
بات آندي بيرنهام أقرب إلى أن يصبح رئيس الوزراء البريطاني التاسع والخمسين، بعدما أيد نواب حزب العمال توليه زعامة الحزب.
ولن يكون بيرنهام أول سياسي يحمل اسم "أندرو" يصل إلى مقر رئاسة الوزراء في داونينج ستريت، إذ سبقه أندرو بونار لو عام 1922، لكنه سيكون أول رئيس وزراء يُعرف باسم "آندي".
وتصف هيئة الإذاعة البريطانية BBC صورة بيرنهام السياسية ترتكز على الود وسهولة التواصل مع الناخبين. وقالت إن شعار حملته "صوّت لآندي" حقق نجاحات انتخابية متكررة على مدى السنوات.
وسيكون بيرنهام أيضاً أول رئيس وزراء يصف نفسه صراحة بأنه ابن شمال إنجلترا منذ عهد هارولد ويلسون في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. فرغم أن عدداً من رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا بعد ويلسون ينحدرون من شمال إنجلترا، فإن أياً منهم لم يجعل هذه الهوية محوراً رئيسياً لجاذبيته السياسية كما فعل بيرنهام.
"ملك الشمال"
بل إنه اكتسب لقب "ملك الشمال" بعد خطاب تحدٍ ألقاه في الهواء الطلق عام 2020، أعلن فيه أن منطقة مانشستر الكبرى لن تقبل فرض مزيد من قيود مكافحة جائحة "كوفيد-19".
لكن السياسي البالغ من العمر 56 عاماً بدأ مسيرته الطويلة باعتباره "نموذجاً تقليدياً" لسياسيي وستمنستر، ورغم أنه لم يمضِ على عودته إلى البرلمان هذه المرة سوى أقل من شهر، فإن صعوده إلى قمة السلطة هو ثمرة مسار استمر عقوداً، بحسب BBC.
وخاض سباق زعامة حزب العمال للمرة الأولى عام 2010، ثم حاول مجدداً عام 2015، لكنه حل ثانياً بفارق كبير خلف جيريمي كوربن.
وربما كان سيصبح مجرد هامش في التاريخ السياسي لولا رهانه عام 2017 على الترشح ليصبح أول عمدة منتخب لمنطقة مانشستر الكبرى.
وكان منصب العمدة الإقليمي آنذاك تجربة جديدة لم تُختبر بعد، لكن بيرنهام نجح في تحويله إلى منصة سياسية خاصة به، وبنى من خلالها نفوذاً واسعاً بعيداً عن سياسات وستمنستر المتمركزة في لندن، التي يعلن باستمرار ازدراءه لها.
مشجع لإيفرتون وعاشق لموسيقى الإندي
وُلد بيرنهام في مدينة ليفربول عام 1970، ونشأ في قرية كالتشيث التابعة لمقاطعة تشيشاير قرب وارينجتون.
وكان والده مهندساً في شركة BT، بينما عملت والدته موظفة استقبال في عيادة طبية، وكان كلاهما من المؤيدين المخلصين لحزب العمال، ما أسهم في تنامي اهتمامه المبكر بالسياسة.
وقال بيرنهام إنه انضم إلى حزب العمال في سن الـ14، بعدما تأثر بالمسلسل التلفزيوني Boys from the Blackstuff الذي عرضته BCC، والذي تناول حياة العاطلين عن العمل في ليفربول.
وبصفته مشجعاً لإيفرتون منذ طفولته، وصفه أصدقاؤه بأنه طفل تنافسي مولع بالرياضة، كما كان رامياً سريعاً في فريق لانكشاير المدرسي للكريكيت.
وفي المدرسة الثانوية الكاثوليكية التي التحق بها، تحدث مدرس اللغة الإنجليزية لـBBC عن ترشح بيرنهام ممثلاً لحزب العمال في انتخابات طلابية تجريبية، وفاز فيها بأغلبية ساحقة.
وكان بيرنهام وشقيقاه أول أفراد العائلة الذين التحقوا بالجامعة، حيث درس اللغة الإنجليزية في جامعة كامبريدج.
