
يعد إسقاط إيران لطائرتين حربيتين أميركيتين، أبرز دليل على أن إيران "لا تزال قادرة"، على رفع تكلفة استمرار الحرب، حسبما اعتبرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، إذ أشارت إلى أن التطورات الميدانية الأخيرة، تجسد استراتيجية إيران العسكرية، التي تهدف إلى تحقيق انتصارات تكتيكية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس لكسب الحرب بشكل مباشر، بل لـ"البقاء على قيد الحياة واستنزاف إرادة الطرف الآخر لمواصلة القتال".
تمثل الطائرتان الأميركيتان المقاتلتان F-15E وA-10 أول خسائر جوية للقوات الأميركية أو الإسرائيلية خلال آلاف المهام الجوية التي نفذت في الأجواء الإيرانية، منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي.
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن أشخاص مطلعين، أن الطائرة A-10 لم تُسقط داخل الأراضي الإيرانية، وأن طيارها تمكن من مغادرة المجال الجوي الإيراني قبل القفز بالمظلة ليتم إنقاذه لاحقاً.
وأوضحت الصحيفة، أن السؤال المطروح الآن، هو مدى تأثير هذه الضربات على عزيمة الرئيس دونالد ترمب في الاستمرار في الحرب، وربما توسيع نطاقها، في وقت بدا فيه عازماً على إنهائها سريعاً.
وقال آلان آير، خبير الشأن الإيراني السابق في وزارة الخارجية الأميركية، وزميل بمعهد الشرق الأوسط: "تظهر هذه الحوادث أن إيران يمكنها الفوز دون تحقيق انتصار فعلي". وأضاف: "الرواية الأميركية تقول إن كل شيء تحت السيطرة، وهذه الحوادث تنقض تلك الرواية".
استراتيجية "الحرب غير المتكافئة"
وبدلاً من مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل وجهاً لوجه، اعتمدت إيران، استراتيجية "الحرب غير المتكافئة"، مستهدفة دول الخليج، ومضادات الرادار والمنشآت الحيوية للدفاع الجوي، وقيّدت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
ويستخدم الحرس الثوري الإيراني، هذه التكتيكات نفسها منذ سنوات، بما في ذلك في العراق، عبر تسليح الجماعات المسلحة بالعبوات الناسفة لقتل آلاف الجنود الأميركيين.
ورغم أن الحملة الجوية قد دمرت قواعد الصواريخ الإيرانية والمنصات المتحركة، فإن طهران ما زالت قادرة على إطلاق عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة يومياً، ما يطيل أمد الصراع ويزيد التكاليف الاقتصادية على دول الخليج المصدرة للنفط والولايات المتحدة، ويتيح لها الاستمرار في القتال، وفق "وول ستريت جورنال".
وقبل الجمعة، لم تتمكن إيران من إسقاط أي طائرات حربية أميركية أو إسرائيلية فوق أراضيها، في حين وعدت السلطات الإيرانية من يعثر أو يسلم أي طيار أميركي حياً، بمكافأة مالية.
ورغم استمرار جهود الإنقاذ الأميركية، أشار محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، في بيان ساخر على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن أهداف الولايات المتحدة العسكرية قد تلقت ضربة كبيرة، قائلاً: "هذه الحرب العبقرية بلا استراتيجية التي بدأوها تقلص هدفها الآن من تغيير النظام إلى: هل يستطيع أحد العثور على طيارينا؟. يا له من تقدم مذهل. عباقرة على أكمل وجه!".
وجاءت الضربات الناجحة في اليوم نفسه الذي أخبر فيه المسؤولون الإيرانيون الوسطاء أنهم غير مستعدين للقاء المسؤولين الأميركيين في إسلام أباد، وأن مطالب البيت الأبيض لإنهاء الحرب غير مقبولة.
وقال ويليام ويشلر، المسؤول السابق في وزارة الحرب الأميركية ورئيس برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، إن الحادث أظهر أنه "على الرغم من تحقيق التفوق الجوي، إلا أننا لم نحقق السيطرة الكاملة على الأجواء". وأضاف: "الحرس الثوري منظمة عسكرية محترفة وقادرة على التعلم والتكيف، وما زالت تحتفظ بإمكانات تعرض الطيارين الأميركيين وغيرهم للخطر".
وحذر ويشلر من أن الحرب قد تتصاعد بسرعة، حتى مع التفوق العسكري الكبير للولايات المتحدة، قائلاً: "ستستمر الحرب لفترة من الوقت، مع احتمال وقوع تصعيدات إضافية، سواء كانت متعمدة أم عرضية. ومن المهم ألا يختلط الأمر على أحد، فهناك العديد من الطرق التي يمكن أن تتصاعد بها الحرب بسرعة كبيرة".
حسابات ترمب
يأتي فقدان الطائرتين الحربيتين، بعد تنفيذ أكثر من 13 ألف طلعة قتالية، وخمس أسابيع من الضربات الجوية. ويقول مسؤولون سابقون في سلاح الجو الأميركي، إن عدم وقوع مثل هذا الحادث حتى الآن، يؤكد نجاح جهود الولايات المتحدة في تقييد الدفاعات الجوية الإيرانية في مراحل الحرب المبكرة.
وقال اللفتنانت جنرال المتقاعد بالقوات الجوية، ديف دبتولا، الذي أدار الحملة الجوية في حرب الخليج الثانية 1990 ضد العراق: "المذهل في هذا الحدث أنه لم يحدث في وقت أبكر، فقد تم استهداف آلاف الأهداف خلال آلاف المهام الجوية، وهذه هي أول خسارة قتالية خلال شهر كامل؟ هذا أمر لا يصدق".
وأفادت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن ترمب تم اطلاعه على إسقاط الطائرتين، وقد هدد في الأيام الأخيرة بقصف إيران وإرجاعها "إلى العصر الحجري"، فيما تبادل الطرفان خلال 24 ساعة هجمات على البنية العسكرية والمدنية في المنطقة.
ولا يوجد جدال بشأن تفوق الولايات المتحدة وإسرائيل، في المواجهة المباشرة مع إيران. فقد دمرت واشنطن وتل أبيب معظم القوة الجوية الإيرانية، وأغرقت جزءاً كبيراً من البحرية، وقيّدت الدفاعات الجوية ومنصات الصواريخ، فيما يتوارى معظم قادة إيران عن الأنظار ويواجهون اضطرابات في القيادة والسيطرة.
وأمر ترمب بنشر آلاف من مشاة البحرية والجيش من الفرقة 82 المحمولة جواً في الشرق الأوسط. ورغم أنه لم يعلن نية شن هجوم بري على الجزر الإيرانية، فإن هذه التحركات تمنحه خيارات لمثل هذه الهجمات وأثارت تهديدات جديدة من إيران، بحسب "وول ستريت جورنال".
وقال آلان آير: "إذا تعرض عدد كبير من الأميركيين للاختطاف أو القتل نتيجة هجمات إيران، فإن ذلك قد يغير حسابات ترمب بشأن استمرار الحرب".











