
عاد ملف اليورانيوم المخصب إلى واجهة المناقشات بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، تدمير مخزون طهران من اليورانيوم عالي التخصيب ضمن أي اتفاق محتمل، سواء داخل إيران أو خارجها وتحت إشراف دولي.
ويُنظر إلى اليورانيوم المخصب باعتباره الحلقة الأكثر حساسية في البرنامج النووي الإيراني، لأنه يحدد مدى اقتراب طهران من امتلاك مادة يمكن استخدامها في إنتاج الوقود النووي أو تصنيع سلاح نووي.
كما أثار الحديث عن تدمير المخزون مخاوف مرتبطة بما يُعرف بـ"الغبار النووي"، أي الجسيمات المشعة الدقيقة التي قد تنتشر في الهواء عند استهداف منشآت نووية أو تدمير مواد مخصبة.
ويمر اليورانيوم المخصب عبر 6 مراحل رئيسية، إذ يبدأ رحلته من خام يُستخرج من المناجم، قبل أن يتحول إلى "الكعكة الصفراء" (مسحوق مركز يحتوي بشكل أساسي على أكسيد اليورانيوم)، ثم إلى غاز يُضخ داخل أجهزة طرد مركزي تعمل بسرعات هائلة لرفع نسب التخصيب تدريجياً، وصولاً إلى مستويات تعتبرها الدول الغربية قريبة من الاستخدام العسكري.
كيف تبدأ رحلة اليورانيوم؟
تبدأ العملية باستخراج خام اليورانيوم من المناجم، قبل نقله إلى منشآت المعالجة حيث يُسحق ويُفصل كيميائياً عن الصخور والعناصر الأخرى، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA.
وفي هذه المرحلة يُنتج ما يُعرف بـ"الكعكة الصفراء"، وهي مسحوق مركز يحتوي أساساً على أكسيد اليورانيوم، وتُعد المادة الخام الأساسية قبل الدخول في مراحل التحويل والتخصيب.
وتوضح الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن "الكعكة الصفراء" تمثل المرحلة الأساسية قبل بدء عمليات التحويل والتخصيب.
وتشير الجمعية النووية العالمية (WNA) إلى أن "الكعكة الصفراء" سُميت بهذا الاسم بسبب لونها الأصفر المائل للبني، رغم أن لونها قد يختلف بحسب طريقة المعالجة الكيميائية.
لماذا يتم تحويل اليورانيوم إلى غاز؟
بعد إنتاج "الكعكة الصفراء"، يتم تحويل اليورانيوم إلى غاز يُعرف باسم سادس فلوريد اليورانيوم (UF6)، وهو الشكل الذي يمكن استخدامه داخل أجهزة الطرد المركزي.
ويُستخدم هذا الغاز، لأنه يسمح بفصل نظائر اليورانيوم المختلفة أثناء الدوران بسرعات هائلة داخل أجهزة التخصيب، بحسب هيئة التنظيم النووي الأميركية.
وتشير الهيئة إلى أن اليورانيوم الطبيعي لا يمكن استخدامه مباشرة في معظم المفاعلات النووية دون رفع نسبة النظير القابل للانشطار.
كما توضح موسوعة "بريتانيكا" (Britannica) أن عملية التحويل الكيميائي تُعد خطوة أساسية قبل إدخال المادة إلى منظومات التخصيب الصناعية.
وتوضح الموسوعة البريطانية أن غاز UF6 يُستخدم؛ لأنه يسمح بفصل أنواع اليورانيوم داخل أجهزة الطرد المركزي بسرعات عالية.
كيف تعمل أجهزة الطرد المركزي؟
تعتمد عملية التخصيب على أجهزة طرد مركزي تعمل على فصل اليورانيوم-235 القابل للاستخدام في الوقود النووي أو الأسلحة، عن اليورانيوم-238 الأثقل والأقل قابلية للانشطار، وفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتوضح الوكالة أن اليورانيوم الطبيعي يحتوي على نحو 0.7% فقط من النظير U-235 القابل للانشطار.
وتشير جمعية الحد من التسلح Arms Control Association (وهي منظمة أميركية غير حكومية متخصصة في قضايا الحد من التسلح والأمن الدولي)، إلى أن تكرار تمرير الغاز عبر سلاسل من أجهزة الطرد يسمح تدريجياً برفع نسب التخصيب.
وتقول الجمعية إن الوصول إلى نسب تخصيب مرتفعة يتطلب تشغيل آلاف أجهزة الطرد المركزي ضمن سلاسل مترابطة.
ماذا تعني نسب التخصيب؟
تُقاس حساسية البرنامج النووي بنسبة نقاء اليورانيوم المخصب، وتزداد نسب التخصيب تدريجياً مع مرور الغاز عبر مئات أو آلاف أجهزة الطرد المركزي المترابطة، إذ ينتقل اليورانيوم من مستويات منخفضة تتراوح بين 3% و5%، إلى مستويات أعلى تتجاوز 20%، وصولاً إلى نحو 90% المستخدمة عادة في الأسلحة النووية، وفق مكتب الطاقة النووية التابع لوزارة الطاقة الأميركية.
ويُستخدم مستوى 3.67% عادة في الوقود النووي المدني، بينما يُنظر إلى نسبة 60% على أنها قريبة تقنياً من مستويات الاستخدام العسكري.
