
كشفت المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران عن تغير لافت في دائرة صنع القرار داخل طهران، إذ تعزز نفوذ 6 قادة حاليين وسابقين في الحرس الثوري والأجهزة الاستخباراتية، بجانب المرشد الأعلى مجتبى خامنئي الذي صعد بعد اغتيال والده المرشد السابق علي خامنئي في الضربة الإسرائيلية الأولى للحرب في 28 فبراير الماضي.
ولم يعد مركز القرار في البلاد قائماً على "رجل واحد"، بل على "نخبة ضيقة" من القادة، تجمعهم خبرة الحرب العراقية-الإيرانية بين عامي 1980 و1988، والعلاقات الممتدة مع مكتب علي خامنئي، إضافة إلى تاريخ طويل في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
كما أشارت وكالة "أسوشيتد برس" إلى أن هذه الدائرة الأمنية المتشددة تعزز نفوذها في وقت تتواصل فيه المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما يبقى المرشد الجديد بعيداً عن الظهور العلني.
وبحسب تقارير غربية، تضم دائرة السبعة الكبار في إيران، المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إيجئي، ورجل الدين حسين طائب، والقائد السابق للحرس الثوري محمد علي جعفري، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر.
أحمد وحيدي
قائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي من أبرز الشخصيات داخل هذه "النخبة الضيقة"، وسط تقديرات بأنه بات يؤدي دوراً محورياً في إدارة القرار العسكري والسياسي الإيراني خلال الحرب.
وذكرت "أسوشيتد برس" أن وحيدي يعتبر من أبرز الشخصيات المؤثرة في صياغة النهج الإيراني المتشدد خلال المفاوضات المتعلقة بإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، كما يُعتقد أنه ضمن حلقة مقربة تتواصل بشكل مباشر مع مجتبى خامنئي.
ويُنظر إلى وحيدي كذلك باعتباره من أكثر قادة الحرس الثوري تشدداً، إذ ارتبط اسمه على مدى عقود بملفات العمليات الخارجية والأجهزة الأمنية الإيرانية.
ووُلد أحمد وحيدي، واسمه الأصلي أحمد شاه جراغي، في مدينة شيراز عام 1958، والتحق بالحرس الثوري عقب قيام الثورة عام 1979، قبل أن يبرز خلال الحرب العراقية-الإيرانية كأحد الوجوه الصاعدة داخل الجهاز الاستخباراتي للحرس.
وتولى لاحقاً قيادة "فيلق القدس" خلال سنوات تأسيسه الأولى، حيث لعب دوراً رئيسياً في بناء شبكة الجماعات المسلحة الحليفة لإيران في المنطقة، وبينها "حزب الله" اللبناني، وفق ما أوردته "نيويورك تايمز".
وتتهمه السلطات الأرجنتينية بالضلوع في تفجير المركز اليهودي في العاصمة "بوينس آيرس" عام 1994، الذي أسفر عن سقوط 85 شخصاً وإصابة المئات، فيما تنفي إيران أي صلة لها بالهجوم.
كما تولى وحيدي مناصب عدة، بينها وزير الدفاع ووزير الداخلية، وأشرف خلال احتجاجات عام 2022 على الأجهزة الأمنية التي قمعت التظاهرات الواسعة عقب وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني، البالغة من العمر 22 عاماً، أثناء احتجازها لدى الشرطة بزعم انتهاك قواعد الزي الإسلامي، وفقاً لـ"أسوشيتد برس".
وترى الوكالة أن نفوذ أحمد وحيدي تعزز بصورة ملحوظة بعد الحرب الحالية، لا سيما عقب اغتيال عدد من القادة البارزين في الضربات الإسرائيلية، ما عزز موقعه داخل دائرة صنع القرار العسكري والسياسي.
ورأى الباحث الأميركي كينيث كاتزمان أن وحيدي ينتمي إلى تيار يؤمن بضرورة "استمرار الثورة والمقاومة"، مضيفاً أنه يتبنى نهجاً يقوم على مواجهة الولايات المتحدة "في كل منعطف".
محمد باقر قاليباف
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من أبرز الشخصيات السياسية المرتبطة بالحرس الثوري، إذ تولى سابقاً قيادة سلاح الجو في الحرس ورئاسة الشرطة الإيرانية، قبل أن يشغل منصب رئيس بلدية طهران لعدة سنوات.
ووفق "نيويورك تايمز"، يُنظر إلى قاليباف بوصفه شخصية تجمع بين النفوذ العسكري والحضور السياسي، كما يُصنف أحياناً ضمن التيار "البراغماتي" مقارنة بالجناح الأكثر تشدداً داخل النظام الإيراني.
وشارك رئيس البرلمان في محادثات مع الولايات المتحدة استضافتها باكستان في أبريل الماضي، إلى جانب وزير الخارجية عباس عراقجي، لكنها انتهت من دون اتفاق، وسط انتقادات من داخل النظام اعتبرت أنه أبدى "مرونة مفرطة" خلال المفاوضات التي حضرها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس.
