
تتجه الصين بشكل متزايد إلى تحويل اقتصادها من الصناعات الاستهلاكية منخفضة التكلفة نحو الصناعات الثقيلة وعالية القيمة، التي تشكل ركيزة أساسية لسلاسل التصنيع العالمية، في تحول يعيد رسم ملامح الاقتصاد الصيني بعد عقود من الاعتماد على الصناعات الصغيرة والمتوسطة.
قبل عقود من الآن، ساهمت مدينة دونجوان في تحويل الصين إلى مركز عالمي بإنتاج كميات هائلة من الألعاب والأحذية والملابس والإلكترونيات الرخيصة التي دعمت النهضة الاقتصادية للبلاد، واليوم، تُعدّ هذه المدينة، القريبة من هونج كونج، مركزاً لتحوّل صناعي جديد.
ووفق صحيفة "وول ستريت جورنال"، تتحول الصين إلى "مصنع للمصانع"، ولم تعد مجرد منتج للسلع الاستهلاكية منخفضة القيمة، بل باتت تصدّر المزيد من السلع عالية القيمة التي تشكّل ركيزة أساسية للصناعات التحويلية العالمية، مثل الرقائق الإلكترونية والآلات الدقيقة والأذرع الروبوتية.
ويقول فرانك جيانج، نائب رئيس قسم الأعمال الدولية في "توبستار"، إحدى أكبر الشركات الصينية المصنّعة للروبوتات والآلات الصناعية: "في الماضي، كانت ألمانيا واليابان رائدتين في مجال الصناعات التحويلية المتقدمة. لكننا نعتقد أن تقنياتنا قد لحقت بهما، بل وتفوّقنا عليهما في العديد من المنتجات".
وتجعل هيمنة الصين على قطاعات واسعة من سلاسل التوريد العالمية منظومتها التصديرية أكثر قوة وصموداً في وجه الرسوم الجمركية، التي تستهدف عادة السلع النهائية.
ارتفاع الصادرات
في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، قفزت صادرات الصين من السلع الوسيطة والرأسمالية بنسبة 25% و12% على التوالي، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما زادت صادرات السلع الاستهلاكية بنسبة 4%، وفقاً لتحليل أجراه معهد "ماكينزي" العالمي لبيانات الجمارك الصينية الرسمية.
ويهدد هذا التحول المزايا التنافسية للاقتصادات الكبرى، مثل دول الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية.
وبعد أن كان منتجو المواد الكيميائية والآلات والبطاريات وغيرها من السلع الصناعية في هذه الدول يعتمدون على المصانع الصينية كزبائن، أصبحت الصين الآن منافساً قوياً في الخارج وحتى في أسواقهم المحلية.
ولأول مرة منذ عقود، تستورد ألمانيا من الصين سلعاً متقدمة أكثر مما تصدره إليها.
ويثير هذا التحول مخاوف عالمية، إذ يدرس القادة الأوروبيون اتخاذ تدابير وقائية جديدة لمواجهة ما يُعرف بـ"الصدمة الصينية 2.0".
وبينما استفادت كوريا الجنوبية واليابان هذا العام من طفرة في الصادرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، فإن قطاعات واسعة من الصناعة، وإن كانت غير ظاهرة للعيان، تفقد حصتها في السوق العالمية.
وفي مقر شركة "توبستار" في دونجوان، تعرض شاشة شعارات قاعدة عملائها العالمية: شركة "جابيل" الأميركية، و"سامسونج" الكورية الجنوبية، و"فوكسكون" التايوانية، وعملاقي الصناعة الصينيين "هواوي" و"كاتل".
وتُشير الشركة إلى أن لديها أكثر من 15 ألف عميل في أكثر من 50 دولة.
وتشهد "توبستار" ازدهاراً ملحوظاً، إذ ارتفعت مبيعاتها الخارجية بنحو 10% العام الماضي لتصل إلى حوالي 92 مليون دولار، مدفوعة بالطلب المتزايد في المكسيك والبرازيل وفيتنام.