وفي كتابه "اتجه شمالاً" Head North، كتب بيرنهام أنه كان يجد صعوبة في الشعور بالانتماء داخل الجامعة، وكان يشعر وكأنه "دخيل". لكن محب الموسيقى، الذي يعشق فرق الإندي في مانشستر مثل The Smiths and The Stone Roses، قال إن "تنامي اهتمامه بموسيقى مانشستر منحه هوية وميزة".
مسيرة بيرنهام السياسية
بعد تخرجه، بدأ بيرنهام مسيرته المهنية في الصحافة، حيث عمل في مجلات متخصصة، بينها "تانك وورلد" و"باسنجر وورلد مانجمنت".
وفي أوائل العشرينيات من عمره، نال أول فرصة له في العمل السياسي عندما عمل باحثاً لدى النائبة الراحلة تيسا جويل، ممثلة دائرتي دولويتش ووست نوروود، والتي أصبحت لاحقاً وزيرة في حكومتي توني بلير وجوردون براون.
وسرعان ما صعّد بيرنهام في صفوف الحزب، فأصبح مستشاراً خاصاً لوزير الثقافة كريس سميث، قبل انتخابه نائباً عن دائرة لي، مسقط رأسه في مانشستر الكبرى، عام 2001.
وشغل بداية منصب وزير دولة في حكومة بلير، ثم انضم إلى حكومة براون وزيراً للخزانة، قبل أن يتولى لاحقاً حقيبتي الثقافة ثم الصحة.
وأثناء توليه منصب وزير الثقافة والإعلام والرياضة، تعرض بيرنهام لصيحات استهجان خلال مراسم إحياء الذكرى العشرين لكارثة ملعب هيلزبره. وكان 97 من مشجعي ليفربول قد لقوا حتفهم في حادث التدافع الذي وقع في ملعب الفريق عام 1989.
ودفعت تلك الواقعة بيرنهام إلى طرح القضية داخل مجلس الوزراء، وهو ما أسهم في إطلاق تحقيق ثانٍ بشأن الكارثة.
وفي عام 2010، وبعد استقالة جوردون براون إثر خسارة حزب العمال الانتخابات العامة، ترشح بيرنهام لزعامة الحزب.
وحل رابعاً بين خمسة مرشحين، بعدما خسر أمام إد ميليباند، لكنه أمضى السنوات الخمس التالية في تعزيز حضوره بين قواعد الحزب. وفي عام 2015، خاض السباق مجدداً، لكنه خسر هذه المرة أمام جيريمي كوربن.
ووصفه منتقدوه بأنه "دوارة رياح" تتغير مواقفه مع تغير اتجاهات السياسة بما يزيد فرص نجاحه.
وعمل بيرنهام في حكومة الظل التي شكلها كوربن وزيراً للداخلية، رغم اعتباره من الجناح الوسطي المائل إلى اليمين داخل الحزب، والمرتبط بإرث توني بلير.
ومع مرور الوقت، اتجهت مواقفه السياسية أكثر نحو اليسار، إذ أيّد إعادة تأميم قطاعي المياه والطاقة. ولم يكن من بين النواب الذين استقالوا احتجاجاً على قيادة كوربن للحزب عام 2016.
وبدلاً من ذلك، استقال عام 2017 ليخوض انتخابات أول عمدة منتخب لمنطقة مانشستر الكبرى. وفاز بأكثر من 60% من الأصوات، ثم أعيد انتخابه بفارق أكبر عام 2021.
موقف بيرنهام من حرب غزة
اعتذر بيرنهام عن الموقف الأوّلي لحزب العمال من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. وتعهد بانتهاج سياسة أكثر تشدداً تجاه الحكومة الإسرائيلية.
وقال بيرنهام في مقابلة مع صحيفة "جارديان" البريطانية، إنه سيفرض مزيداً من الضغوط على الحكومة الإسرائيلية، من خلال فرض عقوبات إضافية على أفراد وكيانات، ودراسة حظر تجارة السلع القادمة من "المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية".
وأضاف: "أعلم أن كثيرين يشعرون بأن حزبي لم يتصرف بالشكل الصحيح في بداية العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وأنا أعتذر عن ذلك. لقد كان ردنا في كثير من الأحيان غير كافٍ، وعلينا أن نقدم أداءً أفضل".
