
في اللحظة الأخيرة، قبل ساعات قليلة من انتهاء المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشن ضربات "مدمّرة" على إيران، تنفّس العالم الصعداء بعد الإعلان عن هدنة مدتها أسبوعان بوساطة باكستانية، تبدأ في 7 أبريل، لتتوقف الحرب بشكل مؤقت، لكن العودة إلى طاولة المفاوضات لا تبدو مهمة سهلة، في ضوء ملفات شائكة بين أطراف الصراع.
وافق ترمب على تعليق القصف والهجوم على إيران، بشرط موافقة طهران على الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز، وذلك بناءً على محادثات مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
وبمجرّد أن دخلت الهدنة حيّز التنفيذ، انكشفت مجدداً عمق الهوّة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو الوضع نفسه الذي قاد إلى الصدام المسلح في نهاية المطاف، إذ ترى إيران أن المحادثات يجب أن تقتصر على الملف النووي ورفع العقوبات، في حين تريد واشنطن اتفاقاً شاملاً يُعالج كل شيء معاً.
هذا التباين في تعريف نطاق التفاوض هو الجوهر الذي يجعل محادثات إسلام آباد أشبه بمغامرة في أرض ملغومة.
وتوجّه نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى باكستان على متن الطائرة الرئاسية، ومعه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر صهر ترمب، لإجراء مفاوضات للتوصل إلى سلام نهائي. وحين سُئل ترمب عمّا إذا كان يتوقع النجاح، كان جوابه بالغ الدلالة: "سنكتشف ذلك خلال 24 ساعة".
وقبل أكثر من أسبوعين، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، و"القناة 12" الإسرائيلية، عن مضامين مقترح لوقف الحرب قدمته إدارة ترمب إلى إيران، يتضمن 15 بنداً، من بينها تفكيك برنامج طهران النووي، ووقف تخصيب اليورانيوم، مقابل رفع كامل للعقوبات، بينما قدّمت إيران 10 نقاط تشمل ضمانات بعدم تعرضها لهجوم مرة أخرى.
مضيق هرمز.. سلاح إيراني وورقة تفاوض
أحدث القضايا الخلافية بين واشنطن وطهران يتمثل في مضيق هرمز الذي استحوذ على جانب كبير من الاهتمام خلال الحرب الأخيرة، حيث لا يعتبر مجرد ممر مائي، بل شريان يمر عبره نحو 20% من نفط العالم.
ومنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، تحوّل إلى ورقة الضغط الأولى في يد طهران. ويتّهم المسؤولون الأميركيون إيران بأنها منعت معظم السفن من المرور بأمان عبر مضيق هرمز، ما أدى اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار وتراجع إمدادات النفط والغاز عالمياً.
ولهذا، تطالب واشنطن بأن يبقى مضيق هرمز مفتوحاً ويعمل كممر ملاحي حر، وتعدّه شرطاً مسبقاً غير قابل للتفاوض لأي اتفاق.
وتعتبر الولايات المتحدة أي تهديد للمضيق تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي ولأمن الطاقة الأميركي، وترى أن استمرار إغلاقه أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، ما جعل الملف أولوية في المفاوضات.
لذا تطالب واشنطن بضمانات واضحة تمنع إيران من إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة، مع تلويح أميركي باستئناف الحرب، إذ قال ترمب إن السفن الحربية الأميركية تُزوَّد بـ"أفضل الذخائر"، تمهيداً لاحتمال استئناف الضربات على إيران في حال إخفاق محادثات السلام.
في المقابل، تعتبر طهران أن سيادتها على مضيق هرمز حق طبيعي وقانوني، وتريد الاعتراف الصريح بها باعتبارها ضماناً لتنفيذ أي اتفاق مستقبلي.
وتستخدم إيران المضيق كورقة ضغط في مواجهة العقوبات والضغوط العسكرية، وترفض أي التزام مكتوب يحد من قدرتها على المناورة في هذا الممر الحيوي.
