
يشهد مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران حالة من التضارب والغموض، في ظل تباين واضح بين تصريحات الرئيس دونالد ترمب والمواقف الإيرانية بشأن قضايا محورية، أبرزها إعادة فتح مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي، والتصعيد في لبنان، فبينما تتحدث واشنطن عن "اختراق" واقتراب الوصول إلى اتفاق، تشير طهران إلى استمرار الخلافات بشأن شروط الملاحة في المضيق وحق تخصيب اليورانيوم.
خلال ساعات، كرر ترمب عبر مقابلات وتصريحات أنه حصل على معظم مطالبه من إيران، بما يشمل إعادة فتح هرمز، الأمر الذي ساهم في انخفاض أسعار النفط، وتعهداً بالتخلي عن اليورانيوم المخصب، ووقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة.
وجاء أول خبر عن إعادة فتح مضيق هرمز عبر منشور على مواقع التواصل الاجتماعي لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، استناداً إلى وقف إطلاق النار في لبنان، الذي دخل حيز التنفيذ، قبل ساعات من إعلان عراقجي، وهو اتفاق كانت إيران قد طالبت به، إذ كتب عراقجي أن المضيق "أصبح مفتوحاً بالكامل" طوال مدة التهدئة الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
وبعد 21 دقيقة، رحب ترمب بالخبر في سلسلة تغريدات، إذ اكتفى في رسالته الأولى بإعادة التأكيد على أن المضيق سيُعاد فتحه، مضيفاً عبارة "شكراً!". أما رسالته الثانية، فحملت تفاؤلاً بإمكانية التوصل إلى اتفاق دائم، لكنها تضمنت شرطاً مهماً. إذ قال إن الحصار الأميركي على السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية سيبقى قائماً في الوقت الحالي، لكنه أضاف أن ذلك سيستمر فقط "إلى حين اكتمال الاتفاق مع إيران بنسبة 100%، وهذه العملية ينبغي أن تسير بسرعة كبيرة لأن معظم النقاط قد تم التفاوض عليها بالفعل".
وكان هذا التحول الإيجابي كافياً لدفع موجة من التفاؤل، بشأن إمكانية إنهاء الحرب، الأمر الذي كان له تبعاته في "وول ستريت"، حيث افتتحت الأسواق الأميركية بعد دقائق من منشور ترمب الثاني. وبحلول الإغلاق، ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بأكثر من 800 نقطة، أي بنسبة 1.8%، كما تبعته مؤشرات رئيسية أخرى، في حين انخفضت أسعار النفط بشكل حاد بنحو 9%.
بعدها أطلق ترمب سلسلة من التصريحات الواسعة عبر وسائل التواصل ومكالمات مع الصحافيين. فقد كتب على "تروث سوشيال" أن الولايات المتحدة ستحصل على كل "الغبار النووي"، وهو مصطلح يستخدمه للإشارة إلى المواد النووية الموجودة في المواقع الإيرانية التي تعرضت للقصف في الصيف الماضي.
كما أشار إلى أن إيران وافقت على وقف تخصيب اليورانيوم، وذكر في منشورات أخرى، أنها "تزيل جميع الألغام البحرية" في مضيق هرمز، وأنها "وافقت على عدم إغلاق المضيق مرة أخرى".
غير أن الرئيس الأميركي لم يقدم أي أدلة تدعم هذه المزاعم، كما أن العديد منها قوبل بالتشكيك أو النفي من مصادر إيرانية. فقد نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول إيراني رفيع، طلب عدم كشف هويته، أن "أي اتفاق بشأن تفاصيل القضايا النووية لم يتم التوصل إليه"، في تناقض مباشر مع تصريحات ترمب، مضيفاً أن هناك "خلافات كبيرة" لا تزال قائمة بين واشنطن وطهران.
7 "ادعاءات" أميركية
التضارب بين واشنطن وطهران، في أعقاب التطورات الأخيرة، تمثل في تهديد رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي مجدداً، إذا واصلت الولايات المتحدة حصارها للموانئ الإيرانية.
