
يُهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسحب القوات الأميركية من ألمانيا؛ لكن تحويل قرار نشره على منصات للتواصل الاجتماعي إلى انسحاب فعلي، يعد أمراً أكثر تعقيداً، وربما تكون له تداعيات خطيرة على حرب إيران، وفق مجلة "بوليتيكو".
وأوضحت المجلة، في نسختها الأوروبية، أن أي انسحاب أميركي سيعني إنفاق مليارات الدولارات في عملية تستغرق سنوات، إلى جانب مسألة الاستفادة من القواعد الألمانية في بسط النفوذ الأميركي على الصعيد العالمي، وبدونها، ستواجه القوات الأميركية صعوبات في خوض الحرب ضد إيران.
وقالت النائبة الليبرالية الألمانية، ماري أجنيس ستراك زيمرمان، رئيسة لجنة الدفاع في البرلمان الأوروبي للمجلة: "مثل هذا الانسحاب سيتطلب تخطيطاً على المدى الطويل، وينطوي على تكاليف باهظة. تعتمد الولايات المتحدة على هذا الموقع، لا سيما فيما يتعلق بالعمليات في الشرق الأوسط".
وكان ترمب شن هجوماً على ألمانيا، بعدما انتقد المستشار فريدريش ميرتس استراتيجية الإدارة الأميركي بشأن الحرب ضد إيران.
وكتب ترمب على منصته للتواصل "تروث سوشيال"، ليل الخميس: "تدرس الولايات المتحدة وتراجع إمكانية خفض عدد القوات الموجودة في ألمانيا، ومن المقرر اتخاذ قرار في هذا الشأن خلال الفترة القصيرة المقبلة".
وأضاف في وقت لاحق: "ينبغي على مستشار ألمانيا أن يكرس مزيداً من الوقت لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.. وإصلاح بلده الذي يعاني من الفوضى".
من جانبه، تجنب ميرتس، الخميس، الإشارة بشكل مباشرة إلى تهديدات ترمب، قائلاً: "لا تزال بوصلتنا موجهة بوضوح نحو حلف الناتو القوي، وشراكة عبر الأطلسي موثوقة".
استياء ترمب من الحلفاء
وأشارت المجلة إلى أن هذا الخلاف الأخير، يسلط الضوء على الإحباط المستمر الذي يشعر به ترمب، تجاه شركائه الأوروبيين لتجنبهم إلى حد كبير (التورط في) صراع إيران، وذلك بعد مرور أكثر من شهرين على إصداره الأمر الأول بشن غارات جوية.
كما هدد الرئيس الأميركي دولاً أخرى لا تتبع نفس المسار الذي حدده بشأن إيران، بما في ذلك بريطانيا وإسبانيا، لكن ذلك لم يؤد حتى الآن إلى أي تغييرات في علاقاتها العسكرية.
تعيد الولايات المتحدة النظر في حجم وجودها في أوروبا منذ ما قبل تولي ترمب الرئاسة، لكنها أشارت حتى الآن، إلى أنها لن تنفذ عمليات سحب كبيرة لقواتها، بل دعت القارة إلى تحمل مزيد من مسؤولية الدفاع عن نفسها، ووجهت اهتمامها نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وقال دبلوماسي رفيع المستوى في حلف الناتو، طلب عدم كشف هويته للمجلة: "إذا نظروا إلى المكان الذي قد يستفيدون فيه بشكل أفضل من قواعدهم في أوروبا... فلا أعتقد أن ذلك غير منطقي. أما إذا حدث ذلك بدافع الانتقام لمعاقبة الحلفاء... فلن يكون ذلك تصرفاً حكيماً".
تقويض دفاعات أوروبا
وحذّرت المجلة من أي انسحاب أميركي مفاجئ قد يقوّض دفاعات أوروبا في مواجهة روسيا، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن موسكو قد تهاجم دولة أوروبية بحلول نهاية العقد الجاري.
في هذا السياق، قال الخبيرة الأمنية والمسؤولة السابقة في حلف الناتو، جيرليند نيهوس: من شأن ذلك (الانسحاب) أن يُضعف قدرة الردع لدى حلف الناتو، لأنه سيبعث برسالة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مفادها أن اهتمام الأميركيين يتضاءل يوماً بعد يوم، وأن أوروبا أصبحت معرضة للخطر بشكل متزايد".
