
تولى الجنرال الأوكراني ميخايلو دراباتي قيادة القوات المسلحة الأوكرانية في واحدة من أصعب المهام العسكرية في أوروبا، بعدما عيّنه الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائداً عاماً للقوات المسلحة خلفاً لأولكسندر سيرسكي، في خضم الحرب المستمرة مع روسيا، وبعد احتجاجات طالبت بإحداث تغيير في القيادة العسكرية وتبنّي نهج أكثر اعتماداً على التكنولوجيا.
ويبلغ دراباتي من العمر 43 عاماً، ويُعد من أصغر القادة العسكريين الذين تولوا هذا المنصب، بعدما تدرج في صفوف الجيش خلال أكثر من 12 عاماً، وصولاً إلى قيادة المؤسسة العسكرية في مرحلة توصف بأنها مفصلية بالنسبة لأوكرانيا، بحسب بلومبرغ.
وجاء تعيينه بعد أن رضخ زيلينسكي لضغوط الاحتجاجات التي شهدتها كييف ومدن أوكرانية أخرى، وطالبت بإبعاد ما وصفه المحتجون بـ"الحرس البيروقراطي القديم" داخل الجيش.
وكان محور الأزمة يتمثل في الصراع بين القائد العام السابق أولكسندر سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف، البالغ من العمر 35 عاماً، والذي ارتبط اسمه ببرنامج أوكرانيا المتطور للطائرات المسيّرة.
وبعد أن أقال زيلينسكي فيدوروف أولاً في محاولة لاحتواء الأزمة، عاد هذا الأسبوع وأقال سيرسكي استجابة للمطالب الشعبية، ليتولى دراباتي قيادة الجيش.
صعود برز في ماريوبول
برز اسم دراباتي لدى الأوكرانيين عام 2014 عندما قاد رتلاً من المدرعات لاختراق حاجز أقامته قوات مدعومة من الكرملين في مدينة ماريوبول، خلال التمرد الانفصالي الذي دعمته روسيا في شرق أوكرانيا.
وكان حينها قائداً لكتيبة أُرسلت من كييف لصد التوغل. وفي مقابلة أجراها عام 2023 مع قناة Ukraїner W على "يوتيوب"، ونُشرت كاملة هذا الأسبوع، روى أنه عندما تردد السائق أمام الحاجز وسأله ماذا يفعل، أجابه: "اضغط على دواسة الوقود".
وسرعان ما انتشر مقطع الفيديو للحادثة، وأظهر المدرعة وهي ترتفع عن الأرض للحظات بعد اختراق الحاجز بسرعة كبيرة، قبل أن تواصل طريقها.
واستولت القوات الروسية لاحقاً على ماريوبول خلال الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022، وكان دراباتي حينها جنرالاً يقود القوات على الجبهة الجنوبية.
تحمل المسؤولية عن خسائر الجنود
في عام 2024، عُين دراباتي قائداً للقوات البرية، وهو ثالث أعلى منصب عسكري في أوكرانيا
لكنه استقال في يونيو 2025 بعد سقوط 12 جندياً وإصابة 60 آخرين في ضربة صاروخية روسية استهدفت مركز تدريب عسكري، معلناً تحمله المسؤولية عن الخسائر.
وقبل زيلينسكي استقالته، لكنه أعاد تعيينه قائداً للقوات المشتركة، مؤكداً تمسكه ببقائه ضمن القيادة العسكرية.
وقال دراباتي حينها عبر "تيليجرام": "يجب أن نغيّر الثقافة داخل الجيش، بحيث تصبح حياة كل جندي أوكراني حمل السلاح للدفاع عن بلاده ذات قيمة حقيقية."
وظل هذا المبدأ حاضراً في مسيرته العسكرية، في وقت يزداد فيه الإرهاق داخل المجتمع الأوكراني مع دخول الحرب عامها الخامس، ووسط معارضة متزايدة لتوسيع التعبئة العسكرية.
ويحاول كثير من الرجال تجنب الخدمة العسكرية، بينما غادر مئات الآلاف البلاد، كما أصبحت المواجهات بين المطلوبين للتجنيد وضباط التجنيد أكثر شيوعاً، ووصل بعضها إلى العنف.
وقال دراباتي في المقابلة ذاتها: "حياة الإنسان هي أعلى قيمة. المعدات يمكن استبدالها، أما البشر فلا".