وقال قاليباف إن ترمب أدلى بسبعة "ادعاءات مختلفة" بشأن الحرب خلال ساعة واحدة "جميعها كاذبة"، على حد وصفه، لكنه لم يذكر على وجه التحديد تفاصيل تلك الادعاءات. وأضاف: "لن تنتصر الولايات المتحدة في الحرب بهذه الأكاذيب، ولن تُفلح في أي مفاوضات".
وأضاف رئيس البرلماني الإيراني، أن "الميدان هو الذي سيحدد ما إذا كان المضيق مفتوحاً أم مغلقاً، لا وسائل التواصل الاجتماعي"، مشيراً إلى أن "الحرب الإعلامية والتلاعب بالرأي العام، جزء مهم من الحرب، والشعب الإيراني لا يتأثر بهذه الحيل".
رئيس البرلمان الإيراني، الذي يرأس وفد بلاده في المفاوضات مع واشنطن، شدد في منشوره على منصة "إكس"، على أن مرور السفن التجارية عبر المضيق، بعد إعادة فتحه "سيتم في الطريق الذي حددته طهران"، و"بترخيص من السلطات الإيرانية".
وفي تطور لافت، انتقدت وكالة "فارس" الإيرانية، المقربة من الحرس الثوري، منشور عراقجي بشأن فتح المضيق، واصفة إياه بأنه "غير متوقع"، مشيرة إلى أن المجتمع الإيراني دخل في "حالة من الارتباك".
كما انتقدت الوكالة ما سمته "الصمت الغريب" للمجلس الأعلى للأمن القومي وفريق التفاوض بشأن ما يجري، ونقلت عن متحدث باسم الخارجية الإيرانية، أن "العدو"، في إشارة إلى الولايات المتحدة، "يصدر تصريحات متناقضة خلال يوم واحد بهدف إثارة ضجة إعلامية".
واعتبر خبراء في الشأن الإيراني، أن هذه الرسائل تعكس تباينات داخل دوائر الحكم في طهران، وهو ما عززته تصريحات عمدة طهران علي رضا زاكاني، الذي دعا مؤولي بلاده إلى نفي تصريحات ترمب "بشكل واضح إذا كانت كاذبة"، محذراً من تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات لم يتمكن الخصم من تحقيقها في ساحة المعركة.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط الخلاف، إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية. وكانت إيران قد قيّدت حركة الملاحة منذ بداية الحرب، وسمحت بمرور محدود لبعض السفن، أحياناً مقابل ترتيبات مالية، فيما فرضت الولايات المتحدة لاحقاً حصاراَ بحرياً على السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية للضغط على طهران.
خلافات الملف النووي
في الملف النووي، يتصدر الخلاف بين الولايات المتحدة وإيران، قائمة العقبات أمام أي اتفاق محتمل، وسط تضارب واضح في التصريحات. فواشنطن تدفع نحو تفكيك شبه كامل للقدرات النووية الإيرانية، مع استثناء محدود للاستخدامات المدنية مثل مفاعل بوشهر، وتسعى إلى إلزام طهران بالتخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي كان قد بلغ مستويات تثير قلقاً دولياً. في المقابل، ترفض إيران هذا الطرح بشكل قاطع، وتؤكد تمسكها بحقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، معتبرة ذلك حقاً سيادياً لا يمكن التنازل عنه.
ويزيد من تعقيد المشهد تضارب الروايات بشأن طبيعة الحوافز المطروحة؛ إذ تحدثت تقارير عن عرض أميركي يتيح لإيران الوصول إلى نحو 20 مليار دولار من أموالها المجمدة مقابل التخلي عن مخزون اليورانيوم، إلا أن الرئيس دونالد ترمب نفى لاحقاً وجود أي عرض مالي، ما يعكس غموضاً في الموقف الأميركي نفسه. كما أن مسألة الرقابة لا تزال عالقة، خاصة بعد تعذر تحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من موقع وحالة المخزون الإيراني منذ الضربات الأميركية الإسرائيلية في يونيو 2025.
وفي تصريحات لاحقة لوكالة "رويترز"، عرض ترمب مقترحاً للتعامل مع مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، قائلاً إن الولايات المتحدة ستعمل مباشرةً مع إيران لاستعادته.
