
يرى مساعدو وحلفاء نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن تشكيكه المبكر في نية إيران، وإعلانه عدم ثقته في التزامها بأي اتفاق مع الولايات المتحدة، قد يتحولان إلى نقطة قوة سياسية إذا انهارت جهود السلام واستمر الصراع، بحسب مجلة "بوليتيكو".
وكان فانس قد صرَّح الشهر الماضي بأنه لا يثق في أن الإيرانيين سيلتزمون بما قد يتفق عليه الطرفان، لكنه توجّه رغم ذلك إلى سويسرا في محاولة للتوصل إلى اتفاق.
وذكرت "بوليتيكو" أن فانس ربط مكانته السياسية بشكل وثيق بمحادثات السلام "الهشة" مع إيران، إلا أن رهانه السياسي بات أكثر تعقيداً الأسبوع الماضي، بعدما انهار وقف إطلاق النار، وشنت الولايات المتحدة ضربات جديدة على طهران، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وأثار مخاوف جديدة لدى الجمهوريين القلقين من تداعيات ذلك على انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.
وأشارت المجلة إلى أن مصير فانس السياسي بات مرتبطاً بالحرب مع إيران أكثر من أي سياسي أميركي آخر، لكن مساعديه وحلفاءه يعتقدون أن تشكيكه المبكر في جدوى الصراع، وشكوكه العلنية في إمكانية الاعتماد على طهران لتحقيق السلام، قد يشكلان "طوق نجاته السياسي" قبل انتخابات الرئاسة في 2028، إذا استمرت الأعمال العسكرية.
ونقلت المجلة عن أحد الناشطين الجمهوريين الداعمين لفانس، والذي طلب عدم كشف هويته، قوله: "لم يكن ذلك بالضرورة جزءاً من استراتيجية مدروسة، لكنه أدى في النهاية إلى وضعه في موقع سياسي جيد. ومن منظور سياسي بحت، كان الأمر الأهم هو أن يُنظر إليه باعتباره يسعى لإنهاء الحرب، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ولائه للرئيس وتوافقه معه".
مكاسب سياسية في الحالتين
وبحسب "بوليتيكو"، فإن موقع فانس بوصفه لاعباً رئيسياً في المفاوضات، مع إعلانه التشكيك في نيات إيران، يمنحه فرصة نسب الفضل لنفسه إذا أحرزت المحادثات تقدماً، أو القول "لقد حذرتكم" إذا تعثرت.
ويكسبه ذلك الموقف تأييد الجمهوريين الراغبين في إنهاء الحرب فوراً، وكذلك الجناح الأكثر تشدداً داخل الحزب، الذي يؤيد استئناف حملة القصف. والأهم بالنسبة إلى فانس وحلفائه أنه لم يظهر في أي وقت بمظهر غير المخلص للرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وقال أحد حلفاء فانس: "كيف يمكن تحميله المسؤولية؟ لا أعتقد أن العقلاء سيعاقبون شخصاً أخفق في محاولته تحقيق السلام. وبعبارة أخرى، فإن المعارضين للحرب لن يلوموه لأنه حاول إنهائها".
"شكوك جمهورية"
ورغم ذلك، لا يزال كثير من الجمهوريين يشككون في قدرة فانس على الإفلات من التداعيات السياسية إذا ما أدت حرب جديدة إلى نتائج كارثية. ورغم إقرارهم بأنه يحاول تحقيق أفضل النتائج الممكنة في ظل ظروف صعبة، فإنهم يؤكدون أن الناخبين سيدركون مَن يتحمل مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود مع اقتراب انتخابات عام 2028، حسبما ذكرت "بوليتيكو".
وقال مسؤول سابق في إدارة ترمب إن مساعدي فانس "يؤمنون حقاً بأنهم يخوضون مهمة نبيلة لإنقاذ العالم، وهذا أمر رائع"، لكنه استدرك قائلاً: "لقد وجدوا أنفسهم في موقف بالغ السوء، ولا يمكن تجميله مهما حاولوا".
