
قد يبدو المشي نشاطاً بسيطاً لا يتطلب أكثر من حذاء مريح وبعض الوقت، لكن تأثيره في الجسم والدماغ يتجاوز حرق السعرات أو تقوية العضلات.
فعندما يتعرض الإنسان لضغط نفسي، يطلق الجسم هرمونات مرتبطة باستجابة التوتر، منها الأدرينالين والكورتيزول، وتساعد هذه الاستجابة الجسم مؤقتاً على مواجهة الخطر، لكنها قد تتحول إلى عبء صحي عندما تستمر لفترات طويلة بسبب ضغوط العمل، أو المشكلات الأسرية، أو القلق المستمر.
ووفق تقرير لكلية الطب بجامعة هارفارد، تساعد التمارين الهوائية، ومنها المشي، في تهدئة هذه الاستجابة عبر مسارين متكاملين.
يتمثل المسار الأول في خفض مستويات بعض هرمونات التوتر، بينما يتمثل الثاني في تحفيز إفراز الإندورفينات، وهي مواد كيميائية ينتجها الدماغ، وترتبط بتحسن المزاج، والشعور بالراحة.
وتشير أدلة علمية متزايدة إلى أن المشي المنتظم يمكن أن يخفف مشاعر التوتر والقلق، ويحسن النوم والمزاج، ويمنح الإنسان مساحة ذهنية تساعده على التعامل بصورة أفضل مع ضغوط الحياة اليومية.
ولا يحتاج الشخص إلى السير لمسافات طويلة، أو ممارسة تدريبات شاقة للحصول على هذه الفوائد، فقد تكفي جولة قصيرة، بوتيرة مناسبة، لإحداث تحسن مؤقت في الحالة النفسية، بينما يؤدي الالتزام بالمشي على المدى الطويل إلى فوائد أوسع لصالح الصحة النفسية والجسدية معاً.
ولهذا قد يشعر الشخص بعد المشي بأن عضلاته أقل توتراً، وأن تنفسه أصبح أكثر انتظاماً، وأن ذهنه بات أكثر صفاءً، حتى إن لم تتغير المشكلة التي سببت له الضغط النفسي.
وتشير مراجعات علمية أيضاً إلى ارتباط النشاط البدني بانخفاض مستويات الكورتيزول، وتحسن جودة النوم.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة، لأن التوتر وقلة النوم يغذي كل منهما الآخر، فالتوتر يجعل النوم أكثر صعوبة، بينما يؤدي النوم السيء إلى زيادة العصبية والحساسية تجاه الضغوط في اليوم التالي.
فوائد المشي
لا تتطلب جميع فوائد المشي أسابيع من التدريب، فبحسب مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، قد تظهر بعض التأثيرات الإيجابية للنشاط البدني في الدماغ بعد جلسة واحدة فقط من النشاط المتوسط، أو القوي، ومنها انخفاض مؤقت في مشاعر القلق لدى البالغين.
وهذا يعني أن المشي السريع لفترة قصيرة قد يساعد الشخص في التعامل مع توتر يوم عمل صعب، أو الاستعداد لاجتماع مهم، أو تهدئة الأفكار المتلاحقة في نهاية اليوم.
لكن هذا التأثير الفوري لا