
مع استمرار الحرب في إيران، عمقت الصين نفوذها لدى جيرانها الذين يعانون شح الوقود، عبر عرض المساعدة في تخفيف النقص، بالتوازي مع الترويج لتكنولوجيا الطاقة المتجددة التي تطورها، بحسب "نيويورك تايمز".
وفي الأيام التي أعقبت الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، فرضت الصين حظراً على صادرات المنتجات النفطية، ما ضيق الخناق على دول آسيوية تعتمد على مصافيها للحصول على وقود الطائرات والبنزين والديزل، قبل أن تسارع الحكومات إلى مناشدة بكين لتخفيف التداعيات.
وعلى خلاف بقية دول المنطقة، تتعامل الصين من "موقع قوة"، إذ أنها راكمت احتياطيات ضخمة، وأمضت عقوداً في تقليص اعتمادها على النفط الأجنبي، رغم أنها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، حيث ضخت مئات المليارات من الدولارات في تكنولوجيا الطاقة النظيفة، وفقاً للصحيفة.
دول مجاورة تطلب المساعدة
طلبت فيتنام من بكين المساعدة في مواجهة نقص وشيك في وقود الطائرات. كما ناشدت الفلبين الصين عدم تقييد صادرات الأسمدة. وبعد زيارة أجرتها وزيرة الخارجية الأسترالية إلى الصين الشهر الماضي لبحث الملف، قالت إن بكين ستتعاون مع الشركات الأسترالية بشأن شحنات وقود الطائرات.
وأفضت هذه الاتصالات إلى تعهدات صينية بمعالجة قضايا أمن الطاقة الإقليمي، إلى جانب التزامات من دول أخرى بتعزيز الحوار الدبلوماسي مع بكين، وفي بعض الحالات التعاون في مشاريع مستقبلية للطاقة المتجددة، بحسب بيانات حكومية.
وساهم هذا التحرك الدبلوماسي في استمرار تدفق بعض الوقود الصيني، ما ساعد آسيا على تجنب بعض أسوأ السيناريوهات التي خشيها خبراء مع بداية الحرب.
ومنذ اندلاع الحرب، أجرت بكين محادثات رفيعة المستوى مع مسؤولين من الفلبين وأستراليا وفيتنام وكمبوديا ولاوس وتايلاند وميانمار وبنجلادش.
وجاءت رسالة الصين ثابتة وواضحة، فهي لم تبدأ الحرب ولا ترغب في إغلاق مضيق هرمز، لكنها تطرح بديلاً عن الوقود الأحفوري.
وقدمت بكين نفسها باعتبارها قائدة لمستقبل يعتمد على الطاقة المتجددة ومصادر الطاقة المحلية، في مقابل تبني الرئيس الأميركي دونالد ترمب النفط والغاز الطبيعي، وهو ما يترك جزءاً كبيراً من العالم عرضة للتقلبات في مناطق مثل الشرق الأوسط.
تدخل حذر
وقالت ميشال ميدان، رئيسة أبحاث الطاقة الصينية في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، وهو مركز أبحاث مستقل: "تتدخل الصين بحذر لدعم جيرانها".
وأضافت: "(الصين) تستخدم هذا الملف كأداة للقوة الناعمة لتقول: سنحاول دعم أمنكم في مجال الطاقة، لكن مع أولوية للصين أولاً، وذلك تمهيداً لبيع التكنولوجيا الخضراء بوصفها وسيلة لضمان الأمن مستقبلاً".
ولسنوات، استخدمت الصين قوتها الاقتصادية وخبرتها التكنولوجية لتوسيع نفوذها العالمي عبر مبادرة "الحزام والطريق"، إذ قدمت ما يقدر بتريليون دولار على شكل قروض ومنح لمشاريع بنية تحتية حول العالم، معظمها في دول نامية.
لكن حرب إيران أتاحت لها توسيع نفوذها من دون المخاطر المرتبطة بسمعة الإقراض للدول المثقلة بالديون.
وقال مدير شؤون الصين في "مجموعة أوراسيا"، دان وانج: "يدرك المسؤولون الصينيون ردود الفعل السلبية، ويرون في الطاقة النظيفة علاجاً للصورة السيئة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق".
واستمر تدفق النفط من الصين خلال الشهر الأول من الحرب، رغم تحذير الخبراء من المبالغة في تفسير بيانات الصادرات، التي قد تشهد تقلبات حادة من شهر إلى آخر.
وارتفعت شحنات وقود الطائرات الصينية إلى فيتنام بنسبة 34%، كما زادت صادرات الأسمدة إلى الفلبين 33%، وقفزت صادرات الديزل إلى الفلبين 187% في مارس الماضي مقارنة بالشهر السابق.
ولا تزال الاقتصادات الآسيوية تعاني تداعيات الحرب، التي بلغت كلفتها مستوى لم تشهده المنطقة منذ أن أوقفت جائحة كورونا جزءاً كبيراً من التجارة العالمية.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار إغلاق المضيق لفترة أطول سيؤدي إلى أضرار بعيدة المدى أكثر تدميراً لمنطقة لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على نفط الشرق الأوسط.