ارتفاع أسعار الوقود
ولفتت "بوليتيكو" إلى أن أسعار الوقود اقتربت مجدداً من 4 دولارات للجالون الواحد عقب انهيار وقف إطلاق النار، إذ بلغ متوسط سعر الجالون 3.88 دولار الجمعة، وفقاً لجمعية السيارات الأميركية، منهياً أسابيع من التراجع.
كما حذّرت وكالة الطاقة الدولية من أن "تجدد تبادل إطلاق النار يبرز المخاطر المترتبة على عدم التوصل إلى اتفاق سلام دائم، وهو أمر ضروري لاستعادة الاستقرار في أسواق النفط". وفي الوقت نفسه، انخفض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوى له في أسبوعين.
من يتحمّل كلفة فشل الاتفاق؟
وقال مسؤول أميركي سابق آخر، إن انهيار وقف إطلاق النار كان أمراً لا مفر منه، ومن المرجح أن يستمر الوضع على هذا النحو لعدة أشهر، نظراً لأن مذكرة التفاهم لم تعالج خلافين رئيسيين، هما "ربط الوضع في لبنان بوقف إطلاق النار في مضيق هرمز"، ومسألة "السيطرة على المضيق".
وأشار المسؤول إلى أن كلفة الفشل المحتمل لمذكرة التفاهم سيتحمّلها نائب الرئيس، قائلاً: "هو الشخص الأكثر عُرضة للخسارة. ومن المرجح أن تفشل مذكرة التفاهم، وستُحسب عليه"، على حد قوله.
في المقابل، حمّل مسؤول أميركي رفيع، مسؤولية الهجمات الإيرانية الأخيرة إلى ما وصفها بـ"جهة مارقة" داخل إيران لا تتماشى مع فريق المفاوضين.
وقال المسؤول للصحافيين، خلال اتصال نظمه البيت الأبيض: "من المهم للغاية توصيف الأمر بدقة، وما حدث لا يمثّل إعادة تفسير لمذكرة التفاهم".
وأضاف: "قررت بعض العناصر داخل إيران أن تقول: انتظروا، لقد تخلينا عن أوراق ضغط لم نكن نريد التخلي عنها. لذلك تراجعت ميدانياً عن التزاماتها بعدما فوجئت بسرعة استئناف تدفق النفط والغاز عبر الممر الجنوبي (لمضيق هرمز)".
وواصل فانس طرح الرواية نفسها في تصريحات أدلى بها للصحافيين، مؤكداً أن الاتفاق في حد ذاته سليم، وأن المشكلة تكمن في الإيرانيين. وقال خلال تجمع جماهيري في ولاية ويسكونسن الأسبوع الماضي: "الاتفاق بسيط للغاية. إذا أطلقوا النار على السفن، فسوف نضربهم بقوة"، مضيفاً: "هكذا ستسير الأمور ببساطة".
دعم من معارضي الحروب
وذكرت "بوليتيكو" أن جهود فانس لاقت ترحيباً من بعض أبرز الأصوات المناهضة للحروب داخل حركة "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" (MAGA)، الذين يقرون بأن نائب الرئيس يواجه "مأزقاً سياسياً" فرضته عليه حدود موقعه كنائب للرئيس ترمب.
ويرى هؤلاء أن تجنب الظهور في الواجهة خلال المفاوضات الأميركية مع إيران كان سيشكّل خطراً سياسياً على فانس لا يقل عن المسار الذي اختاره، لافتين إلى أن صمته في الأيام التي أعقبت بدء إدارة ترمب هجومها الأول على طهران أثار استياء الجناح المناهض للتدخل العسكري داخل الحزب الجمهوري.
وقال رئيس تحرير مجلة The American Conservative، كيرت ميلز، وهو أيضاً أحد أبرز المعارضين للحرب: "إنهاء الحرب هو الطريق الأكثر ضماناً أمامه للوصول إلى الرئاسة، وهو أيضاً الأمر الصحيح الذي ينبغي فعله، لذلك لا بد أن يحاول".
