
لم تعد أمراض القلب حكاية مؤجلة إلى ما بعد الستين، ففي عيادات القلب والطوارئ حول العالم أصبح الأطباء يفحصون مرضى في الثلاثينيات والأربعينيات، وأحياناً في العشرينيات، يعانون ارتفاع ضغط الدم، أو اضطراب الدهون، أو السكري المبكر، أو ذبحة صدرية، أو جلطة قلبية.
صحيح أن كبار السن لا يزالون الأكثر تعرضاً لأمراض القلب، لكن القلق الطبي يتزايد من أن عوامل الخطر التي كانت تتراكم ببطء عبر عقود أصبحت تبدأ مبكراً، وتظهر آثارها في سن أصغر.
فهل زادت أمراض القلب فعلاً بين الشباب؟ أم أن الأطباء أصبحوا أكثر قدرة على اكتشافها؟ الإجابة الأقرب من الأدلة المتاحة هي أن الأمرين يحدثان معاً، فهناك تحسن في التشخيص، وانتشار أكبر للفحوصات، ووعي أعلى بأعراض القلب.
لكن في المقابل، هناك زيادة حقيقية في عوامل الخطر والتي من ضمنها السمنة، وقلة الحركة، والسكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطراب الكوليسترول، والتدخين والسجائر الإلكترونية، وقلة النوم، والضغط النفسي، وتلوث الهواء، وأنماط الغذاء عالية السعرات والملح والدهون.
وتقول البيانات العالمية إن أمراض القلب والأوعية الدموية لا تزال السبب الأول للوفاة في العالم، وإن عبئها لا ينحصر في كبار السن، وتشير تحليلات حديثة إلى أن عدد المصابين بأمراض القلب في فئات عمرية شابة ارتفع خلال العقود الماضية، حتى إذا كانت معدلات الوفاة القياسية قد تحسنت في بعض المناطق بفضل العلاج الأفضل والرعاية الطارئة.
وهذا يعني أن الطب ينجح في إنقاذ عدد أكبر من المرضى، لكنه يواجه في الوقت نفسه موجة أوسع من عوامل الخطر تبدأ مبكراً.
أسباب معروفة
أول أسباب هذه الظاهرة هو تغير نمط الحياة، فكثير من الشباب يعيشون يومهم بين شاشة العمل، والهاتف، والمواصلات، والوجبات السريعة، والنوم المتأخر.
وهذا النمط لا يضر القلب فجأة، بل يصنع بيئة طويلة الأمد لزيادة الوزن، ومقاومة الإنسولين، وارتفاع الضغط، ودهون الكبد، واضطراب الكوليسترول.
ومع مرور الوقت، تبدأ الشرايين في التعرض لالتهاب مزمن وترسبات دهنية، وهي الخطوة التي تسبق تصلب الشرايين والجلطات.
كما أن الدهون الزائدة، خصوصاً حول البطن، ترتبط بارتفاع ضغط الدم، واضطراب الدهون، ومقاومة الإنسولين، والسكري من النوع الثاني.
وهذه العوامل لا تعمل منفصلة، بل تتجمع غالباً في الشخص نفسه، شاب لديه زيادة في محيط البطن، ودهون ثلاثية مرتفعة، وسكر حدودي، وضغط أعلى قليلاً من الطبيعي، قد لا يشعر بأي عرض اليوم، لكنه يملك ما يكفي من الإنذارات المبكرة التي يمكن أن تتحول خلال سنوات إلى مرض واضح في القلب أو الأوعية الدموية.
ويُعد السكري من النوع الثاني أحد أهم ملامح التحول الجديد، إذ كان هذا المرض يوصف تقليدياً بأنه مرض يظهر غالباً في منتصف العمر أو بعده، لكنه أصبح يشخص في أعمار أصغر، مدفوعاً بالسمنة وقلة الحركة والغذاء غير الصحي.
والخطورة أن السكري لا يرفع السكر فقط، بل يؤثر في بطانة الأوعية، ويزيد الالتهاب، ويسرع تصلب الشرايين، ويرفع خطر الجلطات القلبية والسكتات الدماغية. لذلك فإن ظهور السكري في سن صغيرة يعني تعرض القلب لعقود أطول من الخطر.
