
تمر مفاوضات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بحالة جمود، رغم جهود الوسطاء الرامية إلى عودة المسار التفاوضي ودفع إسرائيل إلى قبول خارطة الطريق التي وافقت عليها "حماس" والفصائل الفلسطينية، فيما لفت مسؤولون فلسطينيون إلى تذرع المسؤولين الإسرائيليين بالانتخابات الإسرائيلية المقررة نهاية أكتوبر.
وأجرى وفد قيادي من "حماس"، الاثنين، في القاهرة، مشاورات مع عدد من الفصائل، تناولت "حالة الجمود في المفاوضات، والخيارات المتاحة أمام الفصائل"، على ما أوضح مسؤول شارك في اللقاءات.
وقال مسؤولون مطلعون على المفاوضات، لـ"الشرق"، إن إسرائيل ترفض التجاوب مع الجهود والاتصالات التي يجريها الوسطاء.
وأضاف مسؤول فلسطيني مطلع إن إسرائيل "رفضت طلباً مكرراً" من الوسطاء المصريين والأتراك والقطريين لخفض التصعيد العسكري في غزة، ووقف الاغتيالات، ووقف توسيع العمليات العسكرية على الأرض، وزيادة حجم وأصناف المساعدات الإنسانية والبضائع إلى غزة.
وتابع: "كل شيء متوقف، ويتذرع المسؤولون الإسرائيليون بذريعة الانتخابات" المقررة في 27 أكتوبر المقبل، التي ستأتي بعد أيام من مرور ثلاث سنوات على الحرب.
محاولة ضغط
وبحسب المصادر ذاتها، أجرى الوسطاء الأسبوع الماضي اتصالات مع الإدارة الأميركية للضغط على حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لخفض التصعيد، والالتزام باستحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، والسماح بإدخال اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
وقال مسؤول في "حماس": "لم نرَ تغييراً في الموقف الإسرائيلي، لأنه لا توجد أية ضغوط أميركية حتى اليوم على إسرائيل، رغم تأكيد الأميركيين رغبتهم في إتمام الاتفاق في غزة، وبدء الإعمار من أجل الهدوء والاستقرار".
لكنه أشار إلى أن الحركة "ملتزمة باتفاق وقف النار، وتتعاطى بمسؤولية وإيجابية مع جهود الوسطاء".
وكثفت حركة "حماس" الاتصالات والمباحثات مع الوسطاء في محاولة للضغط على إسرائيل لدفعها إلى الموافقة على خارطة الطريق، لكن مسؤولين في الحركة حذروا من أن إسرائيل ستواصل خططها العسكرية، وتقويض فرص الاستقرار بذريعة الانتخابات.
"الخيارات مفتوحة"
وقال مسؤول في الحركة لـ"الشرق" إن "الخيارات مفتوحة أمام فصائل المقاومة، العدو مستمر بعدوانه وتعطيل أي اتفاق"، لكنه أضاف أن "المقاومة تتصرف بمسؤولية، تراقب وتقيّم الوضع الميداني والسياسي، آخذة بعين الاعتبار حماية شعبنا وعدم منح الاحتلال ذريعة لاستمرار حرب الإبادة والعدوان".
وأكد أن "حماس" أطلعت الوسطاء ومسؤولين في "مجلس السلام"، الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، على الخروقات الإسرائيلية للاتفاق.
وأشار مسؤول في فصيل فلسطيني آخر إلى أن "الرد على العدوان والاستهدافات الإسرائيلية والاغتيالات مسألة قيد النقاش لدى المقاومة، التي تتبنى سياسة حكيمة".
ويواصل الجيش الإسرائيلي تصعيداً عسكرياً لافتاً في قطاع غزة، لا سيما في استهداف قادة وناشطين في "حماس"، وفصائل أخرى مثل حركة "الجهاد"، حيث يشن غارات جوية وقصفاً مدفعياً وبحرياً يومياً تقريباً في القطاع الذي تسيطر القوات الإسرائيلية على أكثر من 60% من مساحته.
