التسمم الغذائي.. مرض يبدأ من وجبة وقد ينتهي بمضاعفات خطيرة | الشرق للأخبار

التسمم الغذائي.. مرض يبدأ من وجبة وقد ينتهي بمضاعفات خطيرة

الغذاء غير المأمون يتسبب في إمراض نحو 866 مليون شخص سنوياً

time reading iconدقائق القراءة - 12
سيدتان تقدمان الطعام والمشروبات الباردة خلال موجة حر في برلين بألمانيا. 26 يونيو 2026 - Reuters
سيدتان تقدمان الطعام والمشروبات الباردة خلال موجة حر في برلين بألمانيا. 26 يونيو 2026 - Reuters
القاهرة -

قد يبدأ التسمم الغذائي بتقلصات بسيطة في البطن بعد تناول وجبة، ثم قيء وإسهال وارتفاع في الحرارة، ولكن في معظم الحالات يتعافى المصاب خلال أيام، إلا أن مضاعفات بعض أنواعه يمكن أن تشمل الجفاف، أو الفشل الكلوي، أو تلف الأعصاب، وربما الوفاة لدى الفئات الأكثر عُرضة للخطر.

ويمكن أن يصيب التسمم الغذائي أي شخص، لكن الخطر يزداد لدى الأطفال دون الخامسة، وكبار السن، والحوامل، والأشخاص الذين يعانون ضعف المناعة بسبب السرطان، أو زراعة الأعضاء، أو أدوية مثبطة للمناعة، أو أمراض مزمنة.

وتشير أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية، التي صدرت في يونيو 2026، واستندت إلى تحليل عبء الأمراض الناجمة عن 42 من المخاطر الغذائية الرئيسية، إلى أن الغذاء غير الآمن يتسبب سنوياً في إصابة نحو 866 مليون شخص بالتسمم الغذائي - أي شخص واحد تقريباً من كل 9 أشخاص في العالم - ويحصد أرواح 1.52 مليون شخص سنوياً. كما تؤدي الأمراض المنقولة بالغذاء إلى فقدان نحو 57 مليون سنة من العمر الصحي سنوياً.

وتحذّر المنظمة من أن الأطفال دون سن الخامسة، رغم أنهم لا يمثّلون سوى نحو 9% من سكان العالم، يتحملون قرابة ثلث حالات الأمراض المنقولة بالغذاء، وسُجلت بينهم نحو 143 ألف وفاة مرتبطة بالغذاء غير المأمون في عام 2021.

التسمم الغذائي

يظل العبء الأكبر للتسمم الغذائي عالمياً متركزاً في إفريقيا وجنوب شرق آسيا، حيث تقل إمكانات الحصول على المياه النظيفة، والصرف الصحي، والتبريد، والرقابة الغذائية.

ويُستخدم تعبير "التسمم الغذائي" لوصف مجموعة واسعة من الأمراض التي تحدث بعد تناول طعام أو شراب ملوث.

وقد يكون السبب عدوى ببكتيريا، أو فيروس، أو طفيلي حي، أو تسمماً مباشراً بسموم أنتجتها كائنات دقيقة داخل الطعام، أو تعرضاً لمادة كيميائية، أو معدن ثقيل، أو سم طبيعي.

ولهذا فإن المصطلح لا يشير إلى مرض واحد، ولا تعني الإصابة بالضرورة أن الطعام كان فاسد الرائحة أو متغير اللون؛ فقد يبدو الطعام طبيعياً تماماً، بينما يحتوي على جرعة كافية من السالمونيلا، أو النوروفيروس، أو بكتيريا الإشريكية القولونية لإحداث المرض.

ويحدث التلوث في أي مرحلة من الرحلة التي يقطعها الطعام إلى المائدة؛ فقد يبدأ بمياه ري ملوثة، أو حيوان حامل للبكتيريا، أو سوء الذبح والتصنيع، ثم يستمر أثناء النقل والتخزين والإعداد.

وقد يقع داخل المنزل عندما تنتقل عصارة الدجاج النيّئ إلى طبق السلطة، أو عندما يُترك الطعام المطهو في درجة حرارة الغرفة مدة طويلة، أو عندما يُعد شخص مصاب وجبة للآخرين دون غسل يديه جيداً.