مستويات التخصيب:
- 3.67%
مستوى مناسب للوقود النووي المدني وفق الاتفاق النووي المبرم عام 2015. - 20%
مرحلة حساسة تقنياً، لأن الوصول بعدها إلى نسب أعلى يصبح أسرع. - 60%
مستوى مرتفع تعتبره الدول الغربية قريباً من العتبة العسكرية. - 90%
مستوى يستخدم عادة في تصنيع الأسلحة النووية.
كيف تطور برنامج إيران؟
في عام 2021، أشارت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفقاً لرويترز، إلى أن إيران رفعت مستوى تخصيب اليورانيوم إلى نحو 60% من النقاء الانشطاري، مقارنة بنحو 20% في وقت سابق، في خطوة زادت من حدة التوتر مع الغرب بالتزامن مع تعثر المحادثات النووية.
كما أفادت الوكالة بأن إيران تستخدم سلاسل من أجهزة الطرد المركزي المتطورة لتخصيب اليورانيوم حتى مستوى 60% داخل منشأة نطنز، بما يشمل سلسلة من 164 جهاز طرد مركزي من طراز IR-6، إلى جانب سلسلة أخرى تضم 153 جهازاً من طراز IR-4.
ووصلت إيران إلى مرحلة التخصيب بنسبة 60% في أبريل 2021 داخل منشأة "أحمدي روشان" في نطنز، وذلك بعد أيام من تعرض المنشأة لعملية تخريب، وفقاً لما أورده "دويتشه فيله".
وحذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن الوصول إلى مستوى 90% يُعد ضمن نطاق اليورانيوم المستخدم عادة في تصنيع الأسلحة النووية، وهو ما يُعرف بـ"اليورانيوم عالي التخصيب".
وتشير تقارير وخبراء في المجال النووي إلى أن القفزة التقنية من 60% إلى 90% تُعد أسرع مقارنة بالمراحل الأولى من التخصيب، فيما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن رفع مستوى التخصيب يقلص ما يُعرف بـ"زمن الاختراق النووي"، أي الفترة اللازمة لإنتاج كمية كافية من المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي محتمل.
ما كمية اليورانيوم الإيراني المخصب؟
وفقاً لآخر تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك إيران نحو 440.9 كيلوجراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة تقترب تقنياً من مستوى 90% المطلوب لصناعة الأسلحة النووية.
أين يُخزن؟
يُخزن اليورانيوم الإيراني المخصب داخل منشآت نووية رئيسية في إيران، أبرزها "نطنز وفوردو وأصفهان"، وهي مواقع تخضع لرقابة ومتابعة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وبعض هذه المنشآت تقع تحت الأرض، وتضم أجهزة طرد مركزي ومخازن للمواد المخصبة، بهدف تقليل مخاطر الاستهداف المباشر وحماية المواد النووية من أي ضربات محتملة، بحسب مركز أبحاث الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي.
وتُعد منشأة نطنز المركز الرئيسي لعمليات التخصيب في إيران، حيث تضم قاعات تحت الأرض تحتوي على آلاف أجهزة الطرد المركزي، بحسب "الجمعية النووية العالمية".
أما منشأة فوردو، فتقع داخل جبل قرب مدينة قم، وتُعتبر من أكثر المواقع تحصيناً، إذ بُنيت على عمق كبير تحت الأرض لحمايتها من الضربات العسكرية، وفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومعهد الحد من التهديدات النووية NTI.
واستهدفت الولايات المتحدة منشآت نووية إيرانية في نطنز وفوردو وأصفهان، يونيو الماضي، في عملية أطلقت عليها اسم "مطرقة منتصف الليل".
ما "الغبار النووي"؟
ولطالما استخدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب مصطلح "الغبار النووي" لوصف مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، لكن هذا المصطلح يشير من الناحية العلمية إلى الجسيمات الدقيقة المشعة التي قد تنتشر في الهواء إذا تعرضت منشآت نووية للقصف، أو إذا دُمرت مواد مخصبة.
وقد تستقر هذه الجزيئات على التربة والمياه أو تدخل جسم الإنسان عبر الاستنشاق، ما قد يسبب آثاراً صحية طويلة الأمد، بحسب الهيئات الدولية المختصة.
ولهذا السبب، يثير أي حديث عن استهداف المنشآت النووية أو تدمير اليورانيوم المخصب مخاوف من حدوث تلوث إشعاعي، حتى لو كان محدود النطاق، وفقاً لوكالة حماية البيئة الأميركية (US EPA).
كما توضح منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض الإشعاعي المرتفع قد يزيد مخاطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.
لماذا يمثل عقدة المفاوضات؟
تعتبر واشنطن والدول الغربية أن مستويات التخصيب المرتفعة تمنح إيران قدرة تقنية سريعة على الاقتراب من تصنيع سلاح نووي، بينما تصر طهران على أن برنامجها مخصص للأغراض السلمية.
ومن هنا، أصبح مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب أحد أكثر الملفات حساسية في أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، سواء تعلق الأمر بتجميده أو نقله أو تدميره تحت إشراف دولي.
وقال مسؤولون إقليميون إن إيران ستوافق، بموجب الاتفاق المحتمل، على التخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، بحسب "أسوشيتد برس"، إلا أن وكالة "تسنيم" الإيرانية نفت صحة التقارير المتداولة بشأن استعداد طهران لإخراج اليورانيوم المخصب من البلاد، معتبرة أن هذه الأنباء "تندرج في إطار الحرب النفسية الأميركية".









