
مع دخول الحرب بين إيران شهرها الثاني، ووسط حديث عن مطالب متبادلة بين طهران وواشنطن للموافقة على وقف إطلاق النار، أفادت تقارير بأن باكستان دعت الصين إلى القيام بدور الضامن لأي اتفاق محتمل، في ظل تصريحات متباينة بشأن مسار المفاوضات.
وبينما تقترب مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثانية، لإيران لإبرام اتفاق، في 6 أبريل الجاري، تسير التطورات الميدانية في اتجاه التصعيد، خاصة بعدما أسقطت إيران طائرتين أميركيتين في أجوائها، فيما تكثف الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما، مع استمرار سيطرة طهران على مضيق هرمز الحيوي لحركة التجارة العالمية.
جيا تشينج قوه، عضو اللجنة الدائمة للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني CPPCC، وهو أعلى هيئة استشارية سياسية في البلاد، أشار في حديثه لـ"الشرق"، إلى أن المشكلة الكُبرى في ملف المفاوضات، تكمن في أن كافة الأطراف المنخرطة في الوساطة، تحتاج إلى ضمانات بأن تفي الولايات المتحدة بوعودها، حال إبرام اتفاق، إذ يرى أن هناك معضلة كبيرة تتعلق بضمانات تنفيذ الاتفاق، خاصة في غياب أي مؤشرات على تراجع التصعيد العسكري.
واعتبر جيا في حديثه لـ"الشرق"، أن هناك "فجوة في الثقة" بين أطراف الصراع، في حين يرى صن ديجانج، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة فودان الصينية، أن "الولايات المتحدة وإسرائيل، بصفتهما الجهتين اللتين بدأتا الحرب ضد إيران، يجب أن تتخذا الخطوة الأولى لبناء الثقة مع طهران".
وأضاف في حديثه لـ"الشرق"، أن إيران " خُدعت مرتين من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، لذلك فهي ترى التصريحات الأميركية، تكتيكاً للمماطلة تمهيداً لهجوم بري"، معتبراً أن "اغتيال مسؤولين إيرانيين معتدلين، أدى أيضاً إلى إقصاء مفاوضين محتملين رئيسيين من طاولة التفاوض".
هل الصين وسيط مناسب؟
أشار صن إلى دور باكستان في نقل الرسائل بين الولايات المتحدة وإيران، لافتاً إلى أنها تأمل في أن تتدخل الصين كـ"ضامن" لدفع وقف إطلاق النار قدماً.
ومن المقرر أن يزور ترمب الصين في مايو المقبل، فيما تشير تقارير إلى أن الرئيس الأميركي، يرغب في إنهاء الحرب وإبرام اتفاق مع إيران، قبل الزيارة المرتقبة.
ويوجه الدور الصيني المحتمل، بشأن ضمان تنفيذ الاتفاق، حال إبرامه، عقبات كبيرة، أبرزها "فجوة الثقة"، والتعقيدات الإقليمية الناجمة عن اتساع الصراع، وفق صن ديجانج.
ومع ذلك، يشير صن إلى أن الجهود الاستباقية التي تبذلها الصين، والمبادرة المشتركة مع باكستان، ومكانتها كـ"وسيط محايد"، تجعلها طرفاً مناسباً للمساهمة في تهدئة التوتر.
وكانت المتحدثة باسم الخارجية الصينية، ماو نينج، قد ردت في مؤتمر صحافي، الخميس الماضي، على التقارير بشأن دور بلادها المحتمل، بالتنويه إلى البيان الذي نشر بعد الاجتماع بين وزيري خارجية الصين وباكستان، مشيرةً إلى أنه "منذ اندلاع الصراع الجاري في إيران، تعمل الصين بنشاط من أجل السلام"، وأنها تدعم جميع الجهود الرامية إلى السلام، وأن بكين على استعداد لـ"تعزيز التواصل والتنسيق مع جميع الأطراف والعمل من أجل استعادة السلام والاستقرار في الشرق الأوسط".
ورغم أن المتحدثة، لم تؤكد أو تنفِ ما تردد بشأن الدور الصيني، فإن ردّها أكد على جهود بكين في تعزيز السلام، واستعدادها للانخراط مع جميع الأطراف لحل الأزمة.
كما أشارت ماو إلى أن سبب الاضطراب في مضيق هرمز هو "العملية العسكرية غير القانونية التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران"، مؤكدة أن إنهاء العمليات العسكرية واستعادة السلام في الخليج هما السبيل الوحيد لضمان بقاء ممر الشحن الدولي مفتوحاً وآمناً.
وعرقلت روسيا والصين وفرنسا مؤخراً مشروع قرار، قدمته البحرين في مجلس الأمن الدولي، لإعادة فتح مضيق هرمز باستخدام القوة.
