
عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الصين دون تحقيق اختراق في ملف إيران، وسط انقسام داخل إدارته بين داعمين لتوسيع الضربات العسكرية ومؤيدين لمواصلة المسار الدبلوماسي، بينما تتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية على البيت الأبيض مع ارتفاع أسعار الوقود وتراجع شعبية الرئيس، بحسب شبكة CNN.
وذكرت الشبكة أن ترمب بات عليه الآن أن يقرر ما إذا كان توجيه مزيد من الضربات لإيران يمثل الخيار الأفضل لإنهاء صراع امتد إلى ما بعد الأسابيع الستة التي كان يتوقعها في البداية، في وقت ارتفعت فيه أسعار الوقود وتراجعت شعبيته الاقتصادية.
ونقلت الشبكة عن مسؤولين في الإدارة قولهم إنهم كانوا يترقبون نتائج محادثات ترمب مع شي قبل تحديد آلية التعامل مع الملف الإيراني.
وفي وقت سابق الجمعة، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن كبار مساعدي ترمب أعدّوا خططاً لاحتمال استئناف الضربات العسكرية ضد إيران إذا قرر الرئيس الأميركي "كسر الجمود" عبر تنفيذ مزيد من الهجمات.
انقسام داخل الإدارة الأميركية
وأفادت مصادر مطلعة على المداولات لشبكة CNN بوجود تباينات داخل الإدارة بشأن كيفية المضي قدماً، حيث دفع مسؤولون، بعضهم في وزارة الحرب، نحو تبني نهج أكثر تشدداً يشمل تنفيذ ضربات موجهة، أملاً في زيادة الضغط على إيران لدفعها إلى تقديم تنازلات.
في المقابل، رأى مسؤولون آخرون ضرورة مواصلة التركيز على المسار الدبلوماسي، وهو النهج الذي مال إليه ترمب خلال الأسابيع الأخيرة، أملاً في أن يدفع الجمع بين المفاوضات المباشرة والضغوط الاقتصادية طهران إلى إبرام اتفاق.
غير أن إيران، وفقاً للشبكة، لم تُظهر أي مرونة تُذكر في شروطها منذ أن أعلن ترمب وقف إطلاق النار في أبريل الماضي.
وأبدى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، الأسبوع الماضي، ثقته بإمكان إحراز تقدم، مشيراً إلى أنه أمضى "وقتاً جيداً على الهاتف" مع المبعوثين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، إضافة إلى "عدد من أصدقائنا" في المنطقة.
وأردف: "أعتقد أننا نُحرز تقدماً. السؤال الجوهري هو: هل نُحرز تقدماً كافياً يلبّي الخط الأحمر للرئيس؟ الرئيس وضعنا على المسار الدبلوماسي في الوقت الراهن، وهذا ما أركز عليه".
وذكرت CNN أن إيران لم تُظهر استعداداً للتراجع عن موقفها المتشدد، ما زاد من نفاد صبر ترمب تدريجياً.
ورقة مضيق هرمز
وأفادت مصادر الشبكة بأن الرئيس الأميركي يشعر بانزعاج من استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي تسبب في ارتفاع أسعار النفط والغاز، إضافة إلى ما اعتبره انقسامات داخل القيادة الإيرانية زادت من تعقيد المفاوضات.
وأشارت إلى أن الرد الإيراني الأخير على المقترح الأميركي، إلى جانب الخطاب الإيراني في الأيام الأخيرة، دفع الكثير من المسؤولين إلى التشكيك في جدية طهران بشأن التوصل إلى اتفاق.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، في بيان لـCNN، إن "الرئيس ترمب يمتلك كل الخيارات المتاحة، غير أن خياره المفضل يظل دائماً الدبلوماسية".
ومضت قائلةً: "الولايات المتحدة تمتلك أقصى درجات النفوذ على النظام، والرئيس لن يقبل إلا باتفاق يحمي الأمن القومي لبلادنا".
وخلال عودته إلى واشنطن، قال ترمب للصحافيين إن الرئيس الصيني شي جين بينج أبدى تأييده لإعادة فتح مضيق هرمز، واتفق معه على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، رغم أن بكين كانت قد أعلنت هذه المواقف في وقت سابق.
وأشار ترمب، خلال مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" تُبث الجمعة، إلى أن شي أبدى رغبته في إعادة فتح مضيق هرمز، واتفق معه على ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً، مضيفاً: "يريد أن يرى نهاية لهذا. يريد أن يساعد. إن أراد المساعدة فهذا جيد، لكننا لا نحتاج إلى مساعدة".
