
تدرس الإدارة الأميركية احتمال إرسال قوات خاصة إلى العمق الإيراني للاستحواذ على اليورانيوم المخصب، في عملية توصف بأنها "الأكثر خطورة حتى الآن"، نظراً للتحديات العسكرية والتقنية واللوجيستية، وخصوصاً التعاطي مع مواد نووية شديدة الحساسية داخل بيئة قتالية نشطة.
ويأتي ذلك بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحقيق أحد الأهداف الرئيسية لهجومه على إيران، والمتمثل في تعطيل قدرة البلاد على صناعة سلاح نووي.
ورغم تضارب التصريحات بشأن العملية المحتملة، تشير التقديرات إلى إمكانية مشاركة قوات خاصة مدعومة من الفرقة 82 المحمولة جواً والمتخصصة في عمليات الاقتحام المشتركة.
تحدي المسافة والاستعداد الإيراني
خلال جلسة إحاطة في الكونجرس في 7 مارس الماضي، سُئل وزير الخارجية ماركو روبيو عما إذا كان سيتم تأمين اليورانيوم المخصب الإيراني. فأجاب "سيتعين الذهاب والحصول عليه".
كانت الإدارة بالفعل، تناقش إرسال قوات العمليات الخاصة للاستيلاء على المواد المخزنة في 30 إلى 50 حاوية. لكن العملية ستكون من بين أخطر عمليات الكوماندوز، على حد قول العقيد المتقاعد في مشاة البحرية الأميركية وكبير مستشاري الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، مارك كانسيان.
وقال كانسيان، في حديث مع "الشرق"، إن هذه العملية ستكون شديدة الصعوبة، مشيراً إلى أن المسافات التي ستضطر القوات لقطعها من أجل الوصول إلى أصفهان تبلغ نحو 500 ميل (800 كلم)، وهي مسافات أطول بكثير مقارنة بحالات أخرى مثل فنزويلا، بحيث لا تتجاوز المسافة إلى كاراكاس نحو 30 ميلاً (48 كلم).
وأضاف أن إيران استمعت إلى التحذيرات من العملية، وأنها قامت على الأرجح بتحصين الموقع.
وأوضح كانسيان أن إيران تمتلك نحو مليون جندي في القوات البرية، إلى جانب نحو مليون آخرين في قوات الباسيج، وهي جماعة شبه عسكرية تطوعية، تشكلت بعد الثورة عام 1979، وتُعدّ قوة مساعدة للحرس الثوري الإيراني، وهو ما يجعلها قوة أكبر بكثير مقارنة بفنزويلا التي لا يتجاوز عدد قواتها نحو 100 ألف جندي.
وأشار إلى أن هذه المهمة "أكثر صعوبة من أي غارة أميركية ناجحة سابقة"، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة حاولت تنفيذ عملية مشابهة عام 1980 لتحرير رهائن في طهران "لكنها فشلت".
وذكر كانسيان أن المسافة أو البعد الجغرافي يمثل عاملاً حاسماً في تعقيد أي عملية عسكرية، إذ كلما ابتعدت القوات عن قواعدها زادت صعوبة الإمداد والتنسيق والدعم اللوجيستي. ولفت إلى أن العملية الإسرائيلية في أوغندا عام 1976 تُعد مثالاً على تنفيذ عملية ناجحة رغم المسافة الكبيرة، "عندما أنقذت إسرائيل رهائنها بنجاح هناك، لأن الخصم هناك كان أضعف بكثير وأقل استعداداً"، مؤكداً أن أسوأ سيناريو عسكري هو "أسر القوة المهاجمة".
تعقيد يُنذر بالفشل
يبدو أن تعقيد المهمة وخطورتها يرفع من احتمالية فشلها، إذ قال الضابط السابق في العمليات الخاصة والاستخبارات العسكرية، جوناثان هاكيت، إن إرسال قوات برية في مثل هذه المهمة قد يكون أكثر عمليات القوات الخاصة تعقيداً على الإطلاق في تاريخ الولايات المتحدة.