لكن استمرار شحن بعض المنتجات النفطية الصينية إلى دول محددة منح متنفساً، وأظهر كيف تستخدم بكين سياسة الترغيب خلال الأزمات لكسب ود الدول، بحسب محللين وخبراء طاقة.
وقالت وانج: "لم يكن الحظر الصيني حظراً كاملاً، بل كان أكثر انتقائية، وبدا أن العلاقات الدبلوماسية الجيدة لعبت دوراً كبيراً".
وأضافت أن فيتنام وأستراليا كانتا من المستفيدين لأن علاقاتهما مع بكين شهدت تحسناً. وأوضحت: "لذلك حصلتا على بعض الوقود، وإن لم يكن بالكميات الكاملة التي تحتاجان إليها". وأشارت إلى أنها زارت الصين مؤخراً والتقت خبراء في القطاع.
وفي بعض الأحيان، لوحت الصين بإمكانية تقديم المساعدة مقابل قبول شروطها السياسية. ففي مارس الماضي، وبينما كانت تايوان تسابق الزمن لتأمين مصادر جديدة للطاقة، طرح مكتب شؤون تايوان الصيني عرضاً ضمنياً للجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي وتعتبرها بكين جزءاً من أراضيها.
وقال المكتب إن تايوان ستحظى بـ"أمن أفضل للموارد بعد إعادة التوحيد السلمي، بدعم من الوطن الأم القوي". وتستورد الجزيرة أكثر من 96% من احتياجاتها من الطاقة، بينما يمر نحو 60% من وارداتها النفطية عبر المضيق.
جوانب ضعف آسيا
وكشفت الحرب في إيران عن جوانب ضعف كثيرة في آسيا، ولم تكن الصين وحدها التي استخدمت مواردها لإبقاء المنطقة صامدة. فقد تعهدت اليابان بتقديم 10 مليارات دولار لمساعدة دول جنوب شرقي آسيا على مواجهة ارتفاع أسعار النفط ودعم المصانع التي توفر معدات مهمة للصناعة اليابانية.
لكن الحرب وفرت للصين أيضاً فرصة للترويج لتكنولوجيا الطاقة المتجددة في أنحاء المنطقة. فالصين تهيمن عالمياً على تصنيع معدات مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والشبكات الذكية، فضلاً عن إنتاج السيارات الكهربائية.
كما يساعد تصدير هذه السلع إلى الخارج في الحفاظ على ازدهار الصادرات الصينية، التي تمثل محركاً أساسياً للنمو في اقتصاد محلي يعاني تباطؤاً.
وقالت الباحثة البارزة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إيريكا داونز: "يوفر النزاع للصين منصة لتحقيق هدفها بأن تصبح قوة عظمى في مجال الطاقة". وأضافت: "ومن المفيد لها أن تستخدم هذه التكنولوجيا أداة ترغيب أو ضغط".
وفي مقال رأي نشرته وسائل إعلام رسمية صينية قبل أسابيع من اندلاع الحرب في إيران، جادلت بكين بأن التحول إلى "قوة عظمى في مجال الطاقة" سيعزز "المبادرة الاستراتيجية للصين في منافسة القوى الكبرى".
وعكس المقال التوجه الأوسع لبكين نحو جعل الصين أكثر قدرة على الصمود والاكتفاء الذاتي في مجالات الطاقة والمواد الخام والمعادن الحيوية وسلاسل الإمداد.
وكتب مدير إدارة التعاون الدولي في الإدارة الوطنية للطاقة، وي شياووي، في تقرير صدر بعد أيام من اندلاع الحرب، أن الصين "استثمرت بالكامل الدور الإيجابي لدبلوماسية الطاقة".
وأشار إلى مشاريع في عشرات الدول، تدعم كثيراً منها شركات صينية مملوكة للدولة، بما في ذلك مزارع رياح في كازاخستان والجبل الأسود ومحطات طاقة شمسية في الإمارات والأرجنتين والجزائر.
ومنحت الحرب في الشرق الأوسط الصين منفذاً لتصريف فائض إنتاجها من السيارات الكهربائية والألواح الشمسية وغيرها من التكنولوجيا الخضراء.
وقفزت صادرات الألواح الشمسية الصينية إلى أكثر من الضعف في مارس مقارنة بالشهر السابق، كما ارتفعت صادرات السيارات الكهربائية رغم الرسوم الجمركية المفروضة لمنع دخولها إلى كثير من الأسواق.
كما خفت حدة الشكاوى المتعلقة بإغراق المصنعين الصينيين الأسواق العالمية بسلع منخفضة التكلفة في ظل أزمة الطاقة.
وقالت داونز: "كانت هناك دول كثيرة تنتقد فائض الإنتاج الصيني وإغراق الأسواق الدولية، لكن عندما تكون وسط أزمة، فإن ذلك لا يبدو سيئاً إلى هذا الحد".








