
اكتشف باحثون أن ارتفاع نشاط جين، يعرف باسم NDRG1، يساعد خلايا سرطانية على إصلاح الأضرار التي تصيب الحمض النووي، وحددوا طفرات جينية قد تجعل بعض الأورام شديدة الحساسية لتعطيل هذا المسار، في نتيجة قد تفتح باباً لتطوير علاج أكثر دقة.
وقال الباحثون إن النتائج تقدم فهماً أعمق لكيفية اعتماد الأورام على آليات إصلاح الحمض النووي للبقاء، وتشير إلى أن قياس مستويات NDRG1، أو البحث عن طفرات محددة في جينات الإصلاح قد يساعد مستقبلاً في اختيار المرضى الأكثر استفادة من أدوية تستهدف هذا البروتين.
وبحسب الدراسة، المنشورة في دورية Science، تتعرض الخلايا السرطانية لكميات كبيرة من تلف الحمض النووي بسبب انقسامها السريع، واضطراب عمليات الأيض داخلها، وكثرة الأخطاء التي تحدث أثناء نسخ المادة الوراثية، ولذلك تعتمد هذه الخلايا بدرجة كبيرة على أنظمة إصلاح التلف كي تستمر في النمو، ولا تدخل في مسارات الموت الخلوي.
التلف المتراكم للخلايا السرطانية
وتستغل بعض أنواع علاج السرطان بالفعل هذا الاعتماد، إما بإحداث مستويات هائلة من الضرر في الحمض النووي، كما يحدث مع بعض أدوية العلاج الكيميائي، والإشعاعي، أو بمنع الخلايا من إصلاح التلف المتراكم.
وفي الدراسة الجديدة، أجرى الباحثون فحصاً لمجموعة كبيرة من خطوط الخلايا السرطانية بحثاً عن مركبات كيميائية تزيد تلف الحمض النووي، أو تعطل قدرة الخلايا على إصلاحه.
ووجد الباحثون أن دواء "الكيناكرين"، وهو عقار قديم استخدم في علاج الملاريا، أعاق إصلاح تلف الحمض النووي في أنواع مختلفة من السرطان، وكانت الخلايا التي تحتوي على مستويات مرتفعة من NDRG1 أكثر حساسية لتأثير الدواء.
وكشفت التجارب أن الكيناكرين يعطل ارتباط بروتين NDRG1 بإنزيم يؤدي احتجازه، بواسطة البروتين، إلى تمكين تكوين بروتين آخر مهم، يعرف باسم 53BP1، داخل تجمعات إصلاح الحمض النووي.
ويلعب 53BP1 دوراً رئيسياً في التعرف على الكسور المزدوجة في شريطي الحمض النووي، وتوجيه الآليات الخلوية المسؤولة عن إصلاحها. ويشير ذلك إلى أن NDRG1 لا يمثل مجرد علامة مصاحبة للسرطان، بل يشارك فعلياً في دعم قدرة الخلايا الورمية على التعامل مع الضرر الجيني.
وعندما حلل الباحثون قواعد بيانات كبيرة لمرضى السرطان، وجدوا أن ارتفاع نشاط NDRG1 داخل الأورام ارتبط بقصر مدة البقاء على قيد الحياة، ما يشير إلى إمكانية استخدامه بوصفه مؤشراً للتنبؤ بمسار المرض، وإن كان ذلك يحتاج إلى تأكيد في دراسات سريرية مستقلة.
وتركز جانب مهم من الدراسة على سرطان القولون والمستقيم، إذ لاحظ العلماء أن مستويات NDRG1 ارتفعت في أورام المرضى الذين يحملون طفرات تؤدي إلى فقدان وظيفة بعض الجينات الأخرى المشاركة في إصلاح الحمض النووي.
علاج موجّه
وكانت الخلايا السرطانية الحاملة لهذه الطفرات أكثر حساسية للكيناكرين، وكذلك للتثبيط الجيني المباشر لبروتين NDRG1، مما يكشف عن اعتماد علاجي يمكن استهدافه انتقائياً.
وشبه الباحثون هذا الاعتماد بتأثير مثبطات إنزيم PARP في الأورام الحاملة لطفرات جيني BRCA1 وBRCA2. ففي تلك الحالات تكون الخلايا السرطانية قد فقدت أحد مسارات إصلاح الحمض النووي، وتعتمد بدرجة أكبر على مسار بديل؛ وعند تعطيل المسار الثاني تموت الخلايا الورمية، فيما تصاب الخلايا السليمة بضرر أقل نسبياً.
ويعرف هذا النهج باسم "القتل الاصطناعي"، ويعد من أبرز الاستراتيجيات المستخدمة لتطوير علاج موجّه يستغل العيوب الوراثية الخاصة بالخلايا السرطانية، بدلاً من مهاجمة جميع الخلايا المنقسمة دون تمييز.
تحذير من استخدام الكيناكرين
لكن الباحثين حذروا من اعتبار الكيناكرين علاجاً جاهزاً لمرضى السرطان، نظراً إلى مخاوف تتعلق بسُميته وآثاره الجانبية، خصوصاً عند استخدامه بجرعات، أو لفترات قد تكون ضرورية لإحداث تأثير مضاد للأورام.
وقال الفريق إن الخيار الأكثر قابلية للتطبيق سريرياً قد يكون البحث عن جزيئات دوائية صغيرة جديدة تعطل NDRG1 مباشرة، أو تمنع تفاعله مع شركائه داخل منظومة إصلاح الحمض النووي، مع الاحتفاظ بفاعلية مضادة للسرطان، وسلامة أكبر من الكيناكرين.
ورغم أن التجارب ركزت بدرجة أساسية على سرطان القولون والمستقيم، قال العلماء إن الطفرات المرتبطة بهذا الاعتماد توجد أيضاً في بعض أنواع سرطان الدم والأورام الليمفاوية، مما قد يوسع نطاق الاستفادة العلاجية المحتملة.
ولا تزال النتائج في مرحلة ما قبل السريرية، إذ أجريت معظم التجارب على خطوط خلايا سرطانية، وتحليلات لقواعد بيانات المرضى.
وسيكون من الضروري اختبار مثبطات أكثر انتقائية لـ NDRG1 في نماذج حيوانية، ثم تقييمها في تجارب بشرية لتحديد الجرعات المناسبة ومدى الأمان والفاعلية.
ومع ذلك، تضيف الدراسة هدفاً جديداً محتملاً إلى الجهود الرامية لاستغلال اعتماد السرطان على إصلاح الحمض النووي، وقد تساعد في تحديد مجموعة من الأورام التي يمكن مهاجمتها، عبر تعطيل شبكة حماية وراثية تحتاج إليها الخلايا السرطانية للاستمرار.