أعراض التسمم الغذائي؟

تختلف أعراض التسمم الغذائي تبعاً للميكروب، أو السم، وكمية الطعام الملوث، وعمر المصاب، وحالته الصحية. لكن الأعراض الأكثر شيوعاً تشمل الإسهال، وتقلصات أو آلام البطن، والغثيان، والقيء، وارتفاع درجة الحرارة، وقد يصاحبها صداع، أو إرهاق وآلام في العضلات وفقدان الشهية.

وقد يكون الإسهال مائياً، كما يحدث غالباً مع النوروفيروس وبعض أنواع البكتيريا، أو مصحوباً بالدم، وهو عرض أكثر إثارة للقلق وقد يظهر مع بعض سلالات الإشريكية القولونية المنتجة لسم الشيجا، أو السالمونيلا، أو كامبيلوباكتر.

ولا تبدأ الأعراض دائماً فور تناول الوجبة؛ ففي التسمم بسموم المكورات العنقودية الذهبية قد يظهر القيء والتقلصات خلال 30 دقيقة إلى ثماني ساعات، بينما تبدأ أعراض كلوستريديوم بيرفرنجنز عادة خلال ست إلى 24 ساعة. ويحتاج النوروفيروس غالباً إلى ما بين 12 و48 ساعة، وقد تستغرق السالمونيلا من ست ساعات إلى ستة أيام، وتحتاج كامبيلوباكتر من يومين إلى خمسة أيام، والإشريكية القولونية نحو ثلاثة أو أربعة أيام. أما داء الليستريات الغازي فقد لا يظهر إلا بعد نحو أسبوعين، ويمكن لبعض الطفيليات أن تستغرق أسابيع أو فترات أطول.

ويفسر اختلاف فترة الحضانة لماذا لا تكون آخر وجبة تناولها الشخص هي المسؤولة بالضرورة. وقد يصعب تحديد المصدر عندما يأكل أفراد الأسرة أطعمة مختلفة، أو عندما يكون الطعام الملوث منتجاً واسع التوزيع استهلك على مدار عدة أيام.

البكتيريا.. من الدجاج والبيض إلى الخضراوات

تُعد السالمونيلا من أشهر مسببات الأمراض المنقولة بالغذاء، وترتبط عادة بالدجاج واللحوم والبيض غير مكتمل الطهي، والحليب والعصائر غير المبسترة، إضافة إلى الخضراوات والفواكه التي تلوثت أثناء الزراعة أو التجهيز. وتسبب عادة الإسهال والحمى وتقلصات البطن والقيء.

أما كامبيلوباكتر فترتبط بصفة خاصة بالدواجن النيئة أو غير الناضجة، والحليب غير المبستر والمياه الملوثة. وقد تسبب إسهالاً دموياً، وارتفاعاً في الحرارة، وألماً شديداً في البطن، وترتبط في حالات نادرة بمضاعفات عصبية مثل متلازمة "غيلان باريه".

ويمكن للإشريكية القولونية المنتجة لسم الشيجا الانتقال عبر اللحم المفروم غير مكتمل الطهي، والحليب والعصائر غير المبسترة، والخضراوات الورقية والبراعم والمياه الملوثة. وتسبب تقلصات قوية وإسهالاً قد يصبح دموياً، وقد يصاب ما بين 5% و10% من الحالات المشخصة بمتلازمة انحلال الدم اليوريمية، التي يمكن أن تؤدي إلى فشل كلوي، ومشكلات صحية دائمة.

وتتميز بكتيريا الليستيريا بقدرتها على النمو في درجات حرارة الثلاجة. وقد توجد في اللحوم الباردة والسمك المدخن والأجبان الطرية ومنتجات الألبان غير المبسترة وبعض الأطعمة الجاهزة. وتكون العدوى خطيرة بصورة خاصة أثناء الحمل، إذ يمكن أن تؤدي إلى الإجهاض، أو ولادة مبكرة، أو وفاة الجنين، أو إصابة المولود بعدوى مهددة للحياة.

