
وسط تباين في المواقف بين واشنطن وطهران بشأن مسار المفاوضات، اطلع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الأيام الماضية على خيار "العودة إلى حرب شاملة ضد إيران"، رغم استمرار تمسكه بالدبلوماسية.
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين مطلعين على المناقشات قولهم، إن ترمب أجرى خلال الأيام الماضية عدة محادثات مع وزير الحرب بيت هيجسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، بشأن "توجيه ضربات عسكرية جديدة"، لكنه قرر في الوقت الحالي الاستمرار في المسار الدبلوماسي.
وتركزت المحادثات على ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة التخلي عن المفاوضات واستئناف الهجمات العسكرية واسعة النطاق ضد إيران، وهو ما وصفه بعض المسؤولين بأنه "استكمال المهمة".
ورغم أن ترمب لم يتخذ قراراً نهائياً، فإنه أبلغ مساعديه بأن شن جولة جديدة من الضربات الشاملة قد يقوض الجهود الدبلوماسية، ويقلل فرص واشنطن في التوصل إلى اتفاق يؤدي في نهاية المطاف إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني.
ترمب لا يمانع تجاوز فترة الـ60 يوماً
ووفق ما ذكره المسؤولون الأميركيون للصحيفة، أبلغ ترمب مساعديه بأنه لا يمانع في تجاوز المفاوضات الموعد النهائي المحدد في 18 أغسطس للتوصل إلى اتفاق نووي، ما يمنح المحادثات مزيداً من الوقت.
كما أعرب ترمب عن رضاه في الوقت الحالي عن الاكتفاء بتوجيه ضربات محدودة لإيران عند انتهاكها "مذكرة التفاهم"، وهو ما أدى إلى تبادل الهجمات خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأضعف وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه قبل أسبوعين.
وذكرت "وول ستريت جورنال" أن الإحاطات التي يقدمها البنتاجون للرئيس الأميركي بشأن الخيارات العسكرية تعتبر أمراً معتاداً، إذ يعقد ترمب اجتماعات رسمية وغير رسمية بشكل متكرر لمناقشة الملف الإيراني، إلا أن أحدث المناقشات تشير إلى أنه لا يزال يبحث عن وسائل لكسر الجمود مع طهران، ولم يستبعد بعد العودة إلى القتال.
ويقر بعض المسؤولين بأن استئناف الحرب سيُعد اعترافاً ضمنياً بفشل الاتفاق الذي روجت له الإدارة الأميركية.
وعلناً، يؤكد ترمب أن المفاوضات تحقق تقدماً، وأن الخيارات العسكرية لا تزال مطروحة إذا انهارت المحادثات. وقال للصحافيين الأسبوع الماضي: "إنهم يوافقون على كل ما أريده، وعليهم أن يفعلوا ذلك، وإلا فسوف نعود ونفعل ما يجب علينا فعله".
الخيارات العسكرية
وأدى الجمود الدبلوماسي إلى دفع ترمب للبحث عن بدائل، إذ طلب من مساعديه تقديم أفكار جديدة. وقدم كل من هيجسيث وكين خيارات لاستئناف ضربات جوية واسعة تستهدف مواقع عسكرية إيرانية، بحسب المسؤولين.
وخلال عملية "الغضب الملحمي" التي بدأت في 28 فبراير، استهدفت القوات الأميركية أكثر من 13 ألف هدف داخل إيران، ما أدى إلى تدمير جزء كبير من ترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، فضلاً عن إضعاف قدرتها على تصنيع أسلحة جديدة.
وبحلول أواخر مارس، أبلغ كبار القادة العسكريين ترمب أنهم يحتاجون إلى عدة أسابيع إضافية للقضاء الكامل على التهديد العسكري الإيراني، قبل أن يوافق الرئيس الأميركي على وقف أولي لإطلاق النار في 7 أبريل.
ويشير بعض المسؤولين الأميركيين إلى أن ترمب رفض مراراً منذ ذلك الحين الموافقة على عمليات عسكرية واسعة. فقد هدد بتدمير البنية الأساسية الإيرانية بالكامل والسيطرة على جزيرة خرج، مركز تصدير النفط الإيراني، لكنه تراجع في المرتين وعاد إلى خيار التفاوض. وكان قد أبلغ مساعديه سابقاً أنه لن يستأنف الحرب إلا إذا قتلت إيران جنوداً أميركيين.
وقال ترمب في يونيو: "إذا ذهبنا للقصف، وهو أمر يمكننا القيام به بسهولة، وقضينا أسبوعين أو ثلاثة في القصف، فلن يتبقى لديهم شيء، لكن المضيق لن يُفتح لأشهر. وإذا قمنا بالقصف، فسيموت كثير من الناس. من يريد ذلك؟ أنا لا أريد. الاتفاق سيكون أقوى من القصف".
الحلول الدبلوماسية
وقال مسؤول في البيت الأبيض لـ"وول ستريت جورنال"، إن ترمب يفضل دائماً الحلول الدبلوماسية، مضيفاً أن من مصلحة إيران التوصل إلى اتفاق جيد مع الولايات المتحدة.
