
يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيارات الرد على الهجوم الصاروخي الإيراني المفاجئ الذي استهدف القوات الأميركية، في وقت برزت خطة أعدها قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، لتنفيذ حملة جوية مكثفة ضد إيران قد تستمر من 10 إلى 14 يوماً، بهدف إضعاف قدرات طهران الصاروخية بشكل كبير، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".
وجاءت مناقشة الخطة خلال اجتماع غير معلن عُقد الأسبوع الماضي على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان"، أثناء وجود ترمب في ولاية ديلاوير لحضور مراسم استقبال جثامين أربعة جنود أميركيين سقطوا في الحرب مع إيران.
وضم الاجتماع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، ووزير الحرب بيت هيجسيث، إضافة إلى الأدميرال براد كوبر، الذي يقود العمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط من مقر القيادة المركزية في مدينة تامبا بولاية فلوريدا.
ورغم أن كوبر ظل بعيداً عن الأضواء مقارنة بكين وهيجسيث، اللذين يقدمان للرئيس إحاطات دورية في المكتب البيضاوي، فإنه هو من أعد الخيار العسكري الأوسع المطروح حالياً، بحسب ما نقلت الصحيفة عن أشخاص مطلعين على المناقشات.
ترمب يوازن بين التصعيد والدبلوماسية
وبحسب المصادر، يواجه ترمب خيارين رئيسيين، إما الموافقة على خطة كوبر التي تقضي بشن حملة جوية مكثفة تستمر ما بين 10 و14 يوماً لإضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية، رغم التحذيرات من تراجع مخزون الولايات المتحدة من ذخائر الدفاع الجوي، أو تنفيذ ضربة عسكرية محدودة تتيح استمرار المسار الدبلوماسي.
وأثار احتمال إطلاق حملة جديدة واسعة انتقادات داخل الكونجرس، حيث حذر معارضون من أن أي تصعيد إضافي قد يجر الإدارة الأميركية إلى حرب أوسع.
وخلال الأسابيع الماضية، تنقل ترمب بين محاولات دبلوماسية متقطعة وتهديدات بالعودة إلى العمليات العسكرية الكبرى التي ميزت بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.
وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية، الأربعاء، إن ترمب "في مزاج تصعيدي"، لكنه لا يزال يدرس "مدى عمق هذا الرد".
خطة "الضربة الكبرى"
وترتكز خطة كوبر على تجاوز سياسة الضربات المتبادلة التي لم تنجح، بحسب تقييمه، في ردع إيران عن تهديد الملاحة في مضيق هرمز أو استهداف القوات الأميركية بالصواريخ.
ويرى كوبر أن نجاح العمل العسكري يتطلب تكثيف الضربات الجوية بصورة كبيرة لإضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية وكسر حالة الجمود، وهو ما سيؤدي أيضاً إلى تقليل حاجة الولايات المتحدة لاستخدام صواريخها الاعتراضية، لأن إيران ستكون أقل قدرة على تنفيذ هجمات جديدة.
وتعد هذه الخطة واحدة من عدة خيارات عسكرية أعدها قائد القيادة المركزية، وفقا للصحيفة.
تحفظات داخل الجيش
في المقابل، يتبنى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين موقفاً أكثر حذراً، إذ يحذر باستمرار البيت الأبيض من "التداعيات الثانوية والثالثية" لأي عملية عسكرية واسعة.
وأبدى كين مخاوف بشأن تناقص مخزون الولايات المتحدة من صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية، التي تحتاجها واشنطن أيضاً لحماية قواعدها وحلفائها في مناطق أخرى من العالم، فضلاً عن التصدي للهجمات الإيرانية.
وبحسب المصادر، فإن كين لا يرى أن نقص المخزون يمنع استئناف العمليات العسكرية الكبرى ضد إيران، لكنه يرفع مستوى المخاطر.
ورفض المتحدثون باسم كين وكوبر التعليق على المناقشات الداخلية.
تنسيق أميركي إسرائيلي
وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع لقاء جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث، الأربعاء، عقب اجتماع نتنياهو مع ترمب بيوم واحد.
وقال مسؤولون إن القوات الإسرائيلية قد تشارك في أي هجوم أميركي واسع إذا قررت إدارة ترمب العودة إلى العمليات العسكرية الكبرى.
ولوّح ترمب، صباح الأربعاء، باستئناف الضربات، دون أن يكشف تفاصيلها، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام المفاوضات.
وقال الرئيس الأميركي في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز": "سنضربهم بقوة شديدة"، قبل أن يضيف: "سنتركهم يواصلون الحديث".
اختلاف الأولويات
وبصفته قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، تتمثل مهمة كوبر في إدارة الحرب مع إيران وحماية المصالح الأميركية في المنطقة، بينما ينظر كين إلى الصورة العسكرية العالمية، بما في ذلك التهديدات الصادرة عن الصين وكوريا الشمالية وروسيا، والتي تستنزف أيضاً الموارد العسكرية الأميركية.
