سحب قوات أميركية من بولندا.. "قرار مفاجئ" يربك البنتاجون | الشرق للأخبار

سحب قوات أميركية من بولندا.. "قرار مفاجئ" يربك البنتاجون ويثير تحفظات أوروبية

نواب في الكونجرس ينتقدون وزارة الحرب: مصدر إحراج لبلدنا

time reading iconدقائق القراءة - 13
قوات بولندية تشارك مع جنود من حلف الناتو خلال مناورات "المُدافع الحديدي" في فيرتزبيني قرب بلدة أورزيس شمال شرق بولندا. 17 سبتمبر 2025 - REUTERS
قوات بولندية تشارك مع جنود من حلف الناتو خلال مناورات "المُدافع الحديدي" في فيرتزبيني قرب بلدة أورزيس شمال شرق بولندا. 17 سبتمبر 2025 - REUTERS

فاجأ قرار وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث، في اللحظة الأخيرة، بإلغاء إرسال 4 آلاف جندي إلى بولندا، موظفي البنتاجون، وحلفاء أوروبيين، وأثار انتقادات حادة في الكونجرس.

ولم يتضح بالضبط سبب إصدار هيجسيث لهذا الأمر، حسبما ذكر 3 مسؤولين عسكريين مطلعين على المسألة لمجلة "بوليتيكو". وقد أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشكل متكرر عن غضبه وإحباطه من الحلفاء الأوروبيين لامتناعهم عن المساعدة في حرب إيران، على الرغم من أنه وصف بولندا بأنها "حليف نموذجي" بسب إنفاقها المرتفع على الدفاع.

وأشارت المجلة، إلى أن هذا القرار مفاجئاً بشكل أكبر؛ لأن القوات والمعدات كانت قد بدأت بالفعل في الوصول إلى البلاد. وهذا التطور أثار موجات جديدة من القلق في عواصم أوروبية وداخل البنتاجون، الخميس، بشأن ما إذا كانت مثل هذه التحركات يمكن أن تشجع روسيا، وأي حليف قد يصبح الهدف التالي.

وقال أحد المسؤولين الأميركيين: "لم نكن نتوقع حدوث ذلك على الإطلاق"، مضيفاً أن مسؤولين أوروبيين وأميركيين أمضوا الساعات الأربع والعشرين الماضية في إجراء مكالمات هاتفية في محاولة لفهم هذا القرار، ومعرفة ما إذا كانت هناك مفاجآت أخرى في الطريق.

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إعلان هيجسيث هذا الشهر، أن البنتاجون سيسحب 5 آلاف جندي من قواعده في ألمانيا. لكن هذا القرار جاء تنفيذاً لتهديد أطلقه ترمب بعد أن صرح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأن الولايات المتحدة "تتعرض للإذلال" خلال الصراع الدائر في إيران.

كان الجنود البالغ عددهم 4 آلاف جندي والمتمركزون في ولاية تكساس يستعدون للمغادرة في إطار عملية لتناوب إرسال القوات إلى بولندا مخطط لها منذ فترة طويلة، تتضمن تدريبات مع حلفاء الناتو، عندما صدر الأمر بوقفها.

انتقادات في الكونجرس

وفي واشنطن، اعترض مشرعون من كلا الحزبين على عملية الانسحاب في جلسة استماع عامة مع قيادة الجيش العليا، الجمعة، وانتقدوا البنتاجون لعدم استشارة الكونجرس أو حلفاء أوروبيين قبل اتخاذ القرار، حسب ما ذكرت صحيفة "واشنطن بوست".

وقال النائب جمهوري من نبراسكا، دون بيكون: "كان ذلك أمراً مستهجناً. ما فعلناه للتو تجاه بولندا كان مصدر إحراج لبلدنا".

في المقابل، رفض الجنرال كريستوفر لانيفي، القائم بأعمال رئيس أركان الجيش، الإجابة عندما ضغط عليه بيكون لشرح أسباب الانسحاب. ولم يشر إلى هذا القرار خلال إفادته خلال جلسة استماع سابقة عُقدت، الثلاثاء الماضي. وقال لانيفي: "أنا لا أتناول الجانب المتعلّق بالسياسات هنا".