أما ارتفاع ضغط الدم، فهو القاتل الصامت الأكثر شيوعاً، وكثير من الشباب لا يقيسون الضغط لأنهم لا يشعرون بصداع أو دوخة، أو لأنهم يربطون المرض بالعمر الكبير.
إلا أن ارتفاع الضغط قد يستمر سنوات دون أعراض، ويؤدي تدريجياً إلى تضخم عضلة القلب، وإجهاد الشرايين، وزيادة خطر الجلطات والفشل القلبي ومشكلات الكلى. والخطر هنا أن أول اكتشاف للضغط قد يأتي عند حدوث أزمة، لا أثناء فحص وقائي بسيط.
ويلعب الكوليسترول المرتفع دوراً مشابهاً، فلا يشعر الإنسان بارتفاع الكوليسترول، لكن البروتين الدهني منخفض الكثافة، المعروف باسم LDL، يساهم في تراكم اللويحات داخل الشرايين.
وعندما تبدأ هذه العملية في عمر صغير، يصبح لدى اللويحات وقت أطول للنمو والتمزق، في بعض الحالات، يكون السبب وراثياً، مثل فرط كوليسترول الدم العائلي، حيث ترتفع مستويات LDL منذ الطفولة أو المراهقة، ومثل هؤلاء الأشخاص قد يصابون بأمراض الشرايين مبكراً إذا لم يكتشفوا ويعالجوا.
الضغط النفسي
ولا يزال التدخين عاملاً حاسماً، حتى في الأعمار الصغيرة، فهو يضر بطانة الأوعية، ويزيد قابلية الدم للتجلط، ويخفض الكوليسترول الجيد، ويساهم في تضيق الشرايين.
ويضاف إلى ذلك انتشار السجائر الإلكترونية ومنتجات النيكوتين الجديدة، التي تسوق أحياناً للشباب باعتبارها أقل ضرراً أو أكثر حداثة، لكن ما هو "أقل ضرراً من السجائر التقليدية" لا يعني آمناً للقلب، كما أن النيكوتين مادة ترفع النبض والضغط وتؤثر في الأوعية، ويحمل بخار السجائر الإلكترونية جسيمات ومعادن ومواد كيميائية لا تزال آثارها طويلة المدى محل دراسة.
وهناك عامل آخر يصعب قياسه لكنه حاضر بقوة، وهو الضغط النفسي المزمن، فالعمل غير المستقر، والقلق المالي، والتنافس المهني، والعزلة الاجتماعية، والإفراط في استخدام الشاشات، كلها قد تزيد التوتر وتؤثر في النوم والطعام والحركة.
ولا يسبب الضغط النفسي وحده الجلطات في أغلب الحالات، لكنه يدفع إلى سلوكيات خطرة كالتدخين، والأكل العاطفي، وقلة النوم، وإهمال العلاج، وتجنب الفحوص، كما يرتبط التوتر المزمن بارتفاع هرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين، ما قد يزيد ضغط الدم والالتهاب.
ودخل النوم حديثاً إلى قلب معادلة الوقاية، فلسنوات، كان الحديث يتركز على الغذاء والرياضة والتدخين، لكن الأدلة المتزايدة تشير إلى أن قلة النوم أو اضطرابه ترتبط بزيادة خطر السمنة، والسكري، وارتفاع الضغط، وأمراض القلب.
والشاب الذي يعمل ليلاً، أو ينام 5 ساعات يومياً، أو يظل مستيقظاً أمام الهاتف حتى الفجر، قد لا يرى أثر ذلك فوراً، لكنه يضع جسمه في حالة إجهاد أيضي وعصبي متكرر.
التجربة الطبية
ويمثل الغذاء الحديث جزءاً كبيراً من المشكلة، فالأطعمة فائقة التصنيع، والكميات الكبيرة من الملح، والمشروبات المحلاة، والدهون المشبعة والمتحولة، وقلة الألياف، وقلة الخضراوات والفواكه، والحصص الكبيرة كلها عوامل تزيد الوزن، وترفع الضغط، وتؤثر في الدهون والسكر.
وفي المقابل، ترتبط الأنماط الغذائية الغنية بالخضراوات والفواكه والبقول والحبوب الكاملة والمكسرات والزيوت غير الاستوائية والبروتينات الصحية بانخفاض مخاطر القلب.