وأضاف هاكيت، في حديث مع "الشرق"، إن احتمالات النجاح الكامل للمهمة تتناقص بشكل كبير مع زيادة التعقيد وارتفاع المخاطر، موضحاً "لا يقتصر الأمر على الخسائر البشرية، مثل القتلى والجرحى، بل يشمل أيضاً احتمالات وقوع حوادث للطائرات، وأعطال في المعدات، والتعرض للإشعاع، إضافة إلى العديد من العوامل الأخرى التي ستتطلب طبقات إضافية من الدعم اللوجيستي لتنفيذ المهمة".
واستدعى هاكيت واحدة من أكثر العمليات تعقيداً التي نفذتها الولايات المتحدة، وهي عملية اغتيال زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، في باكستان، عام 2013، قائلاً إن القوات الأميركية خلال تلك العملية تدربت مئات المرات على سيناريوهات مختلفة تحاكي موقع الهدف، الذي كان في الأصل مجمعاً سكنياً بسيطاً نسبياً، "وعلى الرغم من كل هذا التدريب والتخطيط والمعلومات الاستخباراتية، واجهت القوات مفاجآت على الأرض، مثل باب معدني غير متوقع يؤمّن غرفة نوم بن لادن، كما فقدت مروحية داخل موقع الهدف".
ويبدو أن في حالة إيران يصل التعقيد إلى مستوى غير مسبوق. إذ قال هاكيت إن المواد النووية ليست في موقع واحد، بل موزعة على ما قد يصل إلى أكثر من 6 مواقع، كما أن مواقع مثل أصفهان مدفونة تحت الأرض، ومتضررة، ولا تتوافر معلومات دقيقة عنها، موضحاً أن هذا المستوى من عدم اليقين الذي ستواجهه القوات الخاصة لم تشهده منذ تأسيسها بعد عملية "مخلب النسر" عام 1980، "وهي محاولة الإنقاذ الأميركية الفاشلة في إيران قبل 46 عاماً".
أين يوجد اليورانيوم الإيراني؟
تستهدف العملية العسكرية ما يقرب من 8 مواقع نووية في إيران، في مقدمتها منشأة أصفهان النووية التي تمتلك غالبية مخزون اليورانيوم المخصب.
كان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، قد أعلن أن منشأة أصفهان تستحوذ على مخزون 220 كيلوجرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، وهي كمية كافية لصنع نحو 5 قنابل نووية خلال حوالي شهرين باستخدام نحو 350 جهاز طرد مركزي، بحسب تقديرات الباحث في معهد العلوم والأمن الدولي المتخصص في قضايا الانتشار النووي وأمن المواد النووية، سبنسر فاراجاسو.
وقال فراجاسو لـ"الشرق" إن باقي مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 60%، يُرجح أن يكون مدفوناً تحت الأنقاض في منشأة فوردو، وربما كمية صغيرة في منشأة نطنز، "بينما لا يزال وضع مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 20% غير واضح، وكذلك المخزونات منخفضة التخصيب بنسبة 5% و2%".
وأضاف أنه قبيل حرب الـ12 يوماً في يونيو 2025، كانت إيران تمتلك نحو 184 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، وهي كمية تكفي لإنتاج مواد لقنبلة نووية واحدة تقريباً، لافتا إلى ضرورة تحديد مصير هذه الكميات، "لكن الأولوية حالياً تظل لمخزون 60% لأنه الأسرع في تحويله إلى مواد صالحة للاستخدام العسكري".
من جانبه، ذكر أستاذ التاريخ ومدير معهد الدراسات النووية في الجامعة الأميركية بواشنطن العاصمة، بيتر كوزنيك، أن إيران لديها مخزون إجمالي من اليورانيوم عالي التخصيب 60% يبلغ نحو 440 كيلوجرام، بالإضافة إلى كميات أكبر من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%.
وأضاف كوزنيك، في حديثه مع "الشرق"، أن الولايات المتحدة، في عام 1994، قامت بالتعاون مع حكومة كازاخستان، بإزالة 600 كيلوجرام من اليورانيوم عالي التخصيب المستخدم في صنع الأسلحة من الجمهورية السوفيتية السابقة، مستطرداً أن الأمر حينها نجح "لأنه لم يكن في ظروف عدائية كما هو الحال اليوم".
