
تثير موجات الحر الشديدة التي تضرب فرنسا هذا الصيف، مخاوف متزايدة بشأن قدرة البنية التحتية للطاقة النووية في البلاد على الصمود في قارة تُعد الأسرع ارتفاعاً في درجات الحرارة على مستوى العالم، وفق مجلة "بوليتيكو".
وأجبرت درجات الحرارة المرتفعة التي شهدتها فرنسا، الاثنين، شركة الكهرباء الفرنسية EDF على إيقاف ثلاثة من أصل 57 مفاعلاً نووياً في البلاد، إلى جانب خفض إنتاج سبعة مفاعلات أخرى، وفق بيان صادر عن الشركة المملوكة للدولة.
درجات حرارة قياسية
وعندما سجلت درجات الحرارة مستويات قياسية الشهر الماضي، خرجت ثلاثة مفاعلات عن الخدمة، فيما خُفِّض إنتاج خمسة أخرى، ما أدى إلى تراجع إنتاج الكهرباء بنسبة 8.7%، فيما أدى فيه الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف إلى زيادة الطلب على الكهرباء.
ولم يؤد أي من عمليات الإغلاق إلى انقطاع التيار الكهربائي، ما يعني أن البلاد لا تزال بعيدة عن سيناريو يؤدي فيه توقف المفاعلات إلى إغراق السكان في الظلام.
لكن الطلب على الكهرباء الفرنسية الرخيصة والخالية من الانبعاثات الكربونية، مرشح للارتفاع بشكل كبير. ففي السنوات الأخيرة، سعت باريس إلى استغلال وفرة إنتاجها من الطاقة النووية لاستقطاب صناعات واعدة وكثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، أملاً في أن تسهم الاستثمارات الجديدة في هذه القطاعات في إنعاش اقتصاد يعاني تباطؤاً.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة الكهرباء الفرنسية، برنار فونتانا، في وقت سابق من الشهر الجاري: "يجب أن يتمتع مواطنونا بثقة كاملة في قدرتنا على الإنتاج حتى في ظل هذه الظروف".
انقسامات سياسية
وعلى الصعيد السياسي، ظهرت الانقسامات كما كان متوقعاً. فقد أعرب مؤيدو الطاقة النووية، مثل وزيرة الطاقة مود بريجون، وعضو البرلمان الأوروبي البارز كريستوف جرودلر، عن ثقتهم في قدرة المحطات النووية في أنحاء البلاد على الصمود.
وقالت بريجون، التي تشغل أيضاً منصب المتحدثة باسم الحكومة، في مقابلة مع إذاعة RTL، الاثنين: "ما نعيشه أمر اعتيادي. ففي كل عام، تواجه المحطات النووية خفضاً في الإنتاج عندما تتجاوز درجات الحرارة مستوى معيناً".
في المقابل، شكك معارضو الطاقة النووية، ومن بينهم حزب "فرنسا الأبية" اليساري الراديكالي، في استدامة الاعتماد الواسع عليها، علماً بأن الطاقة النووية توفر نحو 60% من احتياجات فرنسا من الكهرباء.
وقال النائب البارز في الحزب، مانويل بومبار، الاثنين: "الوضع الذي نعيشه اليوم يجب أن يفتح أعيننا جميعاً. فالطاقة النووية ليست قادرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ". وفي غضون ذلك، لا يزال المحللون ينظرون بتفاؤل إلى رهان فرنسا الكبير على الطاقة النووية.
وقال فوك-فينه نجوين، رئيس مركز الطاقة في معهد جاك ديلور: "تمتلك فرنسا فائضاً من الكهرباء منخفضة الانبعاثات الكربونية يمكن لمراكز البيانات استيعاب جزء منه بالفعل. لكن من الصعب للغاية التنبؤ بدقة بحجم الكهرباء الذي ستحتاج إليه مراكز البيانات مستقبلاً".
وأضاف: "ومع ذلك، وحتى إذا زادت حالات التوقف بسبب موجات الحر، فمن المرجح ألا تواجه البلاد مشكلات، طالما سُمح لأسطول المفاعلات النووية الحالي بتمديد عمره التشغيلي".
أنهار أكثر دفئاً
وتؤثر درجات الحرارة المرتفعة في محطات الطاقة النووية، إذ أنها تعتمد على مياه الأنهار والبحار لتبريد المفاعلات، قبل إعادة تصريف المياه بعد ارتفاع حرارتها. وخلال موجات الحر تصبح المياه أكثر دفئاً وأقل وفرة، ما يعقد عمليات إنتاج الكهرباء.