ولا تعني قلة الحركة فقط عدم الذهاب إلى صالة رياضية، فالخطر الأوسع هو الجلوس الطويل، إذ يقضي كثير من الشباب 8 أو 10 ساعات في وضع الجلوس، ثم ينتقلون إلى السيارة أو المواصلات، ثم إلى شاشة أخرى في المنزل.
هذا السلوك يقلل استهلاك الطاقة، ويضعف اللياقة القلبية التنفسية، ويرتبط بزيادة الوزن ومقاومة الأنسولين، فالنشاط البدني المنتظم لا يحرق السعرات فقط، بل يحسن حساسية الإنسولين، ويخفض الضغط، ويرفع الكوليسترول الجيد، ويحسن المزاج والنوم.
وتُظهر التجربة الطبية أن الشباب كثيراً ما يتأخرون في طلب المساعدة، وأحد الأسباب أنهم لا يتوقعون أن يكون القلب هو مصدر الألم.
ويمكن أن يفسر شاب ألم الصدر بأنه قولون، أو حموضة، أو شد عضلي، أو قلق، خصوصاً إذا كان يمارس حياته بشكل طبيعي. وفي بعض الحالات، تكون الأعراض فعلاً غير قلبية. لكن الخطر هو الاعتماد على السن وحده لاستبعاد الجلطة. ألم أو ضغط في الصدر، خاصة إذا ظهر مع المجهود أو امتد للذراع أو الفك أو الظهر، أو صاحبه ضيق نفس أو عرق أو غثيان أو دوخة، فإنه حينها يستدعي تقييماً عاجلاً.
وتختلف الصورة عند النساء الشابات أحياناً، فقد يظهر المرض بأعراض أقل نمطية، مثل ضيق النفس، أو الإرهاق الشديد، أو الغثيان، أو ألم الظهر أو الفك، وليس ألم الصدر التقليدي.
كما أن بعض عوامل الخطر الخاصة بالنساء، مثل ارتفاع الضغط أثناء الحمل، وسكري الحمل، وتسمم الحمل، ومتلازمة تكيس المبايض، وأمراض المناعة الذاتية، قد ترتبط بزيادة الخطر القلبي لاحقاً، لذلك فإن الوقاية لدى النساء لا يجب أن تبدأ بعد انقطاع الطمث، بل قبل ذلك بسنوات.
وأضافت جائحة كورونا طبقة جديدة من التعقيد، إذ تشير الأدلة إلى أن عدوى الفيروس قد ترتبط بزيادة خطر بعض المضاعفات القلبية والوعائية بعد التعافي، خصوصاً لدى من أصيبوا بعدوى شديدة، لكن بعض الدراسات وجدت إشارات خطر حتى بعد الحالات الأخف.
ولا يعني ذلك أن كل شخص أصيب بكورونا المستجد سيصاب بمرض قلبي، لكنه يضيف سبباً لمتابعة الأعراض المستمرة مثل ألم الصدر، والخفقان، وضيق التنفس، وعدم تفسيرها دائماً بأنها قلق أو إرهاق فقط.
ورُصدت حالات نادرة من التهاب عضلة القلب أو غشاء القلب بعد بعض لقاحات كورونا المستجد، خصوصاً لدى الذكور المراهقين والشباب، وغالباً خلال أيام من الجرعة. لكن الجهات الصحية تؤكد أن هذه الحالات نادرة، وأن الوقاية من العدوى الشديدة ومضاعفاتها تظل جزءاً مهماً من تقليل العبء الصحي العام.
الفقر وأمراض القلب
ولا تقل العوامل الاجتماعية والاقتصادية أهمية عن كل ما سبق، فالشاب الذي لا يملك تأميناً صحياً أو لا يستطيع زيارة طبيب رعاية أولية بانتظام قد لا يكتشف ضغطه أو سكره أو كوليستروله إلا متأخراً.
كما أن الأحياء الأقل دخلاً قد توفر خيارات أقل للطعام الصحي والمساحات الآمنة للمشي، مع تعرض أكبر للتلوث والضغط النفسي، لذلك، فإن الوقاية من أمراض القلب ليست مسؤولية فردية فقط، بل ترتبط بالتعليم، والدخل، والتخطيط العمراني، وسياسات الغذاء، ومكافحة التدخين، وسهولة الوصول إلى الرعاية.