وفي الربع الأول من عام 2026، قفزت إيرادات "توبستار" من الروبوتات الصناعية بنسبة 81% على أساس سنوي، بينما ارتفع قطاع أدوات الآلات المُتحكم بها حاسوبياً بنسبة 63%. وتتوقع الشركة أن تتجاوز أرباح النصف الأول من العام ثلاثة أضعاف أرباح العام السابق.
إعفاءات ضريبية وقروض ميسرة
واستغرق تحوّل الصين من مركز تجميع المنتجات الاستهلاكية إلى قوة تصنيعية متقدمة سنوات من العمل.
وشجعت السياسات زيادة المحتوى المحلي، مما عزز إنتاج المكونات في الصين. وفي إطار مبادرة "العمالقة الصغار"، ضخت الصين إعانات وإعفاءات ضريبية وقروضاً ميسرة لآلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطاعات التصنيع المتخصصة ذات التقنية العالية.
وساهم السوق المحلي الواسع والمنافسة الشديدة في تسريع وتيرة التحديث الصناعي في الصين. كما أن شبكات الموردين والبنية التحتية المتطورة في الصين تجعل الإنتاج عالي الكفاءة.
وعندما انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، كان هنري وانج شاباً في الثامنة عشرة من عمره، خريجاً من المرحلة الإعدادية، قادماً من أقصى شمال البلاد، إلى دونجوان بدون موارد. وسكن في غرفة صغيرة في سكن طلابي يضم 12 شخصاً، وعمل على خط التجميع في شركة BBK للإلكترونيات، الشركة الرائدة في مجال الهواتف الذكية، والتي سبقت عملاقي صناعة الهواتف الذكية "أوبو" و"فيفو".
وبحلول عام 2012، شارك وانج في تأسيس شركة "دونجوان لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات"، وهي شركة تضم 80 موظفاً، وتُصدّر أنظمة روبوتية لتجميع لوحات الدوائر المستخدمة في جميع الأجهزة الإلكترونية الحديثة تقريباً.
ويقول وانج إن شركته تبيع آلاتها لمصنّعين حول العالم، بما في ذلك شركات أميركية مثل "آي بي إم" و"هانيويل" و"إل 3 هاريس"، وتعتمد بشكل شبه كامل على سلسلة التوريد المحلية الصينية.
ويتوقع وانج أن تزيد إيرادات شركة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنسبة 50% على الأقل هذا العام. وستنتقل الشركة إلى مقرّ جديد ضعف مساحة المقرّ الحالي.
وقال وانج: "انتهى عهد الصين التي كانت تُعتبر مصنع العالم فحسب. الآن، تُساعد الصين بقية العالم في بناء مصانعها. لا يُمكن للصين أن تُصدّر السلع الاستهلاكية الجاهزة إلى الأبد".
وأضاف وانج أن الرسوم الجمركية لم تؤثر على شركته إطلاقاً. وطالما بقي الطلب العالمي على المنتجات الإلكترونية قائماً، سيظل عماله يعملون بجد.
وعندما فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية جديدة في عام 2025، انخفضت صادرات الصين من السلع الاستهلاكية لأول مرة منذ عام 2019، وفقاً لتحليل أجراه معهد "ماكينزي" العالمي لبيانات الجمارك الصينية الرسمية. لكن صادراتالسلع التكنولوجية زادت بأكثر من 175 مليار دولار أميركي عن العام السابق، مما ساهم في رفع الفائض التجاري الصيني إلى مستوى قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار أميركي.
بالنسبة للاقتصادات الصناعية المتقدمة، "تتحول الصين تدريجياً من مستهلك إلى منافس"، كما قال جيونجمين سيونج، الشريك في معهد "ماكينزي" العالمي.
وأفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون الكورية الجنوبية (KBS) أن "دونجوا إلكتروليت"، وهي شركة كورية جنوبية مصنعة للإلكتروليتات (معادن أساسية تحمل شحنات كهربائية) المستخدمة في صناعة البطاريات، تعمل بخسارة منذ عدة سنوات، ويعود ذلك جزئياً إلى المنافسة الصينية المتزايدة.
