
تحول مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات مع الولايات المتحدة، إذ تدفع واشنطن نحو إخراج المواد المخصبة من طهران ووقف عمليات التخصيب لسنوات، فيما تتمسك الأخيرة بالاحتفاظ بجزء من المخزون ومعالجته داخل البلاد، باعتباره إحدى أوراقها التفاوضية الرئيسية.
أعادت المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني طرح سؤال واجهته دول عدة خلال العقود الماضية بشأن كيفية التخلص من مخزونات اليورانيوم المخصب، أو خفض قدرتها على الاستخدام العسكري، بطريقة قابلة للتحقق وتحفظ للدولة المعنية احتياجاتها النووية السلمية؟
وتكشف تجارب كازاخستان وأوكرانيا، فضلاً عن تجربة إيران نفسها بعد اتفاق 2015، أن المهمة ممكنة من الناحية الفنية، لكنها تتطلب اتفاقاً سياسياً واضحاً، وضمانات أمنية واقتصادية، ودوراً محورياً للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ولا يعني "التخلص" بالضرورة إتلاف اليورانيوم، إذ يمكن نقل المادة إلى دولة أخرى، أو خفض مستوى تخصيبها عبر مزجها باليورانيوم الطبيعي أو المستنفد، أو تحويلها إلى وقود لمفاعلات بحثية يصعب إعادته إلى صورة صالحة لمزيد من التخصيب.
كازاخستان.. النقل والتخفيف
قدمت كازاخستان اثنين من أبرز نماذج معالجة المواد النووية الحساسة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. ففي عام 1994، تعاونت أستانا مع واشنطن في عملية سرية حملت اسم "مشروع سافير"، نُقل خلالها نحو 600 كيلوجرام من اليورانيوم عالي التخصيب من منشأة شرقي البلاد إلى الولايات المتحدة.
وتقول وزارة الطاقة الأميركية إن فرقاً فنية متخصصة تولت توصيف المادة وتثبيتها وتعبئتها، قبل نقلها جواً إلى الولايات المتحدة للتخزين والمعالجة، وفق موقع وزارة الطاقة الأميركية.
وأظهرت العملية أن إزالة مادة نووية شديدة الحساسية "ممكنة"، لكنها تستلزم تجهيزات متخصصة، وخطط نقل وأمن دقيقة وموافقة كاملة من الدولة المالكة.
وفي تجربة أخرى بدأت عام 2001، اختارت كازاخستان معالجة الوقود غير المستخدم من مفاعل BN-350 داخل أراضيها.
ووفق لموقع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، نُقل الوقود إلى مصنع أولبا، حيث جرى تفكيكه وخفض تخصيب 2897 كيلوجراماً من اليورانيوم عالي التخصيب وتحويله إلى يورانيوم منخفض التخصيب، تحت ضمانات الوكالة.
وقدمت هذه العملية نموذجاً مختلفاً عن "سافير": فبدلاً من إخراج المادة من البلاد، أزيلت خصائصها الأكثر حساسية داخل منشأة محلية، مع الاحتفاظ بها مادة يمكن استخدامها في أغراض مدنية.
لكن تجربة كازاخستان لا تنطبق بالكامل على إيران، فالمواد الكازاخية كانت جزءاً من إرث سوفيتي لم تسعَ الدولة الجديدة إلى مواصلة إنتاجه، في حين تمتلك إيران بنية تخصيب محلية وأجهزة طرد مركزي وخبرات تراكمت على مدى سنوات.
أوكرانيا.. مقابل تقني
اتبعت أوكرانيا مساراً يقوم على إعادة الوقود عالي التخصيب إلى بلد المنشأ، وبين عامي 2010 و2012، نُقل 234 كيلوجراماً من اليورانيوم عالي التخصيب من 3 مواقع أوكرانية إلى روسيا عبر 6 عمليات منفصلة، بمشاركة الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي المقابل، حصلت كييف على وقود منخفض التخصيب ومنشأة حديثة لإنتاج النيوترونات والنظائر الطبية. لكن الاتفاق لم يقتصر على إزالة المادة، بل عالج أيضاً احتياجات المؤسسات العلمية التي كانت تستخدمها، وفق البيت الأبيض.
