حصر السلاح بيد الدولة.. هل دخل العراق مرحلة ما بعد الفصائل؟ | الشرق للأخبار

حصر السلاح بيد الدولة.. هل دخل العراق مرحلة ما بعد الفصائل؟

time reading iconدقائق القراءة - 7
عناصر من الحشد الشعبي في العاصمة العراقية بغداد. 8 أبريل 2026 - Reuters
عناصر من الحشد الشعبي في العاصمة العراقية بغداد. 8 أبريل 2026 - Reuters

عاد ملف حصر السلاح بيد الدولة إلى واجهة المشهد السياسي والأمني في العراق، بعد إعلان عدد من الفصائل المسلحة، وفي مقدمتها "سرايا السلام" و"عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي"، تأييدها التوجه نحو تسليم السلاح للدولة والالتزام بالمسار القانوني والمؤسساتي.

وتزامنت هذه المواقف مع تحركات حكومية وسياسية تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة، وإنهاء مظاهر تعدد مراكز القوة المسلحة، في خطوة يراها مراقبون اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على تنفيذ أحد أكثر الملفات تعقيداً منذ عام 2003.

وبينما تؤكد قوى سياسية أن البلاد دخلت مرحلة البناء والاستقرار، والتي لا تتطلب وجود تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، يرى خبراء أمنيون واستراتيجيون أن تحديات ميدانية وقانونية وسياسية قد تعترض طريق التنفيذ، خصوصاً في ظل تباين مواقف الفصائل ووجود ارتباطات إقليمية لبعضها.

انتهاء مرحلة السلاح

واعتبر عضو "الإطار التنسيقي" عامر الفائز، أن إعلان عدد من الفصائل التزامها بحصر السلاح بيد الدولة يمثل "استجابة لمطالب طالما أكدت عليها المرجعية الدينية العليا في النجف"، فضلاً عن انسجامه مع "التوجهات التي تبنتها الحكومة الحالية، والقوى السياسية الداعمة لها".

وأضاف الفائز في تصريحات لـ"الشرق"، أن المرحلة الراهنة "لم تعد تستدعي وجود سلاح خارج مؤسسات الدولة، أو استمرار أدوار المقاومة المسلحة التي فرضتها ظروف سابقة"، معتبراً أن العراق "انتقل إلى مرحلة جديدة، عنوانها البناء والإعمار والاستقرار السياسي".

وأضاف أن مبادرة الفصائل التي أعلنت استعدادها لتسليم السلاح تعد "خطوة إيجابية تنسجم مع متطلبات المرحلة الحالية"، داعياً بقية الفصائل إلى "اتخاذ الخطوة نفسها بعد أن أدت أدوارها خلال المراحل السابقة".

وتابع قائلاً: "الحكومة شكلت لجاناً متخصصة بالتنسيق مع الفصائل المعنية، من أجل جرد الأسلحة والإشراف على تسليمها إلى الحشد الشعبي، باعتباره مؤسسة أمنية رسمية ضمن المنظومة الأمنية العراقية"، لافتاً إلى أن الحوارات "لا تزال مستمرة مع الفصائل التي لم تعلن موقفها النهائي من عملية التسليم".

ويرى الفائز، أن الهدف النهائي يتمثل في "الوصول إلى حصر كامل للسلاح بيد الدولة، مع الفصل بين العمل السياسي والحزبي من جهة، ومؤسسة الحشد الشعبي من جهة أخرى"، مشدداً على أن المرحلة المقبلة "ستشهد إنهاء عسكرة المجتمع، وترسيخ سلطة المؤسسات الأمنية الرسمية وحدها".

"اختبار صعب" للفصائل

ويرى المستشار السابق لوزارة الدفاع العراقية معن الجبوري، أن قرار "التيار الصدري" و"سرايا السلام" يمثل "تحولاً مهماً في مسار النقاش الدائر حول ملف السلاح"، لافتاً إلى أن العديد من الفصائل "كانت تشترط سابقاً أن يبدأ التيار الصدري بتسليم سلاحه قبل مطالبتها باتخاذ خطوة مماثلة".

وقال الجبوري لـ"الشرق"، إن "مبادرة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر سحبت واحدة من أبرز الحجج التي كانت تستخدمها الفصائل الرافضة للتخلي عن السلاح، ما وضعها في موقف أكثر حرجاً أمام الرأي العام وأمام الحكومة".

وأضاف أن "توقيت هذه الخطوة لا يمكن فصله عن التطورات السياسية الحالية، إذ جاءت بالتزامن مع مرحلة جديدة تشهد دعماً واضحاً لرئيس الوزراء علي الزيدي، ومساعي حكومته لتثبيت الاستقرار الأمني والسياسي، معتبراً أن هناك تقاطعاً بين توجهات الحكومة، والضغوط الدولية الرامية إلى إنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة.