وكرر الحرس الثوري الإيراني حديثه عن أن الوضع في هرمز "لن يعود أبداً" إلى ما كان عليه قبل الحرب، خصوصاً بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.
في يوم بدء الهدنة، شكا ترمب من أن إيران "تقوم بعمل سيء جداً" بعدم السماح للسفن بالمرور بحرية، ثم أوقفت إيران حركة ناقلات النفط عبر المضيق احتجاجاً على الضربات الإسرائيلية ضد "حزب الله" في لبنان.
وبحسب ما كشفته مصادر مطّلعة لموقع "أكسيوس"، يمثل مضيق هرمز واليورانيوم المخصب "أبرز أوراق التفاوض لدى إيران"، مع تحذير بأنها لن توافق على التخلي الكامل عنهما.
البرنامج النووي الإيراني
بدأ البرنامج النووي الإيراني بدعم غربي في عهد الشاه خلال خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يتوقف إثر الثورة الإسلامية عام 1979، ثم تم استئنافه تدريجياً في التسعينيات.
وفي 2003، أفاد تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن إيران لم تمتثل لالتزاماتها بعد الكشف عن أنشطة نووية سرية.
أعلن ترمب في ولايته الأولى عام 2018 انسحاب بلاده من الاتفاق النووي المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة" JCPOA، التي نصت على خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 3.67%، وتقليص عدد أجهزة الطرد المركزي، وإخضاع المنشآت النووية لرقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
إلا أن الرئيس الجمهوري اعتبر حينها أن الاتفاق "لا يُقيّد برنامج الصواريخ الباليستية ولا يحد من النفوذ الإقليمي الإيراني"، فأعاد فرض عقوبات خانقة ضمن سياسة "الضغط الأقصى".
وردّت طهران بتجاوز التزاماتها، فرفعت نسب التخصيب إلى 60%، وهي نسبة قريبة من 90% اللازمة لصنع سلاح نووي.
وتطالب واشنطن بتفكيك القدرات النووية الحالية، والتعهد بعدم السعي مطلقاً إلى امتلاك أسلحة نووية، ووقف تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، وتسليم المخزون البالغ نحو 450 كيلوجراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق جدول زمني متفق عليه، وتفكيك المنشآت النووية في نطنز وأصفهان وفوردو، ومنح الوكالة صلاحية الوصول الكامل والشفافية الكاملة.
وتُشدّد الإدارة الأميركية على أن أي اتفاق نووي يجب أن يكون دائماً، وألا يتضمن بنوداً تنتهي بمرور الوقت كما حدث في اتفاق 2015.
وأشار مسؤولون أميركيون إلى إمكانية قبول سقف تخصيب يعادل مستوى اتفاق 2015 (حوالي 3.67%) كحد عملي، بينما صرّح آخرون بمطالب أشدّ تقضي بتقليص أو إلغاء قدرات التخصيب.
وتريد واشنطن رقابة دولية صارمة، ونقل مخزون اليورانيوم إلى الخارج، فيما طرح البعض خياراً بأن تتولى روسيا معالجة اليورانيوم وإعادة تزويد إيران بكميات مخصصة للأغراض السلمية فقط، كما ورد في عدد من التقارير .
في المقابل، تصر طهران على ما تقول إنه "طابع سلمي" لبرنامجها النووي وتعتبر التخصيب حقاً سيادياً، وترفض حرمانها منه، وترفض أي اتفاق يمنعها من تطوير قدراتها التقنية، كما ترفض توسيع المفاوضات لتشمل ملفات أخرى غير النووي.
وبحسب تقرير لشبكة "Euro News"، لا تزال بنود أخرى من الاتفاق غامضة، ففي النسخة الفارسية من خطة وقف إطلاق النار المكونة من 10 نقاط، أدرجت إيران عبارة "قبول التخصيب" لبرنامجها النووي، إلا أن هذه العبارة غابت عن النسخ الإنجليزية التي وزعها الدبلوماسيون الإيرانيون على الصحافيين.