وفي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتقاطع هذه العوامل بوضوح، إذ يواجه الشباب عبئاً مرتفعاً من أمراض القلب، مع انتشار السكري والسمنة وارتفاع الضغط والتدخين وقلة الحركة في كثير من المجتمعات.
كما أن التحول السريع في أنماط الغذاء والعمل والحياة الحضرية جعل الشباب أكثر تعرضاً لمزيج من السعرات العالية والحركة القليلة والتوتر.
وفي مصر، تشير دراسات محلية إلى أن السكري، والتدخين، وارتفاع الضغط، واضطراب الدهون، والسمنة، وقلة النشاط البدني من العوامل المرتبطة بزيادة عبء أمراض الشرايين.
بيد أن القول إن أمراض القلب زادت عند الشباب لا يجب أن يتحول إلى ذعر، فالفكرة الأهم أن جزءا كبيراً من الخطر قابل للتعديل. لا يمكن تغيير الجينات أو التاريخ العائلي، لكن يمكن قياس ضغط الدم وفحص الدهون والسكر، وتقليل التدخين ثم إيقافه، وتحسين النوم، وزيادة الحركة، وتعديل الغذاء، وخفض الوزن تدريجياً. والوقاية هنا لا تعني حياة مثالية، بل قرارات متكررة تقلل الخطر المتراكم.
وتبدأ الخطوة الأولى بمعرفة الأرقام، فكل شاب بالغ، خصوصاً بعد الثلاثين أو قبل ذلك إذا كان لديه تاريخ عائلي أو سمنة أو تدخين أو سكري، يحتاج إلى معرفة ضغطه، ومؤشر كتلة الجسم ومحيط الخصر، وسكر الدم، والدهون، خاصة الكوليسترول؛ وهذه الفحوص لا تعني أن الشخص مريض، بل تكشف المخاطر قبل ظهور المرض، فالفارق بين اكتشاف ضغط مرتفع في عيادة عادية وبين اكتشافه بعد جلطة قد يكون سنوات من الحماية.
التدخين الخفيف
ويقول العلماء إن الحركة تساهم في الوقاية من أمراض القلب، ولا يحتاج الجميع إلى رياضة عنيفة، فحتى المشي السريع، وصعود السلالم، وتمارين المقاومة البسيطة، وتقليل ساعات الجلوس، قد تساهم في الوقاية من أمراض القلب.
والخطوة الثالثة هي إصلاح نمط الغذاء؛ ويقول العلماء إن الأفضل الانتقال من المنع الكامل إلى نمط مستدام عبر تقليل المشروبات المحلاة، وتقليل المقليات واللحوم المصنعة، وزيادة الخضراوات والبقول والحبوب الكاملة، واختيار دهون صحية، وتقليل الملح، والانتباه لحجم الحصة.
وفي المجتمعات التي تعتمد على الخبز والأرز والمعجنات بكثافة، يصبح ضبط الكمية وتوزيع الكربوهيدرات على اليوم جزءاً مهماً من الوقاية، خاصة عند من لديهم مقاومة أنسولين أو تاريخ عائلي للسكري.
والخطوة الرابعة هي التعامل مع النيكوتين كخطر قلبي لا كعادة اجتماعية فقط. السجائر، الشيشة، السجائر الإلكترونية، ومنتجات النيكوتين الفموية، كلها تستحق مراجعة جادة. لا يوجد تدخين "خفيف" آمن للقلب، ولا يوجد سن صغير يحمي الشرايين من أثر النيكوتين والمواد السامة. والإقلاع ليس قراراً أخلاقياً، بل علاج وقائي من أقوى ما يمكن تقديمه للقلب.
أما الخطوة الخامسة فهي عدم تجاهل النوم والصحة النفسية، النوم المنتظم من 7 إلى 9 ساعات لمعظم البالغين ليس رفاهية، والتعامل مع القلق والاكتئاب والضغط المزمن ليس منفصلاً عن القلب. الشاب الذي ينام قليلاً، ويعمل تحت ضغط دائم، ويأكل بلا انتظام، ويدخن، لا يحتاج إلى نصيحة واحدة بل إلى خطة تدريجية تعيد بناء حياته الصحية.











