برنامج ترمب لتصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي يخالف التوقعات | الشرق للأخبار

برنامج ترمب لتصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي يخالف التوقعات

الإدارة الأميركية تكافح للتوازن بين سعيها للهيمنة عالمياً والقيود الأمنية

time reading iconدقائق القراءة - 11
صورة صممتها "الشرق" باستخدام الذكاء الاصطناعي للتعبير عن التقلبات السريعة في سوق الذكاء الاصطناعي - Asharq
صورة صممتها "الشرق" باستخدام الذكاء الاصطناعي للتعبير عن التقلبات السريعة في سوق الذكاء الاصطناعي - Asharq

يواجه برنامج أطلقته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بهدف جعل الذكاء الاصطناعي الأميركي التكنولوجيا المهيمنة عالمياً بداية متعثرة، في ظل صعوبة موازنة الإدارة بين رغبتها في تعزيز ريادة الولايات المتحدة في هذا القطاع وفرض قيود أمنية تتغير بشكل سريع، بحسب مجلة "بوليتيكو".

وأفادت المجلة، في تقرير نشرته السبت، بأن وزارة التجارة الأميركية تلقّت 78 طلباً فقط في الجولة الأولى من برنامج "صادرات الذكاء الاصطناعي الأميركي"، الذي أُطلق العام الماضي بهدف مساعدة الحكومة في الترويج للرقائق الأميركية ونماذج الذكاء الاصطناعي والبرمجيات أمام المشترين الأجانب، وهو عدد يقل كثيراً عن مئات الطلبات التي توقعها مسؤولو الوزارة، وفقاً لثلاثة مسؤولين سابقين في الوزارة مطلعين على البرنامج.

وأشارت المجلة إلى أن العديد من أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة لا تزال غير مقتنعة بأن التمويل الحكومي وحملات الترويج والحوافز المرتبطة بالتراخيص ستسهم بشكل ملموس في زيادة مبيعاتها الخارجية، بحسب ما أفاد أكثر من 6 مسؤولين تنفيذيين في شركات التكنولوجيا وقادة مجموعات الصناعة ومحللين.

وأضافت أن هذه الشركات تشعر بالقلق أيضاً من الأمر المفاجئ الذي أصدرته الإدارة الأميركية، ثم تراجعت عنه لاحقاً، والذي أجبر شركة "أنثروبيك" الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي على وقف وصول جهات أجنبية إلى أحدث نماذجها، وهي خطوة حذرت الشركات من أنها قد تقوّض الرسالة الأساسية التي يحاول البرنامج الترويج لها في الخارج.

اقرأ أيضاً

"أنثروبيك".. صعود سريع يثير مخاوف أمنية

منذ تأسيسها عام 2021، صعدت "أنثروبيك" سريعاً في سباق الذكاء الاصطناعي بفضل نماذج "كلود".

"انتكاسة مبكرة" 

وبحسب المجلة، فإن الإقبال المحدود على البرنامج يمثل "انتكاسة مبكرة" لمبادرة وصفها ترمب بأنها عنصر أساسي في سباق التكنولوجيا مع الصين، حيث تعمل شركة DeepSeek الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي وشركة التكنولوجيا العملاقة Alibaba وغيرها من الشركات الصينية على تطوير نماذج منخفضة التكلفة ومفتوحة المصدر؛ تتبناها الدول النامية بشكل متزايد.

وترى "بوليتيكو" أن ضعف المشاركة يكشف مدى صعوبة تحقيق الإدارة الأميركية توازناً بين رغبتها في الهيمنة على قطاع الذكاء الاصطناعي عالمياً، وبين اتباع سياسات أمنية متغيرة تهدف إلى منع وصول هذه التكنولوجيا إلى المنافسين والجهات الإجرامية.

وقال مسؤول سابق في وزارة التجارة خلال إدارة ترمب، أُطلع على تطورات البرنامج من جانب موظفين حاليين: "المشكلة تكمن في أن وزارة التجارة أمضت شهوراً في إبلاغ البيت الأبيض بأن القطاع كان يريد هذا البرنامج وأن الشركات ستشارك بأعداد كبيرة".

وأضاف المسؤول، الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته: "لا يزال الوقت مبكراً، لكن الوضع ليس كما كانوا يأملون أن يكون في هذه المرحلة".

برنامج طموح

وأطلق ترمب المبادرة في يوليو 2025 بموجب أمر تنفيذي، في إطار رؤية وصفها وكيل وزارة التجارة ويليام كيميت بأنها تهدف إلى "تمكين المبتكرين والعاملين الأميركيين في مجال الذكاء الاصطناعي من تحقيق النجاح والمنافسة عالمياً".

وقضت الوزارة أشهراً في جمع آراء قطاع التكنولوجيا قبل إطلاق البرنامج رسمياً في أكتوبر الماضي، وكان أمام الشركات حتى 30 يونيو لتشكيل تحالفات وتقديم مقترحات لحزم متكاملة من حلول الذكاء الاصطناعي يمكن للحكومة تسويقها في الخارج.