وتشير هذه التجربة إلى أن نجاح عمليات الإزالة يرتبط غالباً بوجود مقابل تقني أو اقتصادي، يتيح للدولة مواصلة أبحاثها المدنية من دون الاحتفاظ بمواد قابلة للاستخدام في تصنيع سلاح نووي.
تجربة إيران في عام 2015
لا تحتاج طهران إلى البحث بعيداً عن تجربتها السابقة. فقد نص الاتفاق النووي المبرم عام 2015 على ألا يتجاوز مخزون إيران 300 كيلوجرام من سادس فلوريد اليورانيوم UF6 المخصب بنسبة 3.67%، مع خفض الكميات الزائدة إلى مستوى اليورانيوم الطبيعي أو بيعها في السوق الدولية مقابل الحصول على يورانيوم طبيعي.
وفي ديسمبر 2015، غادرت إيران شحنة تضم أكثر من 11 طناً من مواد اليورانيوم منخفض التخصيب إلى روسيا، في خطوة أدت، إلى جانب إجراءات أخرى، إلى خفض مخزونها المخصب بنحو 98% قبل بدء تنفيذ الاتفاق مطلع عام 2016.
وتثبت هذه السابقة أن نقل المخزون الإيراني أو خفض تخصيبه قابل للتنفيذ فنياً، غير أن الظروف الحالية أكثر تعقيداً، بسبب ارتفاع مستويات التخصيب، وتضرر منشآت نووية خلال الهجمات العسكرية، وتراجع قدرة المفتشين على تحديد مواقع المواد وكمياتها.
وقدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية المخزون المجهول لدى إيران، حتى 13 يونيو من عام 2025، نحو 9874.9 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بمستويات مختلفة، بينها 440.9 كيلوجرام مخصبة حتى 60%.
لكن أحدث تقرير للوكالة، الصادر في يونيو الماضي، قال إنها لا تستطيع تحديد الحجم الحالي للمخزون أو تركيبته أو أماكن وجوده، بسبب غياب المعلومات وعدم الوصول إلى منشآت التخصيب الأربع المعلنة.
وتشير التجارب السابقة إلى أن أي حل للمخزون الإيراني يحتاج إلى 4 عناصر مترابطة: عودة المفتشين لتحديد الكميات والمواقع، اتفاق على النقل أو خفض التخصيب أو تحويل جزء من المادة إلى وقود، ترتيبات أمنية وفنية للنقل والمعالجة، وآلية طويلة الأمد تمنع إعادة تكوين المخزون.
فنزويلا وبرنامج "الذرة من أجل السلام"
في مايو الماضي، أعلنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع فنزويلا وبريطانيا وبدعم فني من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، اكتمال عملية نقل اليورانيوم عالي التخصيب من مفاعل RV-1 البحثي المتوقف في فنزويلا.
وكان المفاعل أول وآخر مفاعل نووي في فنزويلا، وقد بُني ضمن برنامج "الذرة من أجل السلام" الأميركي، قبل أن يُستخدم لاحقاً لتعقيم المعدات الطبية والمواد الغذائية.
ونُقلت المادة النووية إلى موقع "سافانا ريفر" في ولاية ساوث كارولاينا مطلع مايو الجاري للتخلص منها.
كما قالت الإدارة الوطنية للأمن النووي إن "العملية شملت إزالة نحو 13.5 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب فوق نسبة 20%".
وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، اعتبرت أن اليورانيوم "نُقل بأمان وحماية عبر البر والبحر من أميركا الجنوبية إلى أميركا الشمالية، بعد عملية معقدة وحساسة".
ووفق وكالة الطاقة الذرية، فإنه خلال فترة تشغيل المفاعل النووي الفنزويلي، التي امتدت ثلاثة عقود حتى عام 1991، استخدم المفاعل وقوداً نووياً مصدره الولايات المتحدة وبريطانيا.
وقد تم نقل المادة النووية إلى منشأة تابعة لوزارة الطاقة الأميركية في ولاية ساوث كارولاينا، بعد إخراجها من موقع يبعد نحو 15 كيلومتراً عن العاصمة الفنزويلية كاراكاس.








