
عقّدت موجة من "الحماسة القومية" في إيران مهمة دبلوماسيي طهران، إذ تدفعهم إلى عدم قبول الشروط الأميركية لإنهاء القتال بشكل دائم، ما يعقد فرص تخفيف العقوبات الذي يزداد احتياج الاقتصاد الإيراني إليه، بحسب "وول ستريت جورنال".
وكان النظام الإيراني، الذي هزّته احتجاجات اندلعت مطلع العام الجاري ولا يزال يواجه تراجعاً حاداً في شعبيته لدى شريحة واسعة من الإيرانيين، قد أجج المشاعر الوطنية لحشد التأييد خلال أيام الحرب، ثم عزّزها خلال مراسم تشييع ودفن علي خامنئي التي أُقيمت مؤخراً.
واليوم، يستثمر نواب متشددون ووسائل إعلام وفصائل متشددة أخرى، تلك المشاعر لتقييد هامش حركة المفاوضين الإيرانيين، والحد من قدرتهم على إبرام اتفاقات مع الولايات المتحدة، بحسب الصحيفة.
ويسهم هذا الواقع في تعثر الجهود الأميركية لإعادة فتح مضيق هرمز، وهو الهدف الأكثر إلحاحاً في "مذكرة التفاهم" الأولية لإنهاء الحرب، التي وقعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل نحو شهر، ويرى منتقدون قوميون أنها "تفرّط في مصالح إيران".
وكانت إيران قد وافقت على إعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة خلال 30 يوماً، لكنها واصلت إطلاق النار على السفن لتؤكد مزاعم المتشددين بأن طهران تفرض سيطرتها على هذا الممر المائي.
وزاد الجمود تعقيداً بعدما أعلن ترمب، الاثنين، إعادة فرض الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، أملاً في دفع النظام إلى إعادة فتح المضيق. وفي غضون ذلك، شنت فيه الولايات المتحدة ضربات ضد إيران لليلة الثالثة على التوالي.
كما انهارت محاولات بذلتها الولايات المتحدة وقطر، التي تتوسط بين الطرفين، خلال عطلة نهاية الأسبوع لاستئناف المحادثات ودفع الاتفاق المرحلي قدماً، بعدما استأنف الحرس الثوري الإيراني هجماته وأعلن إغلاق مضيق هرمز.
مضيق هرمز
وقال النائب الإيراني محمود نبويان، وهو عضو سابق في فريق التفاوض، السبت، إن مطلب التفاوض بشأن الإدارة المستقبلية لمضيق هرمز يمثل "نقطة ضعف واضحة وصارخة" في الاتفاق.
واعتبر أن الحرس الثوري الإيراني، سيعمل على "تأكيد حق الأمة الإيرانية في مضيق هرمز وفرض سيطرة حصرية عليه مهما كانت الظروف".
ويرى محللون، وفق "وول ستريت جورنال"، أن الحرس الثوري الإيراني، "يشجع هذه المشاعر بهدف الاحتفاظ بالسيطرة على المضيق وتعزيز موقعه داخلياً".
وقال مصطفى باكزاد، وهو مستشار للشركات الأجنبية في شؤون الجغرافيا السياسية الإيرانية للصحيفة، إن "الحرس الثوري يرى أنه ما دام يسيطر على هرمز، فسيظل صاحب القرار سواء في مواجهة الولايات المتحدة أو على الساحة الداخلية".
وأضاف: "يأمل الحرس الثوري أن تدفع المخاوف من هجوم أجنبي بعض الإيرانيين إلى الاصطفاف خلفه. فالقومية شعور مؤقت يسهل التمسك به".
ضغوط المتشددين على المفاوضين
ويقول مسؤولون أميركيون ووسطاء، إن أي محاولة من الدبلوماسيين الإيرانيين للتوصل إلى تفاهم بشأن إدارة المضيق "تُواجه بعرقلة من المتشددين". كما أبلغ دبلوماسيون إيرانيون الوسطاء أنهم يرغبون في التوصل إلى تسوية، "لكنهم مكبلون بالضغوط الداخلية"، حسبما ذكرت "وول ستريت جورنال".