وأشارت المصادر إلى أن كوبر يعاني منذ فترة من محدودية وصوله المباشر إلى الرئيس، إذ يتولى كين وهيجسيث معظم الإحاطات المقدمة لترمب بشأن الحرب، بينما لم يلتق كوبر بالرئيس سوى مرات قليلة منذ اندلاعها، وكان آخرها الاجتماع الذي عقد على متن "إير فورس وان".
وخلال الاجتماع، كانت عائلات الجنود الأميركيين الذين سقطوا في الشرق الأوسط موجودة أيضاً على متن الطائرة، بعدما شاركت في مراسم نقل الجثامين، فيما عرض ترمب على إحدى العائلات، القادمة من ولاية جورجيا، العودة معه على متن الطائرة الرئاسية.
وأكد المتحدث الرئيسي باسم وزارة الدفاع الأميركية شون بارنيل أن هيجسيث وكوبر وكين "متفقون بالكامل في المهمة والاستراتيجية والعزم فيما يتعلق بالعمليات الخارجية المرتبطة بإيران"، مضيفاً أن "وزارة الحرب في حالة جاهزية كاملة لتنفيذ توجيهات الرئيس في أي لحظة".
دروس الحرب الأولى
وتشير المصادر إلى أن كوبر كان يعتقد منذ البداية أن توجيه ضربة قاصمة لإيران يتطلب وقتاً كافياً، إذ قدّر عند بدء الحرب في فبراير أنه سيحتاج إلى ستة أسابيع أو أكثر لإنجاز المهمة، لكنه لم يحصل على هذه المدة.
وانطلقت الحملة الجوية الأميركية الإسرائيلية المشتركة في 28 فبراير، لكن ترمب بدأ يشعر بالإحباط بحلول نهاية مارس، بعدما أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز وشرعت في زرع ألغام بحرية، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط واضطرار الولايات المتحدة إلى السحب من احتياطياتها النفطية لاحتواء الأسعار.
وفي 31 مارس، قدّر كوبر أنه يحتاج إلى نحو 20 يوماً إضافياً لإنهاء المهمة، إلا أن إسقاط مقاتلة أميركية من طراز "إف-15 إي" فوق جنوب غرب إيران في 3 أبريل، وما تبعه من عملية إنقاذ عالية المخاطر، أسهما في دفع ترمب إلى إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار بعد أيام قليلة.
وبعد إعلان وقف إطلاق النار، قال هيجسيث إن برنامج الصواريخ الإيراني "دُمر عملياً"، وإن منصات الإطلاق والصواريخ "استُنزفت ودُمّرت". إلا أن أجهزة الاستخبارات الأميركية خلصت إلى أن القدرات الصاروخية الإيرانية لم تُدمر بالكامل.
وفي مقابلة مع شبكة "إن بي سي" مطلع يونيو، قال ترمب إن إيران ربما لا تزال تمتلك ما بين 21% و22% من ترسانتها الصاروخية، بينما قدّر محللون أن النسبة قد تكون أعلى من ذلك.
وفي حين أبلغ كين البيت الأبيض بمحدودية مخزون الصواريخ الاعتراضية الأميركية، رأى كوبر أن تكثيف الضربات الجوية سيؤدي إلى تقليص قدرة إيران على الرد، فيما يتضمن طرح كين إعادة توزيع منظومات الدفاع الجوي الأميركية في المنطقة لتعزيز حماية المواقع الحيوية.
ووفقاً للمصادر، يحظى خيار كوبر بدعم وزير الدفاع بيت هيجسيث.
تشكيك في جدوى التصعيد
في المقابل، يرى متشككون داخل الحكومة وخارجها أن الولايات المتحدة سبق أن استهدفت بقوة منشآت الصواريخ الإيرانية ومخابئها تحت الأرض خلال الأسابيع الأولى من الحرب، لكن إيران تمكنت من إعادة تشغيل منصات إطلاق الصواريخ من مجمعات تحت الأرض، مع اعتماد مسارات ومناورات جديدة للصواريخ، إضافة إلى تكثيف استخدام الطائرات المسيّرة لتجاوز الدفاعات الأميركية.
وظهرت هذه القدرات مجدداً في منتصف يوليو، عندما أدى هجوم صاروخي إيراني إلى مقتل ثلاثة جنود أميركيين في قاعدة عسكرية بالأردن، ثم في الهجوم المفاجئ الذي شنته إيران الثلاثاء على القوات الأميركية.
وأكدت القيادة المركزية الأميركية في بيان أن "جميع الصواريخ الإيرانية جرى اعتراضها بنجاح، وأن القوات الأميركية لا تزال في حالة يقظة وجاهزية عالية".