بيرنهام والولايات المتحدة
وفي ما يتعلق بالولايات المتحدة، قال بيرنهام إنه يعتزم التعامل مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بـ"صراحة"، معتمداً على شخصيته للحفاظ على استقرار العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة.
وفي مقابلة مع لاعب كرة القدم السابق والمذيع جاري لينيكر، قال بيرنهام إن "الأمر يتعلق باحترام المنصب والعلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة، لكن عندما تختلف معه، عليك أن تفعل ذلك بطريقة تراعي أسلوبه في التعامل".
وأضاف: "أعتقد أن لديّ شخصيتي، وسأتعامل معه بصراحة تامة، بالطريقة نفسها التي أعتقد أنه يفضل أن يتعامل بها الناس معه".
وفي يونيو الماضي، وصف ترمب بيرنهام بأنه "ليبرالي للغاية". وعند سؤاله عما يعرفه عن رئيس الوزراء المرتقب، قال: "لا أعرف عنه شيئاً. أرى أنه كان على ما أعتقد، رئيس بلدية مدينة ما. أسمع أنه ليبرالي للغاية، وهذا يعني على الأرجح أنه لن يفتح بحر الشمال".
ملف بريكست
وأرجأ الاتحاد الأوروبي قمة كانت مقررة مع بريطانيا لإعادة ضبط العلاقات بعد "بريكست"، بعدما خلص مسؤولون أوروبيون إلى أن آندي بيرنهام قد يكون مفاوضاً أكثر مرونة من رئيس الوزراء المستقيل كير ستارمر.
وقالت مصادر مقربة من فريق التفاوض في بروكسل لصحيفة "التليجراف"، في يونيو الماضي، إن بيرنهام يُنظر إليه على أنه أكثر استعداداً لتقديم تنازلات للاتحاد الأوروبي خلال المحادثات التي كان من المقرر عقدها في 22 يوليو المقبل.
وقال مصدر مطلع على المناقشات إن مسؤولي الاتحاد الأوروبي "يرون أنه (بيرنهام) من المرجح أن يكون أقل تشدداً في التفاوض".
نقل السلطات إلى الأقاليم
وتعهد بيرنهام بإجراء أكبر عملية على الإطلاق لـ"إعادة توزيع السلطة" بعيداً عن الحكومة المركزية في وايتهول، عبر منح أقاليم إنجلترا صلاحيات أوسع في مجالات، منها الإسكان والنقل، من خلال وحدة جديدة تابعة لرئاسة الوزراء مقرها مانشستر.
وستتولى هذه الوحدة العمل على تحقيق "مستويات معيشية متكافئة" في مختلف أنحاء بريطانيا، مستوحية هذا المفهوم من الدستور الألماني. كما تعهد بإتاحة فرص جديدة لتعميق ترتيبات نقل الصلاحيات القائمة في اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية، من خلال دفع السلطات إلى مستويات محلية أكثر.
وقالت BBC إن هذا الملف قد يشكل مجالاً يبني فيه على سياسات حكومة كير ستارمر، التي كانت تعمل على توسيع نظام العمد الإقليميين ليشمل مناطق إنجليزية خارج المراكز الحضرية الكبرى.
المياه والطاقة
وحول قطاعات المياه والطاقة، قال بيرنهام إنه يريد أن تخضع تلك القطاعات في جميع أنحاء بريطانيا لـ"قدر أكبر من الرقابة العامة".
واقترح تطبيق نموذج مماثل لشبكة الحافلات في مانشستر الكبرى، حيث تتنافس الشركات الخاصة على تشغيل الخدمات بنظام الامتياز، بينما تتولى السلطات المحلية تحديد الأسعار والجداول الزمنية وخطوط السير.
لكنه لم يوضح بعد كيف يمكن تطبيق نموذج مماثل عملياً على شركات المياه والطاقة، بحسب BBC.
وشدد بيرنهام على أن خططه لا تعني بالضرورة إعادة تأميم شركات المرافق بالكامل، وهي خطوة قد تكلف عشرات المليارات من الجنيهات الإسترلينية.