وهناك بكتيريا لا تسبب المرض أساساً عن طريق غزو الجسم، بل عن طريق السموم التي تنتجها في الطعام؛ فالمكورات العنقودية الذهبية قد تلوث السندويشات، واللحوم المقطعة، والحلويات المحشوة بالكريمة والأطعمة التي تجهز باليد ثم تترك دون تبريد. ويمكن للسم أن يبقى في الطعام حتى إذا قتلت البكتيريا لاحقاً بالتسخين.

وترتبط كلوستريديوم بيرفرنجنز غالباً باللحوم والمرق والوجبات المطهوة بكميات كبيرة، خصوصاً عندما تحفظ دافئة في درجة غير كافية أو تبرد ببطء. وتسبب عادة إسهالاً وتقلصات تستمر أقل من يوم، دون قيء أو حمى في معظم الحالات.

الفيروسات.. النوروفيروس في المقدمة

يُعد النوروفيروس أحد أكثر مسببات الأمراض المنقولة بالغذاء انتشاراً، وينتقل بسهولة شديدة عبر الطعام، والمياه، والأسطح، والأيدي الملوثة. ويرتبط بالخضراوات الورقية، والفواكه، والمحار النيئ، والأطعمة الجاهزة التي لمسها شخص مصاب.

وتظهر العدوى غالباً في صورة قيء مفاجئ ومتكرر، وإسهال مائي، وغثيان وألم في البطن، وقد يصاحبها صداع وارتفاع طفيف في الحرارة، وآلام بالجسم. ويستطيع الفيروس الانتشار سريعاً في المدارس، ودور الرعاية، والسفن، والفنادق، والمطاعم.

وتضع أحدث تقديرات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأميركية (CDC) النوروفيروس في مقدمة الجراثيم المسببة لحالات المرض المنقول بالغذاء في الولايات المتحدة.

ووفقاً لتحديث نُشر في 2025، تسبب الفيروس في نحو 5.5 مليون حالة مرض، و22 ألفاً و400 حالة دخول إلى المستشفى سنوياً ضمن الإصابات المرتبطة بسبعة مسببات رئيسية. كما يمكن لفيروسي التهاب الكبد "أ" و"هـ" الانتقال عبر الطعام.

ويرتبط التهاب الكبد "أ" بالمحار النيئ، أو غير الناضج، والمنتجات الطازجة أو المجمدة الملوثة، بينما يرتبط التهاب الكبد "هـ" في بعض المناطق بلحوم ومنتجات الخنازير غير مكتملة الطهي. وقد لا تقتصر أعراضهما على الجهاز الهضمي، بل تشمل التعب، والحمى، واصفرار الجلد، والعينين، والتهاب الكبد.

الطفيليات والسموم الكيميائية

يمكن أن تنتقل طفيليات مثل السيكلوسبورا عبر الخضراوات، والفواكه، والأعشاب الطازجة الملوثة، مسببة إسهالاً مائياً طويل المدة، وفقداناً للشهية والوزن، وانتفاخاً وإرهاقاً. كما يمكن أن تنتقل التوكسوبلازما عبر اللحوم غير مكتملة الطهي، وتكون شديدة الخطورة على الجنين إذا أصيبت بها الحامل للمرة الأولى أثناء الحمل.

وتشمل الأخطار الأخرى الديدان الشريطية، والطفيليات الموجودة في بعض الأسماك واللحوم، ويمكن لبعض العدوى الطفيلية أن تظل صامتة سنوات قبل ظهور الأعراض، وأن تسبب تلفاً عصبياً أو أمراضاً في الكبد والقنوات المرارية.

ولا تقتصر مخاطر الطعام على الميكروبات؛ فقد يتلوث الغذاء بالرصاص أو الزرنيخ أو الزئبق، أو بسموم فطرية مثل الأفلاتوكسينات التي قد تتكون في الحبوب والمكسرات المخزنة في ظروف سيئة. وقد تسبب المواد الكيميائية جرعة حادة من القيء والألم والاضطرابات العصبية، أو أضراراً تراكمية طويلة الأمد تشمل السرطان، وأمراض القلب، وتلف الكلى والدماغ.