من جانبها، وثّقت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تراكم مخزونات يورانيوم مخصّب بنسب غير مسبوقة، لافتةً إلى "تراجع القدرة على التحقق والمراقبة" في مواقع تعرّضت لضربات عسكرية خلال الحرب. ويرى الوسطاء أن معالجة قضية اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، سواء بإخراجه من البلاد أو تخفيف نسبة تخصيبه، لا يمكن أن تتحقق إلا "ضمن اتفاق نهائي" وليس في إطار هدنة مؤقتة.
البرنامج الصاروخي الإيراني
كان غياب أي قيود على الصواريخ الباليستية الإيرانية أحد المبررات الرئيسية لانسحاب ترمب من اتفاق 2015، واليوم يعود الملف بقوة إلى قلب النقاشات الراهنة.
وأكد وزير الخارجية الأميركي روبيو أن "مدى صواريخ إيران يزداد كل عام بوتيرة متسارعة"، مضيفاً أن دولة تعاني عقوبات واقتصاداً منهكاً "ومع ذلك لا تزال تجد الأموال للاستثمار سنوياً في صواريخ ذات قدرات ومدى أكبر فأكبر، هذا تهديد لا يمكن استمراره".
ويشمل المقترح الأميركي الحدَّ من البرنامج الصاروخي الإيراني صراحةً، بوصفه بنداً من بنود أي اتفاق شامل.
وتعتبر واشنطن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني تهديداً إقليمياً أساسياً مباشراً لحلفائها في المنطقة وللقواعد الأميركية، وتطالب بحدود أو قيود على القدرات التي قد تُستخدم لحمل رؤوس نووية أو لزيادة قدرة الضربات الاستراتيجية.
كما اتخذت الإدارة الأميركية إجراءات عقابية لاستهداف شبكات التوريد الداعمة للبرنامج الإيراني.
في المقابل، تصر طهران على أن برنامجها الصاروخي شأن سيادي دفاعي وغير قابل للتفاوض، وترى أنه عنصر دفاعي أساسي يعوّض ضعف سلاحها الجوي وتعتبر أي محاولة لربطه بالملف النووي تدخلاً في سيادتها.
ووصفت إيران الادعاءات بشأن تطوير صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة بأنها "أكاذيب كبيرة". ووفقاً للبيانات الرسمية الإيرانية، يبلغ أقصى مدى للصواريخ الإيرانية 2000 كيلومتر، غير أن دائرة أبحاث الكونجرس الأميركي تقدّر أن مداها قد يصل إلى نحو 3 آلاف كيلومتر.
وفي حرب الـ12 يوماً خلال يونيو 2025، تعرّض برنامج إيران الصاروخي لضربات أميركية أحدثت أضراراً كبيرة، لكنها أسرعت في إعادة بنائه.
وفي مساعي لإعاقة جهود إيران آنذاك، واصلت الولايات المتحدة سياسة الضغط الأقصى، وذلك عبر فرض عقوبات شملت 32 فرداً وكياناً في إيران وتركيا والصين وهونج كونج والهند وألمانيا وأوكرانيا وغيرها، بتهمة إدارة شبكات مشتريات لدعم إنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
وخلال الحرب الأخيرة، أطلقت إيران صاروخين باليستيين باتجاه قاعدة أميركية بريطانية في جزيرة دييجو جارسيا، وسط المحيط الهندي.
وذكرت وكالة أنباء "مهر" شبه الرسمية في إيران أن "استهداف الجزيرة العسكرية، التي تبعد أكثر من 4 آلاف كيلومتر عن إيران، يُعد خطوة لافتة من جانب إيران في إطار تهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها خارج حدود غرب آسيا".
واعتبر مسؤولون أميركيون أن استهداف إيران لقاعدة دييجو جارسيا يشير إلى أن صواريخها تمتلك مدى أكبر مما اعترفت به سابقاً.
وكلاء إيران في المنطقة
تعدّ إيران شبكة وكلائها في اليمن ولبنان والعراق وغزة ركيزة أمنها القومي وخطوط دفاعها الأمامية، في حين تعدّها الولايات المتحدة وإسرائيل المصدر الرئيسي لزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، ما يجعل إدراج ملف الوكلاء بنداً معقّداً سياسياً واستراتيجياً.
