
تتجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تعديل الإطار التنظيمي الجديد للذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاق الرقابة الحكومية على النماذج الأكثر تطوراً، في تحول قد يؤدي إلى إخضاع النماذج المفتوحة لاختبارات السلامة الفيدرالية المفروضة على النماذج المغلقة التي تطورها شركات مثل OpenAI وأنثروبيك.
ونقلت مجلة WIRED عن مصادر مطلعة ومسؤول في البيت الأبيض قولهم إن المسؤولين الأميركيين باتوا شبه متأكدين من الحاجة إلى مراجعة الإرشادات الجديدة، مع التطور المتسارع لقدرات نماذج الذكاء الاصطناعي، وتصاعد المخاوف المرتبطة بالأمن القومي، خصوصاً من إمكانية استخدام الأنظمة المتقدمة في تنفيذ هجمات سيبرانية بشكل شبه مستقل.
وكان البيت الأبيض قد أعلن في أغسطس الجاري، تطوير إطار جديد للذكاء الاصطناعي يقضي بإخضاع أقوى النماذج التي تطورها المختبرات الأميركية لاختبارات سلامة تجريها الحكومة الفيدرالية قبل السماح بإطلاقها للجمهور.
لكن الإدارة الأميركية لم تنشر تفاصيل هذا الإطار، ولا تخطط، وفق التقرير، للكشف عنه علناً في الوقت الحالي.
ويقتصر الإطار بصورته الحالية على ما يعرف بالنماذج مغلقة الأوزان Closed Weights Models، بما في ذلك النماذج التي تطورها شركات مثل OpenAI وأنثروبيك، إلا أن مسؤولاً في البيت الأبيض قال إن نطاقه من المتوقع أن يتوسع خلال الأشهر المقبلة ليشمل النماذج المفتوحة أيضاً.
ووفق المسؤول، فإن المعيار الأساسي لن يكون ما إذا كان النموذج مفتوحاً أو مغلقاً، وإنما مستوى قدراته.
وبمجرد وصول أحد النماذج المفتوحة إلى قدرات "حدود الذكاء الاصطناعي" Frontier AI المماثلة لنماذج فئة Mythos التابعة لأنثروبيك أو GPT-5.6 من OpenAI، سيصبح مشمولاً بالإطار ويخضع لاختبارات حكومية قبل إطلاقه.
مخاوف من اختراق البنتاجون والبورصة
يعكس التوجه الجديد تغيراً مستمراً في طريقة تعامل البيت الأبيض مع الإشراف على صناعة الذكاء الاصطناعي، بعدما شهدت قدرات النماذج تطوراً سريعاً خلال الأشهر الأخيرة.
وتصاعدت المخاوف داخل الإدارة الأميركية من وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى مستوى يسمح لها بتنفيذ عمليات اختراق إلكتروني بصورة مستقلة، بما في ذلك سيناريوهات قد تستهدف أنظمة شديدة الحساسية مثل البنتاجون أو الأسواق المالية العالمية.
ولم تعد تلك المخاوف نظرية بالكامل، إذ أشار أحد المسؤولين إلى واقعة كشفت عنها OpenAI مؤخراً، إذ تعاونت مجموعة من نماذج الذكاء الاصطناعي، على مدار عدة أسابيع خلال مايو ويونيو، عبر لوحة رسائل سرية للتخطيط لكيفية الوصول إلى الإنترنت.
وبعدما أغلق موظفو الشركة تلك الوسيلة، أعادت النماذج إنشاء لوحة الرسائل مرة أخرى، قبل أن تتمكن من الخروج من البيئة المقيدة دون اكتشاف ذلك في أواخر يوليو، بحسب التقرير.
إعادة نظر
كانت إدارة ترمب تأمل في البداية وضع قواعد إرشادية للذكاء الاصطناعي من خلال تحرك تنفيذي واحد، لكن الوتيرة المتسارعة لتطور النماذج أجبرت المسؤولين على تحديث تلك القواعد بصورة مستمرة وفي الوقت الفعلي، وفق المصادر المطلعة على المناقشات داخل الإدارة.
