
أطلقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عملية "المنبوذ الاقتصادي"، بهدف خنق إيران مالياً ودفعها إلى تقديم تنازلات لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط.
وتحذر واشنطن قادة العالم من مواصلة التعامل التجاري مع طهران، ملوحة بحرمان الشركات التي تفعل ذلك من الوصول إلى النظام المالي الأميركي. وتفرض الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، حصاراً على الموانئ الإيرانية، مستهدفةً بذلك شريان البلاد المالي الرئيسي.
لكن إيران أمضت سنوات في بناء منظومة معقدة لبيع النفط وإدارة شبكة مصرفية سرية موازية، تأمل أن تساعدها على الحفاظ على صمود اقتصادها وقواتها العسكرية لفترة تكفي لتجاوز الهجوم الاقتصادي الأميركي.
وفي ما يلي أبرز الأدوات التي تستخدمها طهران لتخفيف وطأة الضغوط الأميركية، وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال".
مخزونات نفط عائمة وطلب صيني
أدى الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية إلى خفض صادرات النفط الإيراني، مصدر الإيرادات الرئيسي للبلاد، إلى مستويات تقترب من الصفر. لكن طهران لا تزال تمتلك ملايين البراميل من النفط المخزن في ناقلات عائمة، معظمها في المياه المقابلة لماليزيا.
وتشتري الصين أكثر من 80% من صادرات النفط الإيراني. ورغم أن الحصار حدّ من عمليات التسليم، استوردت بكين أكثر من 500 ألف برميل يومياً منذ بداية أغسطس، وفقاً لبيانات شركة "كبلر".
وتعتمد هذه الشحنات على منظومة معقدة لنقل النفط من سفينة إلى أخرى، إذ تفرغ ناقلات خاضعة للعقوبات حمولتها من الخام في سفن أخرى بالمياه الدولية قبالة سواحل ماليزيا، لإخفاء مصدره. ثم تتولى السفن المستقبلة نقل الشحنات إلى الصين، حيث تُسجل على أنها واردات من مصادر غير إيرانية.
وتقدر شركة "فورتيكسا"، المتخصصة في تتبع حركة السفن، أن إيران تمتلك نحو 80 مليون برميل من النفط الخام في مخزونات عائمة بالمياه الآسيوية، ما يمثل إيرادات محتملة بمليارات الدولارات لطهران.
اليوان الصيني يوفر منفذاً مالياً
تهدف العقوبات الأميركية عموماً إلى عزل الجهات المستهدفة عن النظام المالي الأميركي وتحويلها إلى كيانات منبوذة اقتصادياً، مع التهديد بفرض عقوبات على الشركات التي تتعامل معها.
لكن فعالية العقوبات تتراجع عندما يسعى خصوم الولايات المتحدة إلى تجنب النظام المالي الأميركي والدولار تماماً.
وتبيع إيران معظم نفطها إلى الصين، ومن بين ذلك شحنات من الخام بقيمة 6 مليارات دولار خلال هدنة قصيرة مع الولايات المتحدة الصيف الماضي. وتُسوّى هذه المعاملات بصورة متزايدة باليوان الصيني.
وتستخدم إيران هذه الأموال لشراء سلع وخدمات من الصين، أو تقايض النفط بمشروعات بنية تحتية تنفذها شركات صينية داخل البلاد. وتجري هذه المعاملات بعيداً عن رقابة المسؤولين الأميركيين، ما يحد من تأثير العقوبات، وفقاً للصحيفة.
العملات المشفرة للالتفاف على الرقابة
نما قطاع العملات المشفرة في إيران سريعاً خلال السنوات الأخيرة، بعدما قيّدت العقوبات وصول النظام إلى العملات التقليدية، مثل الدولار الأميركي.
ويقول باحثون إن النظام الإيراني استخدم مليارات الدولارات من العملات المشفرة لإجراء معاملات والحصول على أسلحة وسلع. كما استخدم الحرس الثوري الإيراني منصات لتداول العملات المشفرة لتلقي عائدات مبيعات النفط، ولا سيما من الصين.
ورداً على ذلك، فرضت واشنطن عقوبات على منصات إيرانية لتداول العملات المشفرة، وصادرت أكثر من مليار دولار من العملات الرقمية المرتبطة بإيران.
وجعل ذلك نقل الأموال عبر هذه القنوات أكثر صعوبة وكلفة، لكن مراقبة هذا السوق تظل مهمة شاقة، لأن جانباً كبيراً من القطاع غير خاضع للتنظيم، ويمكن إجراء معاملاته من دون كشف هوية أطرافها.
ويرى باحثون أن منصات العملات المشفرة الإيرانية التي استهدفتها واشنطن بالعقوبات ليست سوى حلقات بارزة في شبكة أوسع وأكثر تعقيداً.
شركات واجهة للوصول إلى الدولار
لا تزال إيران بحاجة إلى الدولار الأميركي وعملات أخرى لشراء منتجات وأسلحة وتحويل الأموال إلى حلفائها ووكلائها في الشرق الأوسط، مثل "حزب الله" والحوثيين، بحسب مسؤولين غربيين.
وتدير طهران شبكة من شركات الواجهة في مراكز مالية، وتخضع لسيطرة شركات صرافة إيرانية. وتحول هذه الشركات عائدات النفط الإيراني وإيرادات صادرات أخرى إلى عملات مثل الدولار واليورو.
وكثفت وزارة الخزانة الأميركية استخدام العقوبات لاستهداف الشركات والأفراد المنخرطين في هذه المنظومة. لكن جهود واشنطن تظل أشبه بمطاردة مستمرة؛ فكلما فرضت عقوبات على شركة واجهة، أنشأت طهران أخرى لتحل محلها.
كما أبدت سلطات قضائية في دول عدة تردداً في ملاحقة الشبكة الإيرانية.
توظيف الشبكة السرية في دعم القدرات العسكرية
تتيح الشبكة السرية لطهران شراء مواد تُستخدم في تصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية وغيرها من الأسلحة، غالباً من شركات صينية قد لا تكون على علم بالجهة التي ستؤول إليها هذه المواد في نهاية المطاف.
وحتى عندما تعلم الشركات الصينية أن المواد ستصل إلى إيران، فإن كثيراً منها صغير الحجم أو معزول أصلاً عن النظام المالي العالمي، ولذلك لا يكترث بالعقوبات الأميركية.
فعلى سبيل المثال، أسهمت المسيّرات الهجومية الإيرانية من طراز "شاهد"، التي تضم مكونات صينية، في تهديد حلفاء الولايات المتحدة وتقليص تفوقهم العسكري.