ورد بيكون قائلاً: "لكنك رئيس أركان الجيش"، مشيراً إلى أن الحكومة البولندية اتصلت به بعد أن "فُوجئت" بالقرار.

ورداً على أسئلة أخرى طرحها النائب الجمهوري عن ولاية جورجيا، أوستن سكوت، قال لانيفي، إن أمر سحب القوات صدر خلال الأسبوعين الماضيين، وإن عملية الانتشار في بولندا ألغيت رسمياً في وقت سابق من هذا الأسبوع.

ووصفت السيناتور الديمقراطية عن ولاية نيوهامشر، جين شاهين، وهي عضو في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، قرار إلغاء نشر اللواء بأنه "مثير للقلق حقاً" أثناء حديثها للصحافيين، الخميس.

واعتبرت شاهين، أن حجب لواء مدرع عن حليف أوروبي رئيسي من شأنه أن يشجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مواصلة حرب أوكرانيا، التي دخلت الآن عامها الخامس.

في مشروع قانون السياسة الدفاعية لهذا العام، اشترط المشرعون على البنتاجون تقديم مجموعة شاملة من الخطط في حال قامت الإدارة بتخفيض عدد القوات الأميركية في أوروبا إلى ما دون 76 ألف جندي لمدة تزيد عن 45 يوماً.

وقالت شاهين إن القرار المتعلق ببولندا سيبقى على الأرجح، عدد القوات في القارة فوق هذا الحد الأدنى؛ لكنها دعت أعضاء الكونجرس من الحزب الجمهوري إلى التعبير عن موقفهم، مضيفة: "إنها سياسة لا معنى لها".

"فوضى" في صنع القرار

وقال مسؤولون عسكريون أميركيون، إن جنوداً ومعدات فريق قتال اللواء الثاني ضمن الفرقة المدرّعة الأولى في فرقة الفرسان الأولى قد وصلوا بالفعل إلى بولندا لبدء عملية انتشار مخطط لها لمدة تسعة أشهر في إطار مهمة تهدف إلى ردع "العدوان الروسي" في أوروبا، ما أدى إلى اندفاع سريع لوقف مغادرة الجنود من قاعدة "فورت هود" في ولاية تكساس وترتيب عودة مئات الأفراد الذين وصلوا إلى بولندا، وفق ما أوردت صحيفة "واشنطن بوست".

وذكر مسؤولان في وزارة الحرب الأميركية، طلبا عدم كشف هويتيهما، أنه من النادر إلغاء عمليات الانتشار المخطط لها منذ فترة طويلة، ويقل عدد حالات الإلغاء أكثر بعد بدء هذه العمليات.

وأضاف المسؤولان أن بعض القادة العسكريين الأميركيين في أوروبا، فوجئوا بهذا القرار بعد أن علموا به من خلال مذكرة صادرة عن البنتاجون تم توزيعها في وقت سابق من هذا الأسبوع.

وكان من المتوقع نشر نحو 4 آلاف جندي بالإضافة إلى مركبات ثقيلة مثل دبابات Abrams، ومركبات Bradley القتالية لإجراء تدريبات في المنطقة، بهدف التدريب. ويوجد عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين المتمركزين في القارة الأوروبية، ويخدم جزء كبير منهم في عمليات انتشار بالتناوب من الولايات المتحدة وأماكن أخرى.

ووفق صحيفة "واشنطن بوست"، فإن التراجع عن قرار نشر القوات الأميركية يُسلط الضوء على "الطابع الفوضوي والمفاجئ" لعملية صنع القرار في البيت الأبيض، التي أدت إلى تعقيد الخطط في أوروبا الشرقية والدعم المقدم للحلفاء، حتى في الوقت الذي تعمل فيه وحدات الجيش على وضع استراتيجيات قتالية جديدة مبنية على القتال الدائر في أوكرانيا.

وفي قاعدة "فورت هود" في الأول من مايو، لم يشر قادة الجيش إلى أن انتشار قواتهم في بولندا معرض للخطر، بل أخبروا الجنود بدلاً من ذلك أنهم على وشك الانطلاق في بعثة عسكرية مهمة.

