
كرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيداته بشأن "انقسام شديد" في النظام الإيراني، عندما مدّد وقف إطلاق النار لمنحها وقتاً لتقديم "مقترح موحَّد" لإنهاء الحرب، فيما أشار البيت الأبيض إلى أن غياب طهران عن الجولة الثانية من المحادثات في باكستان، بحسب تقديره، "مدى تفكك القيادة الإيرانية"، لكن المراقبين بحسب شبكة CNN الأميركية، يرون الصورة بشكل مختلف.
وتصر طهران على ضرورة إنهاء الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل استئناف المحادثات، فيما نقلت CNN عن عدد من المحللين، أن "القيادة الإيرانية أكثر تماسكاً مما يتم تصويره".
ونقلت الشبكة، الأربعاء، عن مهرات كامرافا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورجتاون في قطر، قوله: "أعتقد أن هذا سوء فهم خطير للقيادة الإيرانية. فهي متماسكة للغاية، وقد رأينا ذلك في إدارة الحرب والمفاوضات".
وأشارت الشبكة، إلى أن نظام الحكم في إيران أصبح "أكثر تعقيداً بكثير" منذ أن قضت الولايات المتحدة وإسرائيل على معظم القيادات العسكرية والسياسية العليا في النظام، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي.
ووفق التقرير، فإن مجموعة من المسؤولين الذين كانوا يتنافسون سابقاً داخل الطيف السياسي في طهران هي مَن تحدد مستقبل البلاد في ظل تهديد "حرب وجودية"، وفي ظل غياب واضح لصاحب القرار النهائي، مجتبى خامنئي، الذي خلف والده الراحل في منصب المرشد الأعلى للبلاد.
وأضافت CNN أن هؤلاء المسؤولين يضطرون إلى "الموازنة بين رؤيتهم لمستقبل إيران وبين ضغوط داخلية تمارسها مجموعات متشددة ترفض إعلان الهزيمة، وضغوط خارجية ناتجة عن مساعي ترمب للدفع نحو إعلان النصر".
ورغم الخلافات السياسية بينهم، يبدو أن هذه المجموعة من المسؤولين حريصة على "إظهار صورة علنية من التماسك، حتى مع وجود تباينات في كيفية إدارة الحرب والتعامل الدبلوماسي مع الولايات المتحدة"، وفق محللين.
ونقلت الشبكة عن تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي للحكم الرشيد، قوله: "أصبح هناك الآن قدر أكبر من التوافق بين الفصائل المختلفة في القيادة الإيرانية مقارنة بما قبل الحرب، لأن الدائرة أصبحت أصغر… وهذه الدائرة أكثر وحدة حول الاستراتيجية المتبعة في الحرب مقارنة بالقيود السابقة في عهد علي خامنئي".
محاولات إيرانية لإظهار التماسك
وفي خضم التكهنات حول احتمال مشاركة إيران في محادثات هذا الأسبوع، التزمت طهران بموقف علني ثابت يؤكد أنها لن تشارك، كما اتهمت واشنطن بانتهاك وقف إطلاق النار وغياب "الجدية في السعي إلى حل دبلوماسي".
وحتى قبل الحرب، كان النظام الإيراني، بقيادة علي خامنئي، يضع قائمة واضحة من "الخطوط الحمراء"، من بينها الحق في تخصيب اليورانيوم، ومواصلة تطوير الصواريخ، ودعم الجماعات التابعة له، وهي مطالب لا تزال تُطرَح في المفاوضات الحالية مع إدارة ترمب.
وتحرص القيادة السياسية في إيران على نفي التقارير التي تتحدث عن وجود خلافات داخلية، وتسعى لإظهار نهج موحَّد تجاه الأهداف العسكرية للبلاد والاستراتيجية التفاوضية، بحسب الشبكة.
وكتب مهدي طباطبائي، نائب المتحدث باسم الرئيس الإيراني، في منشور على منصة "إكس"، الأربعاء: "الحديث عن انقسامات بين كبار المسؤولين هو حيلة سياسية ودعائية بالية يستخدمها خصوم إيران… الوحدة والتوافق بين ساحة المعركة والجمهور والدبلوماسيين في هذا الوقت استثنائية وملحوظة".