وأضاف: "سنعمل معاً. سنبدأ العمل مع إيران، بوتيرة هادئة، وننزل إلى الموقع ونبدأ الحفر بآلات ضخمة... سنعيده إلى الولايات المتحدة". وأشار إلى أن المادة التي وصفها بـ"الغبار النووي" ستُستعاد "قريباً جداً".
وسارعت إيران إلى نفي ما سمتها "مزاعم ترمب". وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، للتلفزيون الرسمي: "لن يتم نقل اليورانيوم المخصب الإيراني إلى أي مكان".
عقبة لبنان
أما فيما يخص ملف لبنان، فقد تحول إلى عقدة إضافية في المفاوضات. إذ تربط إيران أي تسوية شاملة بوقف إطلاق النار هناك، حيث يستمر الصراع بين إسرائيل و"حزب الله". في المقابل، تسعى واشنطن إلى معالجة هذا الملف بشكل منفصل، رغم إعلان هدنة مؤقتة بين إسرائيل ولبنان، لم تشمل نزع سلاح الحزب، وهو أحد الشروط الإسرائيلية الرئيسية.
وتشمل نقاط الخلاف الأخرى برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ودعم طهران لجماعات مسلحة في المنطقة، مقابل مطالب إيرانية برفع العقوبات والحصول على تعويضات وانسحاب القوات الأميركية من المنطقة، وهي شروط تعتبرها واشنطن صعبة القبول.
وكان ترمب أعلن، أن إسرائيل ولبنان اتفقا على وقف إطلاق نار لمدة 10 أيام، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة كانت تضغط من أجل هذه الهدنة لعدة أيام، بينما كانت تعمل بالتوازي على اتفاق سلام مع إيران.
وبحسب الاتفاق، تحتفظ إسرائيل بالحق في اتخاذ إجراءات عسكرية، حتى خلال وقف إطلاق النار، "في إطار الدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد الهجمات المخطط لها أو الوشيكة أو المستمرة".
وفي ظل هذه التعقيدات، من المتوقع أن تُستأنف المحادثات، بوساطة باكستان، في وقت قريب، مع ترجيحات بعقدها في إسلام آباد، بمشاركة مسؤولين أميركيين بارزين.
ورغم إصرار ترمب على أن الفجوات بين الطرفين "ليست كبيرة"، فإن قادة أوروبيين، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أبدوا تفاؤلاً حذراً، مشددين على ضرورة التأكد من أن أي اتفاق سيكون قابلاً للتطبيق ومستداماً.
ويرى مراقبون أن تضارب التصريحات لا يعكس فقط خلافات جوهرية، بل أيضاً أسلوب تفاوض يعتمد على التصعيد الإعلامي والضغط السياسي، في مقابل تمسك إيران بأوراق قوة رئيسية، أبرزها مضيق هرمز وبرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.
استراتيجية ترمب التفاوضية
وخلال مراحل مختلفة من الحرب، أعلن ترمب مراراً أنها على وشك الانتهاء أو أن إيران تقترب من اتفاق نهائي، قبل أن تتراجع طهران عن تلك التوقعات. ويقول مسؤولون في إدارته إن هذه التصريحات "تُعد جزءاً من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى دفع المفاوضين إلى التحرك وزيادة الضغط على إيران".
غير أن هذه الاستراتيجية أثارت ارتباكاً وشكوكاً لدى حلفاء واشنطن وبعض المشاركين في المفاوضات، الذين يتساءلون عما إذا كانت إيران قد قدمت تنازلات فعلية كما يعلن ترمب.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إن "التطورات الأخيرة مشجعة، لكن يجب التعامل معها بحذر"، بينما حذر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من ضرورة أن تكون أي مقترحات "قابلة للتطبيق ومستدامة".
وفي تصريح لاحق، قلل ترمب من حجم الخلافات مع إيران، قائلاً: "إذا كانت هناك خلافات، فسنقوم بحلها، لكنني لا أعتقد أنها كبيرة". وأضاف أن الحصار العسكري الأميركي على الموانئ الإيرانية سينتهي فور توقيع الاتفاق، مؤكداً: "سنرى كيف ستسير الأمور، لكن يجب أن يكون ذلك جيداً".