واتهم الجيش الإسرائيلي حركة "حماس" بخرق الاتفاق، والسعي إلى إعادة بناء قوتها العسكرية. في المقابل، نفى الناطق باسم "حماس" حازم قاسم "ادعاءات الاحتلال"، وقال إنها "اتهامات باطلة ولا أساس لها، وتهدف إلى إيجاد تبريرات للانتهاكات وتصعيد العدوان"، مجدداً التزام حركته باتفاق وقف النار.
وتبدو الخيارات أمام "حماس" صعبة ومعقدة في ظل جمود المفاوضات منذ رفض إسرائيل خارطة الطريق التي قدمها "مجلس السلام" الشهر الماضي.
"المشهد معقد جداً"
ويرى محللون أن أي رد عسكري، سواءً من "حماس" أو الفصائل في غزة، على الهجمات الإسرائيلية سيزيد الأوضاع تعقيداً، ويصب في مصلحة نتنياهو، واليمين المتطرف في إسرائيل.
وقال أستاذ العلاقات الدولية في جامعة "الأزهر" بغزة، جمال الفاضي، إن المشهد الفلسطيني "معقد جداً، ويحتاج لتوحيد الجهد الفلسطيني لمواجهة أخطر مرحلة في تاريخ الشعب الفلسطيني"، لافتاً إلى أن "أي فعل غير محسوب ربما تكون له عواقب وخيمة، إضافة إلى أنه سيخدم نتنياهو وتحالفه المتطرف".
فيما يرى أستاذ الإعلام السياسي في غزة إياد القرا، أن "إسرائيل تريد إبقاء غزة في المنطقة الواقعة بين الحرب والسلام، أي لا حرب شاملة تستدعي ضغوطاً دولية، ولا انسحاب كامل يسمح للفلسطينيين بإعادة بناء حياتهم، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار والإعمار."
وحذّر القرا، وهو رئيس تحرير سابق لجريدة "فلسطين" بغزة، من أن "الأخطر هو تحول المؤقت إلى دائم" في غزة.
وقال القرا إن "حكومة نتنياهو لديها مصلحة سياسية وأمنية في إبقاء غزة ملفاً مفتوحاً، خصوصاً مع تصاعد الحسابات الانتخابية داخل إسرائيل، وعودة خطاب التهجير، ومحاولات اليمين لفرض تصورات جديدة لمستقبل القطاع".
إعمار غزة عالق
وأكد مسؤولون في "حماس" والفصائل الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، والحرص على وقف الحرب وتعافي القطاع.
وتنتظر اللجنة الوطنية لإدارة غزة موافقة إسرائيل للعودة إلى قطاع غزة واستلام مهامها الحكومية.
وتقول اللجنة إن خططها ومشروعاتها للتعافي وإعمار غزة جاهزة للتنفيذ في حال توفرت البيئة المناسبة على الأرض وتوفير الدعم المالي اللازم.
وتقدر الأمم المتحدة وأطراف دولية ما يحتاجه قطاع غزة للتعافي والإعمار بنحو 74 مليار دولار، حيث دمرت إسرائيل نحو 80% من المباني والمنازل والبنية التحتية والخدمية في القطاع.
وصرح مستشار وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، عدنان أبو حسنة، أن كل شيء في القطاع قد دُمر خلال الحرب، محذراً من أن المنظمات الإنسانية والأممية لم تعد قادرة على تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للسكان الذين يزيد عددهم على مليوني شخص، غالبيتهم فقراء ونازحون بلا مأوى.
ورغم إعلان الحركة استقالة هيئتها الحكومية، لا تزال "حماس" تدير القطاع، في المنطقة غير الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، وهي أقل من 40% من المساحة الكلية للقطاع المدمر، والبالغة 365 كيلومتراً مربعاً.
وتغلق إسرائيل كافة المعابر، بما فيها معبر رفح الحدودي مع مصر، لكنها تسمح بإدخال بضائع تجارية محدودة وعشرات الشاحنات من المساعدات عبر معبر "كرم أبو سالم" (كيريم شالوم) الإسرائيلي، وتسمح لعشرات المرضى بمغادرة القطاع أو العودة إليه.










