نهائياً حتى الآن على أن العلاج يطيل الحياة.

وهذه النقطة أصبحت أكثر أهمية بعد إعلان أغسطس، فالوقاية من عودة السرطان ومنع انتشاره، أهداف شديدة الأهمية، لكن إثبات أن العلاج يضيف سنوات أو أشهراً إلى حياة المرضى، سيحتاج متابعة أطول وعدداً أكبر من التجارب.

والفارق بين نتائج المرحلة الثانية السابقة وإعلان أغسطس 2026 هو حجم وقوة التجربة.

فالدراسة السابقة ضمت 157 مريضاً فقط وكانت مفتوحة التسمية، بينما ضمت تجربة INTerpath-001 أكثر من 1100 مريض وكانت عشوائية ومزدوجة التعمية (لا يعرف المشاركون والباحثون من يتلقى العلاج الحقيقي من الوهمي).

ولهذا فإن نجاحها يعطي دليلاً أقوى بكثير على أن الفائدة لا ترجع إلى الصدفة أو اختلافات بين مجموعات صغيرة. ووصف باحثون تحدثوا إلى Nature النتائج بأنها إثبات مهم لمبدأ أن اللقاحات السرطانية الشخصية يمكن أن تعمل سريرياً، وليس فقط تحفيز خلايا مناعية في المختبر.

وفي الوقت نفسه، تفرض المنهجية العلمية انتظار البيانات التفصيلية. فعبارة "ذو دلالة إحصائية وذات معنى سريري" لا تخبر الأطباء بعد بالحجم المطلق للفائدة، فلا يزال لا يعرف على وجه الدقة كم مريضاً منع العلاج لديه عودة الورم؟ وما مقدار الفرق بعد سنتين أو ثلاث سنوات؟ وهل استفادت جميع المجموعات العمرية والمراحل بالقدر نفسه؟ وما هي معدلات التوقف عن العلاج والآثار الجانبية الدقيقة؟ هذه التفاصيل هي التي ستحدد في النهاية مدى تغير الممارسة الطبية إذا حصل العلاج على الموافقة.

هل اقتربت الموافقة على العلاج؟

بدأت "موديرنا" و"ميرك" محادثات مع الجهات التنظيمية، ويمكن أن يصل العلاج إلى السوق في 2027 إذا قدمت البيانات الكاملة نتائج مقنعة وحصلت على الموافقات المطلوبة، إلا أن ذلك ليس موعداً مضموناً.

وتقول "موديرنا" إن مصنعها المتخصص في ولاية ماساتشوستس الأميركية، بدأ بالفعل إنتاج دفعات سريرية من Intismeran في 2025، في خطوة للاستعداد لإنتاج العلاج على نطاق أكبر، إذا تمت الموافقة عليه.

لكن تصنيع دواء مختلف لكل شخص يمثل تحدياً غير معتاد للأنظمة الصحية.

ففي الأدوية التقليدية يمكن إنتاج ملايين الجرعات المتطابقة وتخزينها، أما هنا فيجب الحصول على عينة الورم وقراءة تسلسلها الجيني واختيار المستضدات وتصميم الحمض النووي الريبي المرسال وتصنيعه، وفحص جودته ثم إرساله للمريض.

وتقدر تقارير حديثة أن عملية التصنيع قد تستغرق أسابيع، وقد تطول في بعض الحالات إلى أشهر، وهذا مناسب نسبياً بعد الجراحة عندما يكون الهدف القضاء على بقايا مجهرية للمرض، لكنه قد يمثل مشكلة أكبر عند علاج سرطان سريع التطور يحتاج المريض فيه إلى العلاج فوراً.

ويجعل اللقاح الذكاء الاصطناعي جزءاً من القصة أيضاً، فليس كل طفرة في الورم تصلح لتكون هدفاً جيداً للمناعة، وقد يحتوي الورم على مئات أو آلاف التغيرات الجينية.

وتستخدم "موديرنا" أدوات حاسوبية لترشيح تلك الطفرات والتنبؤ بالمستضدات التي من المحتمل جداً أن تعرضها الخلايا السرطانية بطريقة تستطيع الخلايا التائية رؤيتها. ثم يختار عدد محدود منها ليدخل في اللقاح.

وكل تحسن في هذه الخوارزميات قد يزيد فرصة اختيار الأهداف الصحيحة، كما يمكن أن يؤدي تحسين التصنيع والأتمتة إلى تقليص الفترة بين استئصال الورم وإعطاء الجرعة الأولى.