وفي هذا الشأن، أوضح المندوب الصيني لدى الأمم المتحدة، فو كونج، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن "تفويض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باستخدام القوة من شأنه في الأساس إضفاء الشرعية على استخدام غير قانوني وتعسفي للقوة، وهو ما سيؤدي حتماً إلى مزيد من تصعيد الوضع ويترتب عليه تداعيات خطيرة".
مبادرة صينية باكستانية
في ظل تصاعد الصراع، الذي يتسم بتشابك التوترات الإقليمية وتداعياته على الطاقة والاقتصاد العالمي، اتخذت الصين وباكستان خطوات وساطة استباقية.
في بكين، طرح وزير الخارجية الصيني وانج يي، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، بشكل مشترك مبادرة من خمس نقاط لـ"استعادة السلام والاستقرار في الخليج ومنطقة الشرق الأوسط"، في خطوة تُعد الأولى التي تصدر فيها الصين مبادرة مشتركة مع دولة أخرى بشأن الوضع الراهن في إيران.
وخلال مؤتمر صحافي في الأول من أبريل، قالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية، إن المبادرة يمكن تلخيصها في ثلاث كلمات: "أوقف، تحاور، واضمن"، في إشارة إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية، وإطلاق محادثات السلام، وتوفير ضمانات لأمن الأهداف غير العسكرية، وأمن الممرات الملاحية، وأولوية مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
وأكدت ماو، ترحيب بلادها بمشاركة جميع الدول والمنظمات الدولية. وتُعد هذه المبادرة تجسيداً رئيسياً لجهود الصين الاستباقية في الوساطة، وتعكس دورها المحتمل في تعزيز السلام الإقليمي.
وأشار صن ديجانج، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة فودان، إلى أن التداعيات المتجاوزة لحدود الصراع الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران قد امتدت عالمياً، واصفاً المبادرة الصينية الباكستانية، بأنها "خطوة أساسية في الوساطة الجماعية" تعكس المخاوف الدولية.
كما أعرب خلال حديثه لـ"الشرق"، عن تفاؤل حذر إزاء دور الصين في الوساطة، موضحاً أن إيران قد تضع ثقة أكبر في الصين "بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، وكذلك عضواً في مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون"، وذلك رغم بقاء القضية الجوهرية المتمثلة في ضمان التزام الولايات المتحدة بوعودها "دون حل".
عقبات أمام محادثات السلام
على الرغم من المبادرة المشتركة، تواجه محادثات السلام عقبات هائلة. وقال تشاو هاي، مدير دراسات السياسة الدولية في المعهد الوطني للاستراتيجية العالمية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، في حديثه لـ"الشرق"، إن أكبر مشكلة حالياً تتمثل في "تقلّص قنوات الاتصال الدبلوماسي وفشل إدارة الأزمات".
وأضاف تشاو: "على الرغم من أن إيران تكبّدت أضراراً جسيمة، وأن الضغط العسكري الأميركي لا يمكن الحفاظ عليه على المدى الطويل، فإن قنوات التفاوض غير السلسة للغاية، وتباعد مطالب الجانبين بشكل كبير، يقلل من إمكانية التوصل إلى اتفاق تفاوضي".
من جانبه، قدّم البروفيسور وانج جين، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة الشمال الغربي بالصين، تحليلاً إضافياً مفاده أن الأعمال العدائية الجارية قد صعّدت بشكل حاد من حالة العداء بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ما يجعل جميع الأطراف في وضع صعب يمنعها من تبنّي حلول عقلانية للنزاع على المدى القصير.
ويرى وانج، في حديثه لـ"الشرق"، أن هجمات الولايات المتحدة على إيران "لم تنجح في إجبارها على تقديم تنازلات بشأن القضايا الأساسية، كما أن موقف إيران غير المتهاون، وضع واشنطن في مأزق دون مخرج سهل للتراجع". وبالنسبة إلى إسرائيل، فهو يقدّر أن "الهجمات المضادة المستمرة من جانب إيران تعني أن أمنها القومي لا يمكن ضمانه دون مواصلة الضربات على المنشآت العسكرية داخل إيران، ولا سيما قواعد الصواريخ الباليستية والمنشآت المرتبطة بها".
أما فيما يخص إيران، فأشار وانج إلى أن الهجمات الأميركية الإسرائيلية، أدت إلى تصاعد النزعة المتشددة داخلياً، "ما ألغى أي توافق اجتماعي على المدى القصير لوقف الهجمات المضادة من جانب واحد".
والأهم من ذلك، برأيه، أن دول الخليج العربية، التي كانت تُعد سابقاً، وسيطاً محتملاً بين الولايات المتحدة وإيران، قد انجرت بشكل مباشر إلى الصراع، "ما يجعلها غير قادرة على أداء دورها المحتمل كوسيط للسلام".