حلفاء فانس يستبعدون تأثر حظوظه
ويرفض حلفاء فانس فكرة أن انهيار اتفاق السلام قد يضر بفرصه في انتخابات الرئاسة لعام 2028، معتبرين أن المخاطرة برصيده السياسي في سبيل التوصل إلى اتفاق ستعود عليه بالنفع، بحسب "بوليتيكو".
وقال أحد أعضاء جماعات الضغط التابعة للحزب الجمهوري، وهو أيضاً من المانحين السابقين لفانس، إن نائب الرئيس لم يدّعِ يوماً أن المهمة ستكون سهلة، مضيفاً أن فريقه يشعر "بارتياح كبير" للطريقة التي تعامل بها مع هذه القضية السياسية المعقدة، ويعتقد أنه "قام بكل شيء بالطريقة الصحيحة".
وأضاف: "من وجهة نظرهم، كان أهم ما يجب على فانس فعله هو البقاء على توافق مع الرئيس واتباع نهجه، وهو ما التزم به طوال هذه العملية".
البيت الأبيض يشترط تعهداً إيرانياً
واتفق مسؤول في البيت الأبيض مع ذلك التقييم، مشيراً إلى أن الإدارة موحدة في قناعتها بأن إيران واجهت عواقب بسبب عدم التزامها بما تعهدت به في الاتفاق.
وأفاد مسؤولون أميركيون كبار، الجمعة، بأن مسؤولين إيرانيين أبلغوا مستشاري الرئيس ترمب، في اتصالات غير معلنة، بأن استهداف السفن التجارية في مضيق هرمز كان "خطأ"، ونسبوا الهجمات إلى "فصيل متشدد داخل النظام" يسعى إلى تقويض المفاوضات، معربين عن رغبة طهران في مواصلة المحادثات، بحسب موقع "أكسيوس" وشبكة CBS News.
ولم يتضمن تقريرا "أكسيوس" وCBS News تأكيداً إيرانياً مستقلاً للرواية التي نقلها المسؤولون الأميركيون بشأن الاتصالات الخاصة أو الجهة التي تقف وراء الهجمات.
وقال المسؤول الأميركي الرفيع: "إما أن يقدموا لنا هذا البيان، أو لن تكون النتيجة في صالحهم".
إعادة فتح مضيق هرمز
من جهته، قال ريتش جولدبرج، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي خلال إدارة ترمب، وكبير المستشارين في "مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات"، التي دعت إلى توسيع العمل العسكري في طهران، إن الاستعداد للعودة إلى استخدام القوة العسكرية يُظهر أن فانس والإدارة الأميركية يأخذان في الاعتبار مخاوف أولئك الذين يخشون أن يستغل النظام الإيراني وقف إطلاق النار لترسيخ سلطته.
وأضاف جولدبرج أن فانس يسعى لتحقيق الهدف الأهم، وهو إعادة فتح مضيق هرمز، سواء تحقق ذلك عبر السلام أو عبر استخدام القوة.
وتابع: "لا توجد سوى مكاسب سياسية من أن يقول: لقد أعدت فتح مضيق هرمز، وخفّضت أسعار الوقود، ولدينا الآن مسار يخدم مصالح الولايات المتحدة".
الرهان على التفاوض
ووفقاً لما أوردته "بوليتيكو"، سعى فانس منذ البداية إلى إظهار انفتاحه على إنهاء الحرب عبر التفاوض، بالتوازي مع تشكيكه في أن إيران ستغير سلوكها في نهاية المطاف.
وخلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض عُقد في يونيو الماضي، قبل أيام فقط من توجهه إلى سويسرا لبدء فترة التفاوض الممتدة لشهرين بموجب مذكرة التفاهم، قال نائب الرئيس إنه لا يعلم ما إذا كانت إيران ستفي في نهاية المطاف بالتزاماتها.
وأضاف، رداً على احتمال رفض إيران تغيير سلوكها: "ربما يكون ذلك صحيحاً"، لكنه تساءل: "ألا يستحق الأمر أن نحاول؟".