وكان قاليباف قد أثار سابقاً جدلاً واسعاً في إيران بعدما تفاخر بمشاركته شخصياً في قمع احتجاجات الطلاب عام 1999، قائلاً إنه كان يضرب المحتجين بالعصي أثناء تنقله على دراجة نارية برفقة عناصر من قوات "الباسيج"، وهي قوة شبه عسكرية تابعة للحرس الثوري.
غلام حسين محسني إيجئي
رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إيجئي من أكثر الشخصيات الأمنية والقضائية تشدداً ونفوذاً داخل النظام الإيراني، إذ ارتبط اسمه على مدى سنوات بملفات قمع المعارضين والتعامل الصارم مع الاحتجاجات الداخلية.
ووفقاً لـ"نيويورك تايمز"، برز اسمه لسنوات باعتباره من أكثر القضاة تشدداً في إيران، إذ ارتبط بلقب "القاضي المعلق للمشانق" بسبب دوره في استخدام القضاء ضد المعارضين السياسيين، خصوصاً خلال موجات الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة.
وتولى إيجئي وزارة الاستخبارات خلال احتجاجات "الحركة الخضراء" التي اندلعت عقب إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً عام 2009، وهي المرحلة التي شهدت حملات واسعة من الاعتقالات والتعذيب والإعدامات بحق المحتجين، ما أدى لاحقاً إلى فرض عقوبات أميركية وأوروبية عليه.
حسين طائب
ومن بين النخبة الإيرانية الضيقة كذلك، رجل الدين حسين طائب، الذي يُعرف بأنه أحد أبرز رجال الاستخبارات المرتبطين بالحرس الثوري، بعدما تولى قيادة قوات "الباسيج" ثم رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري بين عامي 2009 و2022.
ولعب طائب دوراً محورياً في قمع الاحتجاجات الداخلية وملاحقة المعارضين، كما ارتبط اسمه بواحد من أكثر الأجهزة الأمنية نفوذاً وتشدداً داخل إيران خلال السنوات الماضية.
وبحسب "نيويورك تايمز"، ارتبط اسمه أيضاً بملفات احتجاز مواطنين أميركيين وإيرانيين مزدوجي الجنسية لاستخدامهم في صفقات تبادل أو ضغوط سياسية.
ورغم إبعاده عن رئاسة جهاز الاستخبارات بعد اختراقات إسرائيلية استهدفت البرنامج النووي الإيراني، لا يزال يُنظر إليه بوصفه شخصية مركزية داخل شبكة النفوذ الأمني، كما يُعتقد أنه مقرب من مجتبى خامنئي منذ سنوات الحرب العراقية الإيرانية.
محمد علي جعفري
ويبرز داخل النخبة الأمنية في إيران القائد السابق للحرس الثوري محمد علي جعفري باعتباره أحد أبرز العقول العسكرية داخل المؤسسة الإيرانية.
وتولى جعفري قيادة الحرس الثوري بين عامي 2007 و2019، في واحدة من أطول فترات القيادة في تاريخ المؤسسة، وشهدت توسع نفوذ الحرس إقليمياً وتعزيز دوره الأمني داخل إيران.
وتنسب إليه "نيويورك تايمز" تطوير ما يُعرف بـ"استراتيجية الفسيفساء"، وهي منظومة قيادة لامركزية صُممت لضمان استمرار العمليات العسكرية حتى في حال اغتيال عدد كبير من القادة، وهو ما تقول الصحيفة إن إيران استفادت منه خلال الحرب الحالية.
كما لعب دوراً رئيسياً في توسيع شبكة الجماعات الحليفة لإيران في المنطقة، وكان قد صرح عام 2015 بأن "الحرس الثوري سيواصل القتال حتى نهاية النظام الصهيوني".
محمد باقر ذو القدر
يُجسد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر نموذج التداخل بين المؤسسة العسكرية والطبقة السياسية في إيران، بعدما تنقل بين مناصب أمنية وسياسية بارزة، شملت منصب نائب قائد الحرس الثوري ونائب وزير الداخلية.
وفي مارس الماضي، عُين ذو القدر أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفاً لعلي لاريجاني، الذي اغتيل خلال الحرب، في خطوة عززت حضور الشخصيات الأمنية والعسكرية داخل أحد أهم مراكز صناعة القرار في إيران.
ويُعد المجلس الأعلى للأمن القومي من أبرز مراكز صناعة القرار في إيران، إذ يضم كبار القادة العسكريين والسياسيين ويتولى رسم السياسات الأمنية والخارجية للدولة، إلى جانب إدارة الملفات المرتبطة بالحرب والتفاوض والأمن الداخلي.
وترى "نيويورك تايمز" أن صعود ذو القدر يعكس اتجاهاً متصاعداً داخل إيران نحو تعزيز نفوذ الدوائر الأمنية والعسكرية في مؤسسات الحكم، في ظل الحرب والضغوط الخارجية وتزايد التنافس على النفوذ داخل النظام الإيراني.