وفي الصيف الماضي، اضطرت محطة جرافلين في شمال فرنسا، إلى إيقاف تشغيل أربعة مفاعلات بسبب اجتياح قناديل البحر، المرتبط بتغير المناخ، بالقرب من موقع سحب مياه البحر. ولتفادي تكرار المشكلة هذا الصيف، ركبت شركة الكهرباء الفرنسية كاميرات مراقبة وأبقت قوارب صيد جاهزة للتدخل عند الحاجة.
وطالت جميع عمليات الإغلاق التي شهدها هذا الصيف محطات تقع على ضفاف الأنهار، وجاءت بهدف حماية الحياة المائية والتنوع البيولوجي من مخاطر تصريف المياه شديدة السخونة، وليس نتيجة مشكلات في المفاعلات نفسها.
وتخطط شركة الكهرباء الفرنسية لاستثمار 8.7 مليار يورو بين الآن وعام 2040 لتكييف مفاعلاتها النووية مع ارتفاع درجات الحرارة في فرنسا، بما في ذلك توسيع استخدام ما يُعرف بـ"أبراج التبريد".
وأُنشئت أول هذه الأبراج بالقرب من مدينة بواتييه، في محطة سيفو النووية الواقعة على نهر فيين، حيث أسهم انخفاض منسوب المياه تاريخياً في تفاقم المشكلات المرتبطة بالمناخ. وتستخدم هذه الأبراج مراوح لتبريد المياه بمقدار يتراوح بين ثلاث وسبع درجات مئوية قبل إعادة ضخها في النهر.
وقالت شركة الكهرباء الفرنسية في بيان لـ"بوليتيكو": "تستبق الشركة تأثيرات تغير المناخ على منشآتها من خلال نماذج تفصيلية تمتد حتى نهاية القرن".
التوسع في الطاقة النووية
تجري حالياً أعمال بناء ستة مفاعلات جديدة، يُتوقع أن تتجاوز تكلفتها 80 مليار يورو، فيما يُنتظر أن تحسم الحكومة، بحلول نهاية العام، قرارها بشأن تشييد ثمانية مفاعلات إضافية.
ولتقليل مخاطر المعارضة المحلية، تعتزم السلطات إقامة أي مفاعلات جديدة بجوار المحطات القائمة. ومن بين المفاعلات الستة الجاري بناؤها، يقع أربعة منها في موقعين ساحليين. ومن المرجح أن يؤدي تغير المناخ دوراً حاسماً في اختيار مواقع المحطات المستقبلية.
وأكد مسؤول فرنسي رفيع، طلب عدم كشف هويته، بسبب سرية إجراءات الاختيار التي يُفترض أن تُستكمل بحلول نهاية العام، أن "قضية المياه تُعد أحد العوامل الرئيسية في تحديد المواقع التي سيجري اختيارها".
واتفق جرودلر، الذي يترأس مجموعة من النواب من أحزاب مختلفة المؤيدين للطاقة النووية في البرلمان الأوروبي، مع هذا الطرح.
وقال: "من المؤكد أن تغير المناخ يؤخذ في الاعتبار عند تحديد مواقع المحطات الجديدة. فإذا استثمرت 13 مليار يورو في موقع، ثم أصبح غير صالح في اليوم التالي بسبب عدم توافر مياه كافية لتبريد قلب المفاعل، فلن يكون ذلك استثماراً سليماً".
وأعربت وزيرة الطاقة السابقة، أنييس بانييه روناشيه، التي شاركت في وضع سياسة الرئيس إيمانويل ماكرون للطاقة النووية خلال ولايته الثانية، عن ثقتها في قدرة الحكومة على إيجاد عدد كافٍ من المواقع المناسبة لمحطات نووية جديدة، حتى وإن كان ذلك "لن يحدث بين عشية وضحاها".
وقالت: "صُممت محطات الطاقة النووية مع التركيز بصورة كبيرة على معايير السلامة والأمن، وهي في الواقع أكثر متانة بكثير من كثير من المنشآت الأخرى في منظومة الطاقة لدينا"، مشيرة إلى التحديات التي تواجه شبكة الكهرباء.
وأضافت: "بالطبع يجب إدراج هذه المسألة ضمن أولويات العمل، لكنها لا تمثل تحدياً محورياً على المسار الحرج لبناء محطات الطاقة النووية".