رمز للتغيير داخل الجيش
بعد أن وقف زيلينسكي إلى جانب سيرسكي وأقال فيدوروف في محاولة لإنهاء الخلاف بينهما حول الإصلاحات والاستراتيجية، أوضح المحتجون، ومعهم قطاع واسع من الضباط الأصغر سناً، أنهم يريدون مساراً مختلفاً.
ولم يطالب المتظاهرون بإعادة فيدوروف إلى منصبه فقط، بل دعوا أيضاً إلى ترقية دراباتي إلى قيادة الجيش.
وبالنسبة لهم، كان سيرسكي، الذي يتم عامه الحادي والستين، يجسد أسلوباً في الحرب يعتمد بصورة مفرطة على هجمات المشاة التي تتسبب بخسائر بشرية كبيرة، وهو الأسلوب المعروف باسم "مفرمة اللحم"، والذي يرتبط غالباً بالعقيدة العسكرية الروسية.
وتعزز هذا الجدل الشهر الماضي بعد نشر صحافيين أوكرانيين تحقيقاً عن وحدة عسكرية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسيرسكي، تضمن مزاعم بارتكاب تجاوزات بحق المجندين على يد بعض القادة، بينما نفت الوحدة تلك الاتهامات.
التكنولوجيا والتكيف
وقال بافلو يليزاروف، نائب قائد القوات الجوية الأوكرانية حالياً، والذي التقى دراباتي لأول مرة في منطقة خيرسون خلال ربيع 2023 أثناء دعمه التوسع في استخدام الطائرات المسيّرة، إن أكثر ما لفت انتباهه هو قدرة دراباتي على التكيف.
وأضاف: "جاء من خلفية عسكرية تقليدية ولم يكن يعرف الكثير عن الطائرات المسيّرة في البداية، لكنه أدرك مزاياها بسرعة".
وأشار إلى أنه يكن احتراماً لسيرسكي، لكنه يرى أن أكبر نقاط قوة دراباتي تكمن في قدرته على مواكبة الطبيعة المتغيرة للحرب.
وعندما طُلب منه مقارنة القائدين، قال: "إنهما مختلفان تماماً.. كالماء والزيت."
كما حظي طرح فيدوروف، القائم على الاعتماد على التكنولوجيا لمعادلة التفوق العددي الروسي والحفاظ على حياة الجنود، بتأييد واسع داخل أوكرانيا، خاصة مع نجاح هجمات الطائرات المسيّرة في استهداف خطوط الإمداد الروسية داخل الجبهة وعمق الأراضي الروسية، وهو ما رفع معنويات الجيش والرأي العام.
وقال مدير معهد "بنتا" للأبحاث في كييف فولوديمير فيسينكو: "كان فيدوروف هو من طرح اسم دراباتي في النقاش العام، وأشار إلى أن لديه حليفاً داخل الجيش وبديلاً موثوقاً لسيرسكي، ما جعل دراباتي خياراً مقبولاً ورمزياً بالنسبة للمحتجين."
تحديات المرحلة المقبلة
ووصف فيدوروف تعيين دراباتي قائداً للجيش بأنه "نسمة هواء جديدة" و"أمل جديد" للمؤسسة العسكرية في الحرب، مؤكداً في الوقت نفسه مطالبته بالعودة إلى منصب وزير الدفاع، رغم استمرار رفض زيلينسكي لذلك حتى الآن.
وقال فيدوروف إن هناك 3 مناصب فقط ترسم فعلياً مسار الحرب إلى جانب القوات على الجبهة، وهي: الرئيس ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة.
وفي مقابلته عام 2023، قال دراباتي إن الحرب أفرزت جيلاً جديداً من القادة، وإن الجيش الأوكراني يتخلص تدريجياً من العقلية السوفيتية السابقة.
وأضاف: "لكن، إذا أردنا الصراحة، فما زال كثيرون لم يتخلصوا منها بعد".
ويواجه القائد الجديد الآن مهمة مواصلة تحديث الاستراتيجية العسكرية الأوكرانية، بما يشمل توسيع الاعتماد على التكنولوجيا، بالتوازي مع إدارة المعارك اليومية لصد القوات الروسية.
واختتم دراباتي حديثه قائلاً: "أي شيء أفعله في حياتي أحرص على أن أفعله بالشكل الصحيح.. أفعله بمسؤولية حتى لا أخجل أبداً من النتيجة".