وتعتبر إيران أن "حزب الله" في لبنان والحوثيين في اليمن والفصائل الموالية لطهران في العراق، وشبكات الدعم في سوريا، بالإضافة إلى حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى، جزءاً مما تطلق عليه "محور المقاومة"، وتستخدمها كأداة نفوذ إقليمي.
وترفض طهران إدراج هذا الملف في المفاوضات، وترى أن نفوذها الإقليمي ورقة قوة لا يمكن التخلي عنها.
في المقابل، تربط الولايات المتحدة أي اتفاق طويل الأمد بوقف دعم طهران لهذه الجماعات أو على الأقل تقليصه، إذ ترى أن نفوذ إيران الإقليمي هو جوهر المشكلة، وتعتبر أن هذه الشبكات مسؤولة عن زعزعة الاستقرار الإقليمي.
وبينما أعلنت باكستان أن الهدنة الحالية تشمل لبنان "وسائر الجبهات"، رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذلك رفضاً قاطعاً، وزعم أن الهدنة لا تشمل لبنان.
وفي اليوم الأول من الهدنة، قتلت الضربات الإسرائيلية على بيروت أكثر من 300 شخص، وهو الأعلى منذ بداية الحرب.
العقوبات والأصول الإيرانية المجمّدة
تراكمت على إيران عقوبات خانقة منذ 1979، وتضخّمت مع سياسة "الضغط الأقصى" في ولايتي ترمب.
وتُقدر أموال إيران المحتجزة نحو 100 مليار دولار، معظمها مدفوعات لمبيعات نفطها اشترتها كوريا الجنوبية واليابان وغيرها، وحظرت واشنطن تحويلها.
وتستخدم الولايات المتحدة العقوبات كورقة ضغط رئيسية، وتطالب بتغيير سلوك إيران الإقليمي والنووي قبل رفعها، وترى أن العقوبات أثبتت فعاليتها في دفع طهران إلى التفاوض.
وأعرب ترمب عن استعداده للعمل مع إيران على "رفع التعريفات والحصول على إعفاءات من العقوبات"، لكنه هدّد في الوقت ذاته بفرض تعريفات بنسبة 50% على الدول التي تزوّد إيران بالأسلحة.
وتربط واشنطن الإفراج بتقدّم ملموس في الملفات النووية والاقليمية، وتستخدم الأموال كورقة تفاوضية، وسبق أن سمحت بالإفراج عن 6 مليارات دولار في صفقة تبادل سجناء عام 2023.
ويرى خبراء أن هناك آليات محتملة للإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، مثل: إفراج مرحلي مقابل خطوات تحقق محددة، وحسابات مقيدة للاستخدام الإنساني تحت إشراف دولي، وضمانات قانونية لمنع تحويل الأموال إلى أنشطة مدرجة على قوائم العقوبات.
في المقابل، تعتبر إيران العقوبات السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية، وتريد إلغاءاً فورياً وشاملاً للعقوبات النفطية والمصرفية، وترفض ربط رفع العقوبات بملفات غير نووية.
وتطالب بالإفراج فوراً عن جميع الأصول المجمدة في كوريا الجنوبية والعراق واليابان كشرط لعودة النشاط الاقتصادي، وتعتبر الإفراج عن الأموال حقاً قانونياً، وترى أن تجميد الأموال "عقاب جماعي" للشعب الإيراني.
كما تشمل الشروط الإيرانية أيضاً لإنهاء الحرب بشكل دائم "وقفاً كاملاً للهجمات وعمليات الاغتيال"، و”إنشاء آليات ملموسة تضمن عدم شن الحرب مرة أخرى على أراضيها، و"دفع تعويضات وأضرار الحرب بشكل مضمون وواضح".
ويؤكد المسؤولون الإيرانيون أنهم لا يريدون تكرار سيناريو غزة أو لبنان، حيث توجد "هدنة على الورق" بينما تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل استئناف الهجمات في أي وقت.