وقالت إدارة التجارة الدولية التابعة لوزارة التجارة الأميركية، التي تعمل على تعزيز صادرات الشركات الأميركية إلى الأسواق الخارجية، في بيان صحافي، إنها تلقّت طلبات من "قطاع واسع من صناعة الذكاء الاصطناعي"، شملت شركات الحوسبة السحابية الكبرى ومزودي الخدمات السحابية، إلى جانب شركات تصنيع أشباه الموصلات والأجهزة.

وفي تصريح لـ"بوليتيكو"، رفضت وزارة التجارة الكشف عن أسماء الشركات المشاركة في المبادرة، كما رفضت الادعاءات بأن عدد الطلبات جاء أقل من توقعاتها، وقالت إن "حجم الطلبات فاق توقعاتنا، ومع استمرار الابتكار في هذا القطاع، قد ننظر في فتح فترة أخرى لتقديم الطلبات في وقت لاحق".

وقال مسؤول في الوزارة للمجلة إن المقترحات استهدفت قطاعات تشمل الزراعة، والتعليم، والخدمات اللوجستية ذاتية التشغيل، والسلامة العامة، وسلاسل توريد المعادن الحيوية.

وأضاف المسؤول أن الوزارة تلقت طلبات أيضاً من شركات صغيرة، مشيراً في بيان عبر البريد الإلكتروني إلى أن "معيار نجاح البرنامج واضح، وهو تصدير الذكاء الاصطناعي الأميركي إلى الشركاء الأجانب".

وأكدت شركة الحوسبة السحابية Amazon Web Services للمجلة أنها تقدمت بطلب للمشاركة في البرنامج، فيما لم تؤكد شركة تصنيع الرقائق العملاقة Nvidia ما إذا كانت تشارك حالياً في أي مشروعات مرتبطة بهذه المبادرة، لكن متحدثاً باسمها قال في بيان إنها "تتطلع إلى المشاركة".

في المقابل، لم تعلن شركات أميركية بارزة أخرى في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، ما إذا كان من المتوقع أن تلعب دوراً محورياً في البرنامج، مثل OpenAI وAdvanced Micro Devices، ما إذا كانت ستشارك، كما لم ترد الشركتان على طلبات المجلة للحصول على تعليق.

شكوك بشأن هيكل البرنامج

وأشار مسؤولون تنفيذيون في قطاع التكنولوجيا إلى أن الشكوك تجاه البرنامج تنبع جزئياً من الطريقة التي صاغت بها وزارة التجارة المبادرة، فبدلاً من البحث عن منتجات أو تقنيات فردية، طلبت الوزارة من المتقدمين تجميع حزم متكاملة لتصدير الذكاء الاصطناعي تشمل الرقائق المتقدمة، والبنية التحتية للحوسبة السحابية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني والتطبيقات المخصصة لقطاعات محددة، وهي قدرات عادةً ما تكون موزعة بين عدة شركات وغالباً ما تتركز لدى أكبر اللاعبين في الصناعة.

وذكر مسؤولون في القطاع أن هذه الشركات الكبرى هي أيضاً التي تمتلك بالفعل عملاء في الأسواق الخارجية وقنوات تمويل وعلاقات راسخة مع الحكومات.

وقال بول ليكاس، رئيس السياسات العامة العالمية والشؤون الحكومية في جمعية صناعة البرمجيات والمعلومات، وهي مجموعة تجارية تضم في عضويتها شركات تكنولوجيا كبرى مثل "جوجل"، لـ"بوليتيكو": "الشركات التكنولوجية الكبرى، وشركات الحوسبة السحابية العملاقة وغيرها، لديها عمليات عالمية قوية، لذلك قد لا تكون موجودة في كل سوق، لكنها بارعة في تعلّم كيفية العمل ضمن الأنظمة القضائية المختلفة والتفاوض مع الحكومات المحلية".

وأضاف مايك والش، الشريك في مكتب المحاماة DLA Piper المتخصص في الأمن القومي والتجارة العالمية، أن قيمة البرنامج، في حال مشاركة الشركات الكبرى، قد تكمن جزئياً في الإشارة إلى وجود دعم حكومي.

وتابع: "الرسالة التي يحملها هذا الدعم مهمة، كما أن مساندة الحكومة الأميركية، وتخفيف بعض الإجراءات البيروقراطية التي لا تزال حتى أكبر الشركات مضطرة للتعامل معها، يمثلان أمراً مفيداً".

لكن آخرين يرون أن الارتباط بإدارة ترمب يحمل سلبيات كبيرة قد تفوق في كثير من الحالات فوائد البرنامج.

وقال مسؤول بارز في مجموعة صناعية مقرها واشنطن وتمثل شركات كبرى في قطاع التكنولوجيا، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته: "الأمر لا يستحق كل هذا العناء والتعقيد، كما أنه ليس من الواضح وجود مكاسب كبيرة من ربط هذه المشاريع بإدارة ترمب في الوقت الراهن".