وأوضح كوزنيك أن الإيرانيين يستعدون لهذه الحرب منذ عقدين، ومهيؤون لمواجهة أي تحرك أميركي. وفي حال حاولت القوات الأميركية تنفيذ تلك المهمة، رجح كوزنيك أن تصبح أهدافاً سهلة للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، مضيفاً "ربما قد تتمكن الولايات المتحدة من تنفيذ العملية، لكن مستوى المخاطر مرتفع للغاية لدرجة أن معظم القادة العسكريين الحاليين والسابقين يحثون ترمب على عدم الإقدام عليها".
التدمير أم الاستيلاء؟
أمام القوات الأميركية خياران رئيسيان للتعامل مع اليورانيوم الإيراني المخصب، وهو ما يتطلب من القوات البقاء على الأرض لمدة لا تقل عن أسبوعين لتنفيذ هذه المهمة وفقاً للخبراء.
ويبدو الخيار الأقل تعقيداً هو التدمير، إذ يتطلب، بحسب الضابط السابق في العمليات الخاصة والاستخبارات العسكرية، جوناثان هاكيت، استخدام حفارات ثقيلة، وربما مُركبات كيميائية مثل البورون أو الجادولينيوم لحقنها داخل حاويات غاز سداسي فلوريد اليورانيوم، التي يُقدّر عددها بما لا يقل عن 18 حاوية، بهدف تحييد المادة المشعة أو جعلها آمنة في مكانها.
في المقابل، يُعدّ الاستيلاء على اليورانيوم هو السيناريو الأخطر، إذ يتطلب نطاقاً أوسع بكثير من حيث الأفراد والطائرات والدعم اللوجستي والمعدات وقوات الحماية، وقد يشمل استخدام طائرات قادرة على الإقلاع والهبوط في بيئات صحراوية غير مجهزة، مثل MC-130J.
ويحذر هاكيت من أن أي تصعيد قد يستدعي نشر قوات إضافية، بينها عناصر من الفرقة 82 المحمولة جواً ووحدات من مشاة البحرية، إضافة إلى دعم من حاملات الطائرات، وربما استخدام ذخائر بعيدة المدى تُطلق من حاملات الطائرات الموجودة في المنطقة.
التحدي الأكثر حساسية
تقع أصفهان على بُعد نحو 300 ميل (482 كلم) داخل الأراضي الإيرانية، ما يجعل القوات الأميركية أهدافاً سهلة للإيرانيين. ويرجح الباحث في معهد العلوم والأمن الدولي سبنسر فاراجاسو، أن تلك المواد قد تكون محاطة بمئات الحاويات الوهمية وموجودة داخل أنفاق مليئة بالفخاخ، مما يزيد من التعقيد.
يرى فاراجاسو أن التحدي لا يقتصر على الوصول إلى الموقع، بل يبدأ فعلياً بعد الوصول، حيث يتعين إزالة الردم عن مداخل الأنفاق باستخدام معدات ثقيلة، ثم الدخول إلى المجمع لتحديد حالة اليورانيوم.
وبمجرد الوصول إلى المخزون، تبدأ مرحلة أكثر حساسية، بدخول فرق خاصة عالية التدريب على التعامل مع اليورانيوم عالي التخصيب إلى مجمع الأنفاق لتقييم حالة المواد، "إذ يُخزَّن اليورانيوم إما في أسطوانات يمكن نقلها نسبياً، كل منها يحتوي على ما يصل إلى 25 كيلوجرام، أو في حاويات كبيرة محمية تتطلب معدات ثقيلة لنقلها". وتحتوي هذه الحاويات على مواد تمتص النيوترونات ومواد تغليف واقية إضافية.