ضغوط على ترمب
وتتصاعد الضغوط داخل دائرة ترمب لإيجاد مخرج من الصراع مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل، في ظل تأثير الحرب على شعبية الرئيس نتيجة الضغوط الاقتصادية التي يشعر بها الناخبون.
وأشارت الشبكة الأميركية إلى أن متوسط أسعار الوقود في الولايات المتحدة تجاوز 4.50 دولار للجالون، مع توقعات بمزيد من الارتفاع في ظل استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز.
كما لفتت إلى أن التضخم يتسارع بوتيرة "مقلقة"، متجاوزاً نمو الأجور للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات خلال أبريل الماضي.
وفي حين حافظت أسواق الأسهم إجمالاً على مكاسبها، نقلت الشبكة عن مستشار لترمب قوله إن "قادة شركات ضغطوا على الإدارة لإيجاد حل سريع"، مضيفاً أن "رسالتهم كانت: أنهوا الحرب فقط".
وكثيراً ما قلّل ترمب من تأثيرات الحرب داخل الولايات المتحدة، معتبراً أن الأوضاع أقل سوءاً مما كان يتوقع.
وقال للصحافيين، رداً على سؤال بشأن تأثير المخاوف الاقتصادية للأميركيين على مساعيه لإبرام اتفاق: "لا أفكر في الوضع المالي للأميركيين. لا أفكر في أحد. أفكر في شيء واحد: لا يمكننا السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي".
وأردف: "هذا كل شيء. هذا الشيء الوحيد الذي يحركني".
وحين سُئل مجدداً عن هذا التصريح، قال ترمب لـ"فوكس نيوز" إن "هذا تصريح مثالي.. سأكرره مرة أخرى".
وفي ظل إدراك ترمب وفريقه لحساسية الموقف، نقلت الشبكة عن أحد مستشاريه قوله: "حين أقود سيارتي وأرى الوقود بخمسة دولارات، يأخذني الرعب".
وأضاف: "يحاولون إيجاد مخرج، لكن هذا لن يستمر طويلاً. بطريقة أو بأخرى، سيفتحون المضيق.. لا بد لهم من ذلك".
تحركات باكستانية
وأفادت مصادر لـ"الشرق" بأن باكستان كثّفت تحركاتها الدبلوماسية لدعم جهود الوساطة، عبر إرسال وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران لإجراء مباحثات تركز على تطورات الوضع الإقليمي، والتوتر بين إيران والولايات المتحدة، وآخر المستجدات المرتبطة بمسار المفاوضات.
ووصل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي، إلى طهران، في وقت سابق، السبت، حاملاً "رسالة مهمة"، حسبما أكدت مصادر مطلعة لـ"الشرق"، فيما سيعقد سلسة لقاءات مع قادة ومسؤولين كبار في إيران.
كما ذكرت مصادر دبلوماسية لـ"الشرق"، أن المناقشات ستركز على تطورات الوضع الإقليمي، والتوتر بين إيران والولايات المتحدة، وآخر المستجدات المرتبطة بمسار المفاوضات.
وأضافت المصادر أن إسلام آباد تسعى إلى "المساعدة في خفض التوتر ومنع أي تصعيد محتمل"، في ظل مخاوف من أن يؤدي عدم الاستقرار إلى تداعيات مباشرة لا تقتصر على باكستان فحسب، بل تمتد إلى الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
وأشارت المصادر في حديثها لـ"الشرق"، إلى أن باكستان تلقت مؤخراً "رسائل مهمة" عبر قنوات دبلوماسية متعددة، ما دفعها إلى ترتيب تلك الزيارة.
ومن المرتقب أن يبحث الوزير الباكستاني خلال هذه الاجتماعات في طهران، إجراءات "بناء الثقة"، وحالة الجمود الحالية في المفاوضات الأميركية الإيرانية، والمسارات الدبلوماسية الممكنة للمضي قدماً.
وقال مسؤولون إيرانيون، إنهم لا يثقون بشكل كامل في الولايات المتحدة، لكنهم لا يؤيدون في الوقت نفسه التخلي الكامل عن مسار الحوار.
وفي هذا السياق، تحاول باكستان تقديم نفسها كوسيط "متوازن وموثوق".