أزمة "أنثروبيك" تثير مخاوف

ويعود جزء كبير من هذا التردد إلى الأمر الذي أصدرته الإدارة الأميركية بشأن شركة "أنثروبيك"، وهي خطوة مفاجئة اعتبرها بعض العاملين في القطاع مؤشراً على مدى سرعة تغير أولويات واشنطن، وعلى المخاطر التي قد تترتب على ربط الأعمال الخارجية بهذه الأولويات.

ورغم أن الإدارة تراجعت في نهاية المطاف عن القيود التي فرضتها على الشركة، أصبحت هذه الواقعة مؤشراً جديداً لحكومات كانت تتساءل بالفعل عما إذا كانت البنية التحتية الحيوية للذكاء الاصطناعي القائمة على التكنولوجيا الأميركية قد تصبح عرضة لتحولات مفاجئة في السياسات.

كما أثارت الثغرات الأمنية التي استندت إليها الإدارة لتبرير القيود المؤقتة شكوكاً لدى مسؤولي القطاع، الذين رأوا أن العديد من النماذج الأقل قدرة، بما في ذلك بعض النماذج التابعة لـOpenAI، يمكنها أيضاً تحديد الثغرات نفسها.

لكن الشكوك حول المبادرة لم تبدأ مع قرار "أنثروبيك"، إذ واجه البرنامج انتقادات وتساؤلات منذ مراحله الأولى.

تأخر التنفيذ وغموض آليات العمل

ومضى الموعد النهائي الأصلي المحدد في أواخر أكتوبر بموجب الأمر التنفيذي، من دون أن تطلق وزارة التجارة طلبات تقديم العروض، كما لم تفتح الوزارة باب التقديم إلا في الأول من أبريل الماضي.

وفي غضون ذلك، طلب تحالف يضم أكثر من عشر منظمات صناعية من الوزارة تمديد المهلة للرد على طلبها الأولي للحصول على آراء عامة، مشيراً إلى "تعقيد واتساع" الموضوعات التي تناولها الطلب، وإلى الحاجة إلى وقت إضافي لصياغة ملاحظات تسهم في "تصميم البرنامج وتنفيذه".

وضم التحالف غرفة التجارة الأميركية، التي تمثل ملايين الشركات، إلى جانب مجلس صناعة تكنولوجيا المعلومات، وهو اتحاد للتكنولوجيا والتجارة مقره واشنطن.

وبعد أشهر من فتح باب التقديم، قالت بعض المجموعات الصناعية إنها لا تزال تنتظر مزيداً من الوضوح بشأن آلية عمل البرنامج.

مستقبل المبادرة

وقالت كريستين نجدي، مديرة سياسات التجارة في مجلس صناعة تكنولوجيا المعلومات، الذي يمثل شركات من بينها Nvidia، إن المجلس رحَّب بالمبادرة باعتبارها فرصة لتعزيز ريادة الولايات المتحدة التكنولوجية، لكنه شدد على أن "إرشادات واضحة بشأن التنفيذ ستكون ضرورية لضمان تحقيق هذه الأهداف".

ولا تزال المرحلة الثانية من البرنامج، التي ستطرح خلالها الحكومة صفقات محددة أمام الشركات للتنافس عليها، لم تبدأ بعد.

وقالت إميلي بنسون، رئيسة الاستراتيجية في شركة Minerva Technology Futures، إن المؤشرات الأولية لا تبدو مشجعة. وأضافت: "من الواضح جداً في مرحلة مبكرة أن رغبة القطاع الخاص في المشاركة في مبادرة للذكاء الاصطناعي تحمل طابعاً حكومياً أميركياً ليست مشجعة". وتابعت: "كان انطباعي منذ اليوم الأول أن هذه المبادرة لن تحقق أي تقدم يُذكر".

وقال دانيال كاسترو، رئيس مؤسسة Information Technology and Innovation، وهي مؤسسة بحثية معنية بسياسات التكنولوجيا في واشنطن وتضم "أبل" و"سامسونج" بين داعميها، إن الخطر الأكبر يتمثل في أن يبدأ المشترون الأجانب في التحوط والبحث عن خيارات بديلة.

وأضاف كاسترو: "يريد الناس التكنولوجيا الأميركية حالياً في مختلف أنحاء العالم؛ فهم يعتقدون أنها الأفضل. لكن إذا اعتقدوا أن هناك قيوداً على إمكانية وصولهم إليها مستقبلاً، فسيبحثون عن بدائل، وهذا قد يعرقلهم بشكل كبير".

وقال آرون كوبر، نائب رئيس السياسات العالمية في Business Software Alliance، الذي يمثل شركات تكنولوجيا كبرى مثل Amazon Web Services وCloudflare، إن مسألة ما إذا كان المشترون الأجانب سيُقبلون فعلياً على الشراء لا تزال غير محسومة، مضيفاً: "في الوقت الحالي، أعتقد أنا ما تحاول الإدارة فعله هو حشد الإمكانات المتاحة في القطاع".

تصنيفات

قصص قد تهمك