وأضاف فاراجاسو أن عملية النقل نفسها شديدة الحساسية، إذ ستتم جواً من داخل إيران، وهو ما يعرّض الطائرات لخطر الاستهداف، خاصة مع طول المسافة، لافتاً إلى ضرورة إنشاء مهبط مؤقت، "خاصة أن منشأة أصفهان تقع على بعد نحو 300 ميل بحري من أقرب قاعدة جوية أميركية"، أو استخدام طائرات بعيدة المدى مثل طائرات V-22 أوسبري لنقل اليورانيوم إلى خارج المجال الجوي الإيراني.
واعتبر أن البديل الأقل خطورة يتمثل في دفن اليورانيوم داخل الأنفاق؛ باستخدام ذخائر خارقة للأعماق من أجل إغلاق مداخل الأنفاق ودفن اليورانيوم داخلها، ما يجعل الوصول إليه مستحيلاً، وأضاف "يمكن استهداف نقاط ضعف في المنشأة مثل فتحات التهوية، كما حدث في منشأة فوردو، باستخدام قنابل GBU-57 لتدمير الشبكة الداخلية من الغرف والأنفاق التي تحوي اليورانيوم، مما يؤدي إلى انهيار السقف الداخلي، ودفن اليورانيوم بشكل دائم".
لكن فاراجاسو أشار إلى أن هذه الخيارات رغم أنها أقل خطورة، لا تحسم مصير اليورانيوم بشكل كامل، مضيفاً أن الاستيلاء عليه يظل الخيار الأكثر وضوحاً، لكنه في الوقت نفسه الأكثر خطورة وتعقيداً، وقابليته للتنفيذ غير مؤكدة.
تسرب إشعاعي
يبقى خطر التسرب الإشعاعي أحد أكبر التحديات. وحذر كوزنيك من أن التعامل الخاطئ مع المخزون قد يؤدي إلى كارثة إشعاعية تجعل أصفهان ومناطق أخرى غير صالحة للسكن لعقود، وقد يمتد تأثيرها إلى دول أخرى، مثل الهند، مستطرداً "لكنه لن يكون بمستوى الكارثة التي قد تنجم عن استهداف أميركي أو إسرائيلي لمحطة بوشهر النووية".
غير أن رئيسة مؤسسة سلام العصر النووي، وعضو في المجموعة الاستشارية العلمية لمعاهدة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة النووية، إيفانا هويز، أوضحت أن الخطر الحقيقي يكمن في دخول جسيمات دقيقة من اليورانيوم إلى الجسم عن طريق الاستنشاق أو الابتلاع، مسبباً ضرراً كبيراً مثل تآكل الجلد والرئتين.
وأضافت هويز لـ"الشرق" أن القلق الأكبر هو أنه إذا استُهدف هذا اليورانيوم بمواد متفجرة تقليدية، فقد يتناثر في الهواء أو ينتشر في المنطقة، وعندها يصبح الأمر أشبه بما يُعرف بـ"القنبلة القذرة"، ورغم أنه لا ينفجر كقنبلة نووية، فإنه يسبب تلوثاً إشعاعياً قد يمتد إلى مساحة واسعة.
لكن الباحث في معهد العلوم والأمن الدولي سبنسر فارجاسو، يرى أن خطر التلوث الواسع يظل منخفضاً، وأن التأثير غالباً سيكون محدوداً في نطاق ضيق، لكنه حذر من أن تلف الأسطوانات داخل الأنفاق قد يجعل التعامل معها شديد التعقيد، وفي بعض الحالات يكون "تركها في مكانها الخيار الأكثر أماناً".
ومع ذلك، اعتبر فاراجاسو، أن أي عملية للاستيلاء على اليورانيوم لن تنهي البرنامج النووي الإيراني، بل "ستؤخره فقط"، موضحاً أن مستقبل هذا البرنامج سيُحسم فقط من خلال المفاوضات، "حيث يتعين على إيران تفكيك منشآتها النووية، والتخلي عن التخصيب، وتقديم كشف كامل بأنشطتها، والسماح بتفتيش دولي شامل".
وقال فاراجاسو إن الاستيلاء على اليورانيوم قد يمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط قوية في المفاوضات، لكنه "ليس حلاً نهائياً".