ولفتت "بوليتيكو"، إلى أنه على الرغم من تهديد ترمب، لن يكون سحب الجنود أمراً سهلاً، إذ يتمركز في ألمانيا في الوقت الراهن ما يقرب من 36 ألف جندي أميركي، وهو ما يمثل نحو نصف إجمالي الوجود العسكري لواشنطن في أوروبا.
كما تضم ألمانيا عشرات المنشآت الأميركية، بما في ذلك القيادة العليا للقوات الأميركية في أوروبا وإفريقيا، كما توجد بها أصول عسكرية حيوية، بما في ذلك قنابل نووية من طراز B-61.
وذكرت المجلة أنه خلال ولايته الأولى، أمر ترمب بسحب 12 ألف جندي أميركي من ألمانيا، لكنه لم يتمكن من إتمام ذلك قبل تولي سلفه الرئيس السابق جو بايدن منصبه.
ومن الناحية النظرية "لا توجد عقبات قانونية أو سياسية كبيرة" تمنعه من محاولة سحب القوات من ألمانيا مجدداً، حسبما قالت جينيفر كافاناج، مديرة قسم التحليل العسكري في مركز أبحاث "ديفينس بريوريتيز" Defense Priorities ومقره واشنطن، بالنظر إلى "النفوذ المحدود للغاية" الذي يتمتع به الكونجرس الأميركي في الشؤون العسكرية.
والعقبة الوحيدة الفعلية، هي قانون صدر في عام 2025 يمنع الرئيس من ترك أقل من 76 ألف جندي في أوروبا. ومع وجود ما يصل إلى 85 ألف جندي في القارة، فإن ذلك يمنحه حداً أقصى قانونياً يبلغ 9 آلاف جندي.
تداعيات محتملة على حرب إيران
لكن حتى القيام بذلك سيستغرق "4 سنوات على الأقل" وقد يكلف "مئات المليارات" من الدولارات عند احتساب النفقات غير المباشرة أيضاً، حسبما قال الجنرال المتقاعد، مارك هيرتلينج، القائد السابق للجيش الأميركي في أوروبا والذي ساعد في إدارة عملية سحب أميركية كبيرة للقوات الأمريكية بين عامي 2003 و2011.
وأضاف أن ذلك لا يأخذ في الحسبان تعقيدات وتكاليف أوسع نطاقاً، بما في ذلك نقل آلاف من عائلات الجنود، وتسريح عمال ألمان محليين، وإغلاق مستشفيات، وترك القواعد التي تم تحديثها مؤخراً مهجورة.
وحذّر هيرتلينج من أن أي انسحاب سريع سيلحق "ضررا كبيراً" بالحملة العسكرية الأميركية في إيران، بالنظر إلى لدور المهم الذي تلعبه قواعد مثل "رامشتاين" في تنسيق هجمات الطائرات المسيرة، ونقل الأفراد والمعدات إلى الشرق الأوسط.
وأوضحت كلوديا ماجور نائبة رئيس صندوق مارشال الألماني، وهو مركز أبحاث في واشنطن، أن ثمة عقبات عملية أخرى تحول دون سحب الجنود، قائلة: "إلى أين سيذهبون؟ تحتاج إلى بنية تحتية، وتحتاج إلى قواعد، وتحتاج إلى مساكن، وهذا لا يوجد ببساطة في مكان آخر في انتظارهم".
في المقابل، قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الخميس، إن برلين "مستعدة" لاحتمال سحب القوات الأميركية، وتناقش هذه المسألة "بشكل وثيق وبروح من الثقة في جميع هيئات الناتو".
وقال كريستوف شميد، النائب عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم في ألمانيا: "على الرغم من بعض التصريحات المتسرعة التي أدلى بها الرئيس، ما زلت أتمتع بقدر أساسي من الثقة في العلاقات عبر الأطلسي. يجب تقييم الإدارة الأميركية بأفعالها أكثر من كلماتها".