وقال الرئيس التنفيذي كيم جونج هون لقناة KBS: "إنه وضع بالغ الصعوبة، إذ يتعين علينا التغلب على المنافسين الصينيين في ظل ظروف تنافسية غير متكافئة".
منافسة جديدة
وأوضحت شيري لي، مندوبة مبيعات في شركة "ليتو للإلكترونيات"، ومقرها دونجوان وتُنتج مكونات تُستخدم في آلات قهوة "نستله" وغيرها من المنتجات الكهربائية، أن العملاء تحولوا من العلامات التجارية الأوروبية والأميركية إلى شركتها لخفض تكاليفهم. وأضافت لي أن المبيعات تنمو بنحو 10% سنوياً منذ عام 2020.
وأشارت لي إلى أن المكسيك وفيتنام أصبحتا من أهم أسواق التصدير لشركة "ليتو". وقد نقلت العديد من الشركات إنتاجها من الصين إلى دول أخرى لتجنب الرسوم الجمركية الأميركية، مما يُسرّع وتيرة التصنيع في جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية، وهو ما يُعدّ مكسباً كبيراً للمصانع الصينية التي تُنتج السلع الوسيطة.
وفي ساو باولو، تواجه شركة "هارتينج" الألمانية، المُصنّعة للموصلات الصناعية الثقيلة، منافسة شديدة من الشركات الصينية.
وقالت بوليانا لاناري، المديرة الإدارية لأميركا اللاتينية في شركة "هارتينج"، إن المنافسين الصينيين يقدمون خصومات تصل إلى 30% على المنتجات ذات الكميات الكبيرة، وينتجون سلعاً بجودة متزايدة باستمرار.
وأضافت لاناري: "هذا يؤثر على معدلات النمو".
وفي ألمانيا، تفقد شركة "يونجهاينريش"، المُصنّعة للرافعات الشوكية، عملاءها لصالح المنافسين الصينيين في أوروبا. ويُقدّر لارس برزوسكا، الرئيس التنفيذي للشركة، أن الشركات الصينية المصنّعة قد رفعت حصتها في السوق الإقليمية للشاحنات الصناعية إلى 30% من الوحدات اليوم، بعد أن كانت 11% في عام 2019.
وبدأ المنتجون الصينيون باستهداف سوق "الجودة الكافية"، أي الآلات المصممة للاستخدام اليومي المعتدل، والتي تُباع بنصف سعر نظيراتها الغربية. والآن، تُنشئ الشركات الصينية مراكز بحث وتطوير محلية ومرافق إنتاج، ما سيُمكّنها من إنتاج منتجات ذات قيمة أعلى، بحسب برزوسكا.
واستجابة لذلك، كشفت "يونجهاينريش" العام الماضي عن شراكة استراتيجية مع شركة "إي بي إكويبمنت" الصينية المُصنّعة للرافعات الشوكية.
وقال برزوسكا: "إننا نواجه وضعاً بالغ الصعوبة، بل وحرجاً". وقد خفضت شركة "يونجهاينريش" مؤخراً توقعاتها للأرباح لهذا العام، ويعكس ذلك جزئياً ازدياد المنافسة من الصين.
أما بالنسبة لـ"تورتاي تكنولوجيز"، وهي شركة لتصنيع لوحات الدوائر الإلكترونية وتقديم خدمات تصنيع الإلكترونيات ومقرها دونجوان، فتمثل أوروبا حوالي 60% من صادراتها. ويتوقع سامسون شي، المدير العام، نمو المبيعات بنحو 30% هذا العام، ويعمل حالياً على تجديد أحد طوابق مصنعه لاستيعاب المزيد من الطلبات.
وخلال رحلات عمله إلى أوروبا، يسمع أحياناً شكاوى حول قوة الصادرات الصينية. وهو يعتقد أن نجاح شركته لا يقتصر على تقديم منتجات فعّالة من حيث التكلفة فحسب، بل يشمل أيضاً تقديم خدمات شاملة ومخصصة، مثل الخدمات الهندسية، للعملاء.
وأضاف: "الصين لا تُجبر أحداً على شراء منتجاتها".