وبحسب التقرير، فقد عيّن النظام الإيراني مسؤولاً لتجسيد هذا التماسك، وهو محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني المخضرم والقائد السابق في الحرس الثوري، الذي قاد الجولة الأولى من المفاوضات مع الولايات المتحدة في إسلام آباد، وأصبح يُنظر إليه كأحد أبرز ممثلي طهران.
ورغم ذلك، وحتى عند وصوله إلى إسلام آباد للمشاركة في الجولة الأولى من المحادثات، رافق قاليباف وفد غير مسبوق من مسؤولين إيرانيين يمثلون أطيافاً سياسية مختلفة، في خطوة وصفتها CNN بأنها "محاولة متعمَدة لإظهار التماسك".
وقال بارسي: "هل توجد خلافات؟ بالطبع توجد. لكن القول بأن عدم تمكن الطرفين من التوصل إلى اتفاق هو انقسام القيادة الإيرانية، وليس تضارب الرسائل من جانب ترمب، هو طرح منفصل عن الواقع".
وأقر بعض مسؤولي إدارة ترمب، في تصريحات خاصة لـCNN، بأن التصريحات العلنية للرئيس الأميركي أضرت بالمفاوضات، مشيرين إلى حساسية المحادثات وعمق انعدام الثقة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة.
تفكيك النظام التقليدي
ووفقاً للتقرير، وفي مواجهة تهديدات "الإبادة"، فكك النظام الإيراني نظامه التقليدي القائم على مراكز قوى متنافسة استمرت قرابة 50 عاماً. وبدلًا من ذلك، تم "إنشاء هيكل جديد لإدارة الحرب يجمع بين المفاوضين والفاعلين السياسيين تحت مظلة عسكرية واحدة، بهدف إخراج طهران من الأزمة دون الاعتراف بالهزيمة".
وأشارت الشبكة إلى أن حشوداً كبيرة تمثل التيارات المتشددة تتجمع يومياً في الشارع الإيراني، دعماً للنظام ورفضاً لأي اتفاق مع واشنطن قد يُفسَّر كنوع من الهزيمة.
وأوضحت CNN أن هذه الآراء تهيمن على البرلمان ووسائل الإعلام الرسمية في طهران، حيث تتعرض أي إشارة إلى استعداد المسؤولين الإيرانيين للسماح لترمب بإعلان النصر لانتقادات حادة. وعندما أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية الأسبوع الماضي، تعرَّض لهجوم شديد من هؤلاء المتشددين، ما دفع مسؤولين آخرين إلى تقديم توضيحات سريعة.
ويؤكد التقرير أن هيكل الحكم الحالي في طهران "يختلف جذرياً عن طريقة إدارة البلاد" خلال 37 عاماً تحت قيادة علي خامنئي. أما ابنه مجتبى، فقد تم تعيينه لقيادة البلاد لكنه لا يزال متوارياً عن الأنظار. وتفيد تقارير بأنه إما أُصيب أو بات عاجزاً بشكل كبير، ما يزيد من حالة الغموض حول ما إذا كان يصدر توجيهات واضحة لمساعديه، أو أنهم يضطرون إلى تخمين ما يريده دون تعليمات محددة، بحسب CNN.
ونقلت الشبكة عن حميد رضا عزيزي، الباحث الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، قوله: "النظام يعمل الآن بطريقة مختلفة. في السابق كانت لدينا مؤسسات من المفترض أن تناقش المسائل الاستراتيجية وتقدم ملاحظات استشارية للمرشد الأعلى لاتخاذ القرار النهائي".
وأضاف: "الوصول إلى المرشد الأعلى ليس منتظماً بالشكل المطلوب. وهذا يعني تلقائياً أن مسؤولين آخرين بات لديهم هامش أكبر للمناورة في تحديد الخطوات التي يجب اتخاذها بشأن الحرب والسلم".