وكان من أبرز النتائج التي كشفتها تقديرات منظمة الصحة العالمية لعام 2026 أن الأخطار البيولوجية تسببت في الغالبية العظمى من حالات المرض، لكن الأخطار الكيميائية كانت مسؤولة عن نحو 73% من الوفيات المرتبطة بالغذاء الملوث في 2021، ولا سيما بسبب التعرض المزمن للزرنيخ غير العضوي والرصاص.

تشخيص التسمم الغذائي

يعتمد تشخيص التسمم الغذائي على الأعراض وما تناوله المريض خلال الأيام السابقة، وما إذا كان أشخاص آخرون أصيبوا بعد تناول الطعام نفسه.

وقد يطلب الطبيب تحليل البراز للكشف عن البكتيريا، أو الطفيليات، أو المادة الوراثية للفيروسات، وأحياناً تحاليل الدم إذا اشتبه في عدوى غازية، أو مضاعفات.

وتقدر المراكز الأميركية أن نحو 29 إصابة بالسالمونيلا تحدث مقابل كل حالة واحدة مؤكدة مخبرياً.

علاج التسمم الغذائي

يتمثل العلاج الأساسي لمعظم حالات التسمم الغذائي في تعويض الماء والأملاح المفقودة. وتُعد محاليل الإماهة الفموية أفضل من المشروبات الغازية، أو مشروبات الطاقة والرياضة في حالات الإسهال الشديد، لأنها تحتوي على نسب مناسبة من الماء والجلوكوز والأملاح. وقد يحتاج المصاب الذي لا يستطيع الشرب، أو يعاني جفافاً شديداً إلى سوائل وريدية في المستشفى.

ولا ينبغي تناول المضادات الحيوية بصورة تلقائية؛ لأن معظم حالات التسمم الغذائي لا تحتاج إليها، كما أنها لا تعالج الفيروسات أو السموم البكتيرية. وفي عدوى الإشريكية القولونية المنتجة لسم الشيجا قد تزيد المضادات الحيوية خطر الإصابة بمتلازمة انحلال الدم اليوريمية، ولذلك يجب تجنبها ما لم يحدد الطبيب سبب العدوى والعلاج المناسب.

كما ينبغي تجنب الأدوية التي توقف حركة الأمعاء عند وجود إسهال دموي، أو حرارة مرتفعة، أو عند الاشتباه في عدوى فيروسية، لأنها قد تحتجز السموم والميكروبات داخل الأمعاء وتزيد احتمال المضاعفات.

الوقاية من التسمم الغذائي

تختصر الهيئات الصحية الوقاية من التسمم الغذائي في أربع قواعد رئيسية هي النظافة، والفصل، والطهي، والتبريد.

ويعني ذلك غسل اليدين بالماء والصابون قبل إعداد الطعام، وبعد لمس اللحوم والدواجن والبيض النيئ، وتنظيف الأسطح والأدوات، وغسل الخضراوات والفواكه تحت الماء الجاري.

وينبغي فصل اللحوم والدواجن والأسماك النيئة عن الأطعمة الجاهزة للأكل أثناء الشراء والتخزين والإعداد، مع استخدام لوح تقطيع منفصل. ولا ينصح بغسل الدجاج النيئ، لأن رذاذ الماء قد ينشر البكتيريا إلى الحوض والأسطح والأطعمة المجاورة بدلاً من إزالتها.

ويجب طهي الدواجن حتى تصل حرارتها الداخلية إلى نحو 74 درجة مئوية، واللحوم المفرومة إلى نحو 71 درجة، وقطع اللحم والأسماك إلى نحو 63 درجة على الأقل وفق نوع الطعام. ولا يكفي الاعتماد على اللون أو الملمس، إذ يُعد ميزان حرارة الطعام الوسيلة الأدق للتأكد من بلوغ الحرارة الآمنة.

كما ينبغي وضع الأطعمة القابلة للفساد في الثلاجة خلال ساعتين من الطهي أو الشراء، وخلال ساعة واحدة إذا تجاوزت حرارة الجو نحو 32 درجة مئوية. وينصح بحفظ الثلاجة عند أربع درجات مئوية أو أقل، وعدم إذابة الطعام المجمد فوق سطح المطبخ، بل داخل الثلاجة، أو في ماء بارد، أو باستخدام الميكروويف قبل الطهي مباشرة.

تصنيفات

قصص قد تهمك