وفي مقابلة مع قناة "فوكس نيوز"، الثلاثاء، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن ترمب طلب من فريقه "العمل على حل المشكلة ورؤية إلى أين ستقود المفاوضات، وإذا لم تؤد إلى حل دبلوماسي ناجح، فما زالت لدينا خيارات كثيرة، وقد حققنا بالفعل الكثير للشعب الأميركي".
ووصل المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى الدوحة، الثلاثاء، حيث أجريا محادثات مع مسؤولين قطريين، دون التحدث مباشرة مع الوفد الإيراني.
وقال فانس، خلال مقابلة مع برنامج "ذا مايكل نولز شو" عبر منصة The Daily Wire، إن الفرق الفنية من الجانبين الأميركي والإيراني ستجتمع، الأربعاء، مع وسطاء قطريين، لكن بصورة منفصلة، على أن تُجرى المفاوضات بشكل غير مباشر.
وأضاف: "من الأمور التي أجدها مثيرة للاهتمام ومحبطة في الوقت نفسه أن الإيرانيين يقولون: لا توجد محادثات سلام، بل توجد محادثات فنية بين الولايات المتحدة وإيران بشأن اتفاقات السلام. إنها على ما يبدو طريقة تفاوض وأسلوب بلاغي فارسي لا أفهمه".
أبرز نقاط الخلاف
ودخلت الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الثاني منذ الاتفاق قبل أسبوعين على فترة تفاوض تمتد 60 يوماً.
تتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في إصرار إيران على فرض رسوم خدمات بمليارات الدولارات على السفن العابرة لمضيق هرمز، بينما تؤكد واشنطن أن الملاحة في المضيق يجب أن تبقى مجانية كما كانت قبل اندلاع الحرب.
كما تصر طهران على رفض فرض قيود صارمة على برنامجها النووي، رغم تأكيد ترمب أن إيران وافقت بالفعل على ذلك.
وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، الثلاثاء، إن "إيران لم تكن متعاونة حتى الآن"، مضيفاً في تصريحات لـ"فوكس نيوز"، أن الجهود العسكرية الأميركية لمرافقة السفن هي السبب الوحيد وراء تعافي إمدادات النفط العالمية.
وتابع: "سواء تعاونت إيران أم لا، سنضمن استمرار تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز، وبالطبع نفضل أن يتم ذلك بتعاونها، لكننا نريد إنهاء برنامجها النووي".
وذكرت "وول ستريت جورنال"، أنه في محاولة لخفض التوتر، عملت الولايات المتحدة على إنشاء قناة اتصال طارئة بين الحرس الثوري الإيراني والقيادة المركزية الأميركية.
ويرى بعض المسؤولين الأميركيين أن هذه الخطوة تعكس تحسناً في العلاقات بين واشنطن وطهران، فيما يحذر آخرون من أنها لا تزال في مراحلها الأولى.
وأكد مسؤول في البيت الأبيض أن قناة التنسيق أصبحت مفتوحة، وقد استخدمها الطرفان بالفعل.
الأموال الإيرانية المجمدة
وتصر إيران على ضرورة الإفراج عن أموالها المجمدة، فيما تقول الولايات المتحدة إن ذلك لن يتم ما لم تستوف طهران المتطلبات المنصوص عليها في مذكرة التفاهم المبرمة بين الجانبين.
وذكرت وزارة الخارجية الإيرانية أن وفدها سيركز خلال محادثات الدوحة على كيفية الإفراج عن الأموال المجمدة، في حين قال مسؤول أميركي لصحيفة "نيويورك بوست"، إن واشنطن لم تفرج عن أي جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، ولن تفعل ذلك قبل أن تستوفي طهران الالتزامات المنصوص عليها في مذكرة التفاهم، مضيفاً: "لا شيء يُمنح مجاناً، وكل شيء مرتبط بمعايير ومراحل محددة".
وأوضح المسؤول أن إيران كانت تطالب بالحصول على كامل الأموال المجمدة دفعة واحدة، إلا أن الولايات المتحدة رفضت ذلك، وقررت صرفها تدريجياً وعلى دفعات صغيرة تُدفع مباشرة إلى الموردين، مع إحراز طهران تقدماً في ملفات التفاوض الرئيسية.
وأضاف: "بدأت إيران هذه المفاوضات وهي تطالب بالحصول على أموالها وأصولها المجمدة بمجرد توقيع مذكرة التفاهم، لكننا رفضنا ذلك، وفي نهاية المطاف قبلت بأنها لن تحصل على أي أموال ما لم تلتزم بما هو مطلوب منها".
وقال: "مع إعادة إيران فتح مضيق هرمز، والتوقف عن فرض رسوم عبور، واستيفاء معايير أخرى، ستتمكن من الحصول على إعفاءات منظمة. وإذا نفذت مذكرة التفاهم، فسيُتاح لها الوصول إلى جزء من أصولها المجمدة لشراء سلع أميركية لأغراض إنسانية".