تحديات التنفيذ

ورغم أهمية الإعلانات السياسية، يرى الجبوري أن التحدي الحقيقي يكمن في "آليات التنفيذ على الأرض"، متسائلاً عن الجهة التي ستتولى استلام الأسلحة وطبيعة هذه الأسلحة، وما إذا كانت عملية التسليم ستشمل جميع الأصناف الثقيلة والمتوسطة والخفيفة.

وأشار إلى أن العراق يواجه معضلة إضافية تتمثل في الانتشار الواسع للسلاح بين المواطنين والعشائر، حيث تقدر أعداد قطع السلاح المتداولة بملايين القطع، الأمر الذي يجعل عملية ضبط السلاح أكثر تعقيداً من مجرد تسلم أسلحة الفصائل المسلحة.

كما لفت إلى أن نجاح العملية يعتمد بدرجة كبيرة على بناء الثقة بين الأطراف المختلفة، وتوفير ضمانات تمنع إعادة التسلح أو الالتفاف على الإجراءات الحكومية، من خلال الحصول على أسلحة جديدة من الأسواق المحلية.

مشاريع "تتجاوز حدود العراق"

ويعتقد الجبوري أن أبرز العقبات قد تتمثل في الفصائل التي لا تزال تعلن رفضها لفكرة تسليم السلاح أو تحتفظ بj"علاقات وثيقة مع أطراف إقليمية"، مشيراً إلى أن بعض هذه الفصائل ترى أن سلاحها مرتبط بمشاريع وأدوار "تتجاوز الحدود العراقية".

وأوضح أن استمرار وجود مواقف متباينة داخل الفصائل المسلحة يضع الحكومة أمام "تحد سياسي وأمني معقد"، خاصة في ظل التوازنات القائمة بين الضغوط الدولية والتأثيرات الإقليمية داخل الساحة العراقية.

كما أثار تساؤلات بشأن مستقبل عشرات الآلاف من المنتسبين المنضوين ضمن الفصائل المختلفة، وما إذا كانوا سيلتحقون بالمؤسسات العسكرية والأمنية، أو سيتم إيجاد صيغ تنظيمية وإدارية أخرى لاستيعابهم، معتبراً أن الملف لا يزال في بداياته، وأن المعالجات النظرية وحدها لن تكون كافية لإنجاحه.

إلزام القوى السياسية بحصر السلاح 

بدوره، يرى الخبير الاستراتيجي أمير الساعدي، أن مبادرة "سرايا السلام" قد تمثل "نقطة انطلاق فعلية لتحفيز بقية الفصائل المسلحة المرتبطة بقوى سياسية على السير في الاتجاه نفسه".

وقال الساعدي لـ"الشرق"، إن "القوى السياسية التي تمتلك أجنحة مسلحة، سبق أن صوتت على البرنامج الحكومي الذي تضمن بشكل واضح إصلاح المنظومة الأمنية وحصر السلاح بيد الدولة، ما يجعلها ملزمة سياسياً وقانونياً بدعم هذا التوجه".

وأضاف أن "مسألة حصر السلاح لم تعد مجرد دعوات أو مطالب سياسية، بل أصبحت جزءاً من الالتزامات الحكومية التي وافقت عليها القوى المشاركة في العملية السياسية، الأمر الذي يضع جميع الأطراف أمام مسؤولية تنفيذية وقانونية مباشرة".

وأشار إلى أن "التيار الصدري"، ورغم عدم مشاركته في الحكومة الحالية أو امتلاكه تمثيلاً نيابياً مؤثراً، اختار "دعم مشروع الدولة من خلال هذه المبادرة"، وهو ما يمنحها "زخماً إضافياً"، ويفتح الباب أمام بقية الفصائل لاتخاذ خطوات مماثلة.

تجارب دولية

ولفت الساعدي إلى أن العديد من الدول نجحت في معالجة ملفات مشابهة، من خلال دمج الجماعات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، مستشهداً بتجارب إيرلندا الشمالية ورواندا وكولومبيا.

وبحسب الساعدي، فإن تلك الدول تمكنت من تطوير نماذج تتناسب مع ظروفها الاجتماعية والسياسية والدستورية، ما سمح بتحويل الجماعات المسلحة إلى جزء من مؤسسات الدولة الأمنية أو المدنية، مع الحفاظ على الاستقرار ومنع العودة إلى العنف.

ويرى أن العراق قادر على الاستفادة من هذه التجارب، شريطة وجود إرادة سياسية موحدة، وخطة متكاملة تأخذ في الاعتبار الخصوصية العراقية وتعقيدات المشهد الأمني والسياسي.

ويمثل ملف حصر السلاح أحد أكثر الملفات حساسية في العراق خلال المرحلة الحالية، إذ يتقاطع فيه الأمن بالسياسة، والداخل بالخارج، والدولة بالفصائل المسلحة.

وبينما تبدو مبادرات بعض القوى المسلحة مؤشراً على وجود تحول في المزاج السياسي العام باتجاه تعزيز سلطة الدولة، فإن نجاح المشروع سيبقى مرهوناً بقدرة الحكومة على الانتقال من مرحلة البيانات والإعلانات إلى مرحلة التنفيذ العملي.

تصنيفات

قصص قد تهمك