لكن التنبؤ بالمستضد المناسب لا يزال أحد أصعب أجزاء المجال، فوجود طفرة لا يعني بالضرورة أن الخلية ستصنع البروتين الناتج عنها بكميات كافية، أو أنها ستقطعه إلى الجزء الصحيح، أو ستعرضه على سطحها، أو أن لدى المريض بالفعل خلايا تائية تستطيع التعرف عليه.

ولهذا فإن جانباً مهماً من مستقبل اللقاحات الشخصية لا يتعلق بتقنية الحمض النووي الريبي المرسال نفسها، وإنما بتحسين علوم الجينوم والمناعة والحوسبة، التي تحدد ما الذي يجب وضعه داخل الحمض النووي الريبي المرسال أساساً.

هل يمكن استخدام اللقاح ضد سرطانات أخرى؟

هذا السؤال الذي سيحدد ما إذا كان Intismeran سيظل علاجاً مهماً للميلانوما أم سيصبح بداية منصة جديدة في علاج السرطان.

وتختبر "موديرنا" و"ميرك" العلاج حالياً في سرطانات تشمل الرئة والكلى والمثانة والميلانوما المتقدمة، إضافة إلى دراسات أخرى في أورام صلبة. وهناك تجارب من المرحلة الثالثة بالفعل في سرطان الرئة ذي الخلايا غير الصغيرة، بينما توجد برامج من المرحلة الثانية لأنواع أخرى.

ولا تعمل الشركتان وحدهما في هذا المجال، إذ تطور "بايونتيك" لقاحات شخصية قائمة على الحمض النووي الريبي منزوع الأكسجين لسرطانات من بينها البنكرياس والقولون والثدي الثلاثي السلبي.

وأظهرت دراسة صغيرة نشرت في Nature أن لقاحاً شخصياً لسرطان البنكرياس استطاع توليد استجابات مناعية لدى بعض المرضى ارتبطت بفترات أطول من دون عودة المرض. كما تعمل شركات ومجموعات بحثية أخرى على منصات تستخدم الحمض النووي الريبي والببتيدات والحمض النووي والخلايا المتغصنة. ولذلك فإن نجاح Intismeran في المرحلة الثالثة قد يرفع الثقة في الفكرة بأكملها وليس في منتج واحد فقط.

ورغم الطبيعة غير المسبوقة لنجاح الحمض النووي الريبي المرسال في المرحلة الثالثة، فإن فكرة لقاح علاجي للسرطان ليست جديدة تماماً من الناحية التنظيمية.

ووافقت الولايات المتحدة عام 2010 على لقاح يسمى sipuleucel-T لعلاج بعض حالات سرطان البروستاتا المنتشر، وهو علاج شخصي يعتمد على جمع خلايا مناعية من المريض وتعديلها خارج الجسم ثم إعادتها إليه.

كما توجد علاجات فيروسية تستخدم لتحفيز المناعة ضد الأورام، والجديد في Intismeran هو الجمع بين التسلسل الجيني الشخصي والحمض النووي الريبي المرسال والمستضدات الجديدة، والعلاج بنقاط التفتيش المناعية في نظام يمكن تصنيعه بصورة منفصلة لكل مريض.

ويبقى أمام العلاج عدد من الأسئلة المهمة، أولها مقدار الفائدة الدقيقة في المرحلة الثالثة، وهو رقم لم تعلنه الشركتان بعد، وثانياً البقاء الكلي، وثالثاً قدرة النظام على تصنيع آلاف أو عشرات الآلاف من اللقاحات الشخصية بالسرعة والجودة نفسهما إذا تمت الموافقة عليه.

أما رابعاً فهي كلفة العلاج، التي لم تعلن بعد، وقد تكون عاملاً مهماً في تحديد من يستطيع الوصول إليه. كما لا يعرف حتى الآن مدى نجاح المنصة في الأورام التي تختلف بيولوجياً عن الميلانوما، وتحمل عدداً أقل من الطفرات.

وهناك أيضاً سؤال عن أفضل توقيت للعلاج، فالنتائج الحالية تتعلق أساساً بالمرضى الذين أزيلت أورامهم بالفعل، أي في مرحلة يكون فيها حجم السرطان المتبقي المفترض صغيراً للغاية. وقد تكون هذه البيئة مثالية للقاح، وجهاز المناعة لا يواجه كتلة ورمية ضخمة، وإنما عدداً قليلاً من الخلايا المختبئة.

لذلك لا ينبغي تفسير النتيجة على أنها دليل على أن حقن اللقاح يستطيع إزالة ورم كبير منتشر بمفرده. وتختبر الدراسات اللاحقة استخدامه في مراحل ومجموعات مختلفة لمعرفة أين تكون الاستفادة الأكبر.

تصنيفات

قصص قد تهمك