ولا تقتصر الضغوط على دوائر السلطة، بل تمتد أيضاً إلى الشارع. ففي مراسم دفن خامنئي التي نظمها النظام الإيراني، الأسبوع الماضي، رفعت حشود كبيرة لافتات ضخمة كُتب عليها "اقتلوا ترمب". كما استُقبل الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، المحسوب على المعتدلين، بهتافات من بينها "الموت للمطبعين" و"الموت للخونة".
وتعرض وزير الخارجية عباس عراقجي لملاحقة من حشد كان يرفع رايات حمراء، في إشارة إلى الثأر، ووصفه بأنه "عديم الشرف"، قبل أن يُقذف بجسم مجهول. وأدانت متحدثة باسم الحكومة لاحقاً، مجموعة رددت شعارات انقسامية استهدفت الرئيس وفريق التفاوض.
وقبل ذلك بأيام، قطعت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية، التي يهيمن عليها المتشددون منذ سنوات، البث فجأة عن كبير المفاوضين ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، بينما كان يحاول الإشارة إلى أن "رئيساً إيرانياً متشدداً سابقاً أجرى أيضاً محادثات مع الولايات المتحدة".
دعوات الثأر لخامنئي
كما أطلقت جنازة خامنئي موجة جديدة من الدعوات للثأر لاغتياله، ليس فقط عبر التحرك العسكري ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بل أيضاً بملاحقة الأشخاص المسؤولين عن العملية. وكان خامنئي وعدد من أفراد عائلته قد قُتلوا في ضربة جوية إسرائيلية شكلت الشرارة الأولى للحرب.
وقال عباس مقتدائي، نائب رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، الاثنين، إن إيران تمتلك الحق والقدرة على ملاحقة الأفراد والجهات التي أمرت أو خططت لتلك الهجمات.
ونشرت صحيفة "همشهري"، التابعة لبلدية طهران التي يهيمن عليها المتشددون، صوراً على هيئة ملصقات مطلوبين تضمنت ترمب ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيجسيث، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعدداً من القادة الأوروبيين.
كما انضم مجتبى خامنئي، نجل المرشد السابق، الذي تولى المنصب بعد اغتيال والده لكنه غاب عن مراسم تشييعه، إلى "الدعوات المطالبة بالانتقام".
وقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، السبت: "لدينا قائمة بالمجرمين الذين اغتالوا قائدنا وشعبنا في الحربين الأخيرتين. ولن تكون نهاية هؤلاء المجرمين والقتلة موتاً طبيعياً على أسرتهم".
واستفاد الحرس الثوري وحلفاؤه من الغياب العلني لمجتبى خامنئي، وكذلك من موقفه المتردد إزاء المفاوضات. فقد أعلن المرشد الجديد أنه لا يؤيد إجراء محادثات مع الولايات المتحدة، لكنه سمح باستمرارها طالما يتحمل الرئيس بيزشكيان مسؤولية نتائجها.
وقال بهنام بن طالبلو، المدير الأول لبرنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات للصحيفة: "أرسل مجتبى إشارة إلى الدبلوماسيين الإيرانيين بأنه يمكنهم المحاولة، لكن هذه الجهود لن تؤدي إلى نتيجة".
وأضاف: "إنه يضيّق الخناق على المفاوضين عبر تصريحات توحي بأن طريق البقاء يمر عبر التصعيد لا عبر الانخراط في الحوار".
تحولات سياسية من المعارضة إلى التأييد
ويرى محللون أن الحملة الدعائية تهدف إلى توسيع قاعدة الدعم الشعبي للنظام خارج الأوساط الدينية المحافظة، عبر تخفيف التركيز على القيود الأخلاقية الصارمة واستثمار موجة الوطنية المتصاعدة لدى شرائح من الإيرانيين الغاضبين من الهجمات الأميركية والإسرائيلية خلال الحرب. وغالباً ما تظهر النساء في أدوار لم يكن رجال الدين ليسمحوا بها في السابق.