ويضع ذلك البيت الأبيض أمام معادلة معقدة، إذ تحاول الإدارة الأميركية زيادة الرقابة على المخاطر المرتبطة بأقوى نماذج الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه تجنب فرض تنظيمات رسمية واسعة قد تؤثر في قدرة الشركات الأميركية على الابتكار والمنافسة مع الصين.
ولا تقتصر المشكلة التي تواجه البيت الأبيض على الأمن القومي، إذ يشعر مسؤولون في إدارة ترمب بالقلق من أن يؤدي الإطار الحالي إلى إنشاء سوق من مستويين لنماذج الذكاء الاصطناعي.
فإذا كانت النماذج المغلقة وحدها تخضع للاختبارات الحكومية وتحصل بصورة فعلية على ما يشبه "ختم الموافقة"، فقد تصبح الشركات والمؤسسات أكثر تردداً في استخدام النماذج المفتوحة التي لا تتمتع بالموافقة نفسها، حتى عندما تكون أقل تكلفة.
وقد يؤدي ذلك، على نحو غير مقصود، إلى تثبيط الشركات الأميركية عن تطوير نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة، وهو سيناريو أثار مخاوف بعض مسؤولي إدارة ترمب.
وفي المقابل، يدرك هؤلاء المسؤولون أن إخضاع النماذج المفتوحة للنظام نفسه ليس خالياً من المشكلات، إذ يمكن أن تشمل آلية الاختبار المحتملة فترة تصل إلى 30 يوماً، ما قد يؤدي بدوره إلى إبطاء عملية تطوير النماذج وإطلاقها.
وبذلك تواجه الإدارة معضلة تتمثل في أن استثناء النماذج المفتوحة من الاختبارات قد يمنح النماذج المغلقة أفضلية تنافسية غير مباشرة، بينما يؤدي إخضاع جميع النماذج المتقدمة لفترة اختبار لإبطاء وتيرة الابتكار في الصناعة الأميركية.
إطار طوعي
وعلى الرغم من توسيع نطاق الرقابة المحتمل، لا يزال إطار البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي طوعياً في الوقت الراهن. وقال مسؤول في البيت الأبيض إن أحد الأسباب الرئيسية وراء ذلك يتمثل في موقف الرئيس دونالد ترمب، الذي يتمسك برؤية مفادها أن فرض تنظيم رسمي على صناعة الذكاء الاصطناعي قد يساعد الصين في تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة في سباق تطوير التكنولوجيا.
ويضع هذا الموقف الإدارة أمام محاولة لتحقيق توازن بين الحفاظ على تفوق الشركات الأميركية في سباق الذكاء الاصطناعي من جهة، والتعامل مع القدرات الجديدة للنماذج التي قد تحمل مخاطر أمنية متزايدة من جهة أخرى.
ضغوط لتشديد الاختبارات
وفي الوقت نفسه، يتعرض البيت الأبيض لضغوط من جهات أخرى داخل الإدارة الأميركية لوضع ترتيبات أكثر قوة ووضوحاً مع مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة.
وبحسب WIRED، ترى بعض الأطراف داخل الإدارة أن الإطار الحالي لا يزال غامضاً، ما يدفع نحو البحث عن آليات أكثر تنظيماً للتعامل مع الشركات المطورة للنماذج الأكثر تقدماً.
وقد تصل تلك الترتيبات، بحسب المصادر، إلى تحول مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى إلى شركاء رسميين للحكومة الأميركية في برامج اختبار النماذج.
ويعني ذلك أن العلاقة بين الحكومة ومطوري الذكاء الاصطناعي قد تنتقل من مجرد التزام الشركات طوعياً بإطار حكومي إلى نموذج أكثر تنظيماً تشارك فيه المختبرات نفسها بصورة رسمية في عمليات الاختبار وتقييم المخاطر.