وقال قائد الفرقة الأولى للفرسان، اللواء توم فيلتي، في حفل، وفقاً لصحيفة "ستارز آند سترايبس" التي يصدرها الجيش الأميركي: "لا شك في أن خصومنا يراقبون الوضع. فعندما يُنشر فريق لواء قتالي مدرع في الخطوط الأمامية، فإن ذلك يرسل إشارة واضحة لا لبس فيها".

وكان من المتوقع أن ينتشر الجنود عبر أوروبا الشرقية، ليحلوا محل القوات الأميركية التي أجرت مناورات في بولندا، ودول البلطيق.

وبدلاً من ذلك، تلقى الجنود الذين وصلوا إلى بولندا تعليمات بـ"الإسراع" في العودة، حسبما قال أحد المسؤولين العسكريين الأميركيين. 

وأفاد المسؤولون بأن الأمر الصادر بالعودة السريعة تسبب في تعقيدات، تشمل الحاجة إلى التنظيف العميق للمركبات لتجنب نقل التلوث إلى الوطن، وإعادة تنظيم الجداول الزمنية لإعادة أو تغيير مسار سفن الشحن، وإيجاد رحلات جوية للجنود.

وقال أحد المسؤولين الأميركيين، إنه على الرغم من أن إلغاء عملية الانتشار قد يؤثر سلباً على العلاقات مع حلفاء أوروبيين، فقد تم إرساء أسس متينة ومفيدة للطرفين مع جيوش شريكة، بما في ذلك توفير الأسلحة وشبكات طائرات مسيرة لإعداد الدفاعات في حال حدوث غزو روسي.

خفض الانتشار العسكري في أوروبا

ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن مسؤولين أميركيين، قولهم إن البنتاجون يعمل على سحب آلاف الجنود من أوروبا من خلال إلغاء عمليات الانتشار المقررة في بولندا وألمانيا، بدلاً من سحب القوات المتمركزة هناك بالفعل.

وقال مسؤولان للوكالة الأميركية، إن نشر القوات في بولندا أُلغي بعد أن وقع وزير الحرب بيت هيجسيث مذكرة توجه هيئة الأركان المشتركة بنقل فريق قتالي من اللواء خارج أوروبا. وقال أحدهما إن اختيار الوحدة التي سيجري سحبها ترك للقادة العسكريين.

وأوضح المسؤولان اللذين طلبا عدم الكشف عن هويتهما أنه بالإضافة إلى فريق القتال التابع للجيش المتمركز في قاعدة "فورت هود" بولاية تكساس، أدت المذكرة أيضاً إلى إلغاء نشر مرتقب في ألمانيا لكتيبة مدربة على إطلاق الصواريخ والقذائف بعيدة المدى.

وقال ثلاثة مسؤولين أميركيين، إن عمليات النشر المُلغاة تأتي في إطار جهود الامتثال لأمر رئاسي صدر في مطلع مايو بخفض عدد القوات في أوروبا بنحو 5 آلاف جندي. ويبدو أن هذا التفسير لم يوضح بشكل جيد، حيث أفاد مسؤولون آخرون متمركزون في أوروبا بأنهم لا يعلمون ما إذا كان تعليق عملية النشر إلى بولندا جزءاً من خطة تخفيض القوات التي أُعلن عنها سابقاً.

طمأنة الحلفاء

وقال القائد السابق للجيش الأميركي في أوروبا، اللواء بن هودجز، إن دور الجيش في أوروبا "يتمحور حول ردع الروس وحماية المصالح الاستراتيجية لأميركا وطمأنة الحلفاء"، مضيفاً: "والآن، فقدنا أحد الأصول المهمة للغاية التي كانت في طريقها لتصبح جزءاً من هذا الردع".

وأحال البيت الأبيض الأسئلة إلى البنتاجون، الذي دافع عن هذه الخطوة باعتبارها عملية "مدروسة بعناية". وقال القائم بأعمال المتحدث باسم البنتاجون جويل فالديز: "يأتي قرار سحب القوات في أعقاب عملية شاملة ومتعددة المستويات تضمنت آراء قادة بارزين في (القوات الأميركية في أوروبا) وعبر تسلسل القيادة. وأضاف: "لم يكن هذا قراراً غير متوقع اتُخذ في اللحظة الأخيرة".

وأضاف هودجز: "من المؤكد أن البولنديين لم ينتقدوا الرئيس ترمب أبداً، وهم يفعلون كل ما يفترض أن يفعله الحلفاء الجيدون. ومع ذلك، يحدث هذا".