وفي مقطع مصور نُشر في منتصف يونيو، عرض الإعلام الرسمي أحد عناصر الحرس الثوري وهو يعلّم نساء يضعن مساحيق تجميل بارزة كيفية استخدام بنادق من طراز AK-47.
وفي أواخر مايو، نشرت وكالة "دفاع" للأنباء التابعة لوزارة الدفاع الإيرانية، صوراً لضابطة ترتدي الزي العسكري الكامل خلال اجتماع لمستشارين عسكريين ناقشوا توسيع رقعة الحرب إلى ما بعد الشرق الأوسط.
وقالت معلمة تبلغ من العمر 40 عاماً، كانت قد شاركت في احتجاجات مناهضة للحجاب في عام 2022 وتخلت لاحقاً عن ارتداء الحجاب، للصحيفة، إنها شاركت مؤخراً في تجمع مؤيد للنظام في طهران.
وأضافت: "رأيت كثيراً من الفتيات بملابس كانت الحكومة تعاقب عليها سابقاً، بلا حجاب، ويرتدين البلوزات والسراويل، مع أظافر مطلية بعناية". وأوضحت أنهن كنّ يلوحن بالأعلام الإيرانية.
وأضافت أن هؤلاء النسوة كن برفقة طلاب جامعيين يحمل بعضهم وشوماً ويرتدون قمصاناً غربية الطابع، وهي ممارسات طالما رفضها النظام، وكانوا يهتفون: "نحن جنود السيد مجتبى"، مستخدمين لقباً تشريفياً.
وفي الأسبوع الماضي، نشر رائد أعمال يبلغ من العمر 34 عاماً ويقيم في طهران، وكان معارضاً للنظام لفترة طويلة، صورة له مرتدياً الزي العسكري بفخر بعد انضمامه إلى الجيش.
وكان قد تعرض لضرب مبرح على أيدي قوات الأمن خلال احتجاجات عام 2022، لدرجة أنه عجز عن الحركة لأيام، كما تعرض للغاز المسيل للدموع خلال احتجاجات يناير، وكان يأمل أن تؤدي الحرب إلى إسقاط النظام.
لكنه غيّر موقفه بعدما دُمر منزل عمه في طهران خلال الأيام الأولى للحرب، وبعدما هرع للاطمئنان على صديقته السابقة التي كانت تعمل في وزارة مدنية تقع بالقرب من أحد المواقع المستهدفة، وقد نجت من الهجوم. وقال: "كانت أميركا تتذرع بدعم حقوق الإنسان". وأضاف: "ثم قالت إن ما سيُدمر هو حضارة كاملة، وليس مجرد نظام".
ودخل النظام الإيراني الحرب وهو في موقع ضعيف. فقد تحولت الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر بفعل تفاقم الأزمة الاقتصادية إلى دعوات لإسقاط النظام، فيما أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار أن نسبة مؤيدي حكم رجال الدين لا تتجاوز 20% من الإيرانيين.
ولا يزال الاستياء من النظام متجذراً داخل المجتمع الإيراني. لكن النظام يستفيد حالياً من تنامي المشاعر القومية التي تجعل فكرة تقديم تنازلات للولايات المتحدة أكثر صعوبة.
وقال سينا طوسي، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني لدى مركز السياسات الدولية في واشنطن: "أسفرت الحرب عن نتيجة معاكسة لما كانت إسرائيل والولايات المتحدة على الأرجح تسعيان إليه. فبدلاً من التسبب في انهيار النظام أو حدوث انشقاقات واسعة، عززت الحرب الخطاب القومي للنظام ووسعت، ولو بصورة مؤقتة، قاعدته الاجتماعية".