لكن الاستراتيجية الأوسع نطاقاً لا تزال غير واضحة، ولا يزال الانسحاب من ألمانيا في مرحلة التخطيط، بحسب اثنين من المسؤولين الأميركيين المطلعين على الأمر، طلبا عدم الكشف عن هويتهما. 

ويُعد هذا الانسحاب تقليصاً طفيفاً نسبياً للقوات الأميركية البالغ عددها 38 ألف جندي في البلاد، لكنه يبعث برسالة إلى حلفاء أوروبيين بأنهم قد يدفعون ثمناً لاعتراضهم العلني على البيت الأبيض.

وأعلن البنتاجون في أكتوبر، أنه لن يستبدل لواءً من الجيش كان من المقرر أن يغادر رومانيا أواخر العام الماضي، في خطوة أثارت استياء متشددين بشأن مسائل الدفاع في الكابيتول.

وأجرى البنتاجون مؤخراً مراجعة لوجود القوات الأميركية في أنحاء العالم، على الرغم من أنه من غير المتوقع الإعلان عن نتائجها للجمهور. 

وأشار مسؤولون إلى أن الدراسة لا تدعو إلى انسحاب كبير للقوات من أوروبا؛ لكن وثيقة رئيسية أخرى صدرت هذا العام، وهي "استراتيجية الدفاع الوطني"، تتعهد بتخصيص المزيد من الموارد العسكرية لأماكن أخرى، وترك شؤون الأمن الأوروبي للدول الأوروبية.

انقسام في بولندا

في المقابل، قال المتحدث باسم الحكومة البولندية، آدم شلابكا، الجمعة، إن القوات الأميركية موجودة في بولندا على أساس التناوب، ولا يوجد ما يؤكد أن هذا الوضع سيتغير بأي شكل من الأشكال.

ولجأ مسؤولون بولنديون إلى منصات التواصل الاجتماعي إما للدفاع عن القرار أو للتعبير عن غضبهم بشأن تأثيره على التحالف. وأعرب بعضهم عن أمله في أن يستبدل الجيش هذا الوجود الدوري للقوات بوجود دائم منتشر بالفعل في أوروبا، فيما حاول آخرون التقليل من شأن التداعيات المحتملة.

وقال نائب رئيس الوزراء البولندي ووزير الدفاع فواديسلاف كوسينياك كاميش في منشور على منصة "إكس": "هذه المسألة لا تعني بولندا. إنها مرتبطة بإعادة تنظيم جزء من القوات العسكرية الأميركية في أوروبا التي أُُعلن عنها سابقاً"، في إشارة إلى الجهود الأميركية المستمرة لإعادة تقييم القوات الأميركية في القارة.

وأظهرت استطلاع رأي أُجري في مارس وأبريل في 98 دولة، منها 17 دولة في الاتحاد الأوروبي، في إطار "مؤشر تصور الديمقراطية" السنوي، أن ما يقرب من 51% من المشاركين البولنديين يؤيدون وجود قاعدة عسكرية أميركية على أراضيهم، في حين عارض ذلك 23% فقط. ومن المتوقع أن يرتفع الإنفاق الدفاعي البولندي هذا العام إلى 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى معدل بين حلفاء الناتو.

لكن البعض في حلف الناتو حاولوا التقليل من أهمية عدم وصول اللواء الأميركي إلى بولندا، وقال مسؤول رفيع في الحلف، إن عمليات تناوب القوات، مثل نشر القوات الأميركية في بولندا، لا تدخل في حسابات خطط الحلف طويلة الأمد لتعزيز وجود عسكري في القارة يمكنه ردع روسيا.

وقال المسؤول: "نحن نعلم أن الولايات المتحدة تعمل على تعديل موقفها في أوروبا. ونحن نشهد بالفعل وجوداً متزايداً على الجناح الشرقي من كندا وألمانيا، وكل ذلك يساهم في تعزيز الناتو بشكل عام".

وذكر المسؤول أن فرنسا وألمانيا لديهما 5 آلاف جندي مشترك على الجناح الشرقي للناتو، وهو رقم سيزداد بآلاف الجنود بحلول نهاية العام المقبل.

تصنيفات

قصص قد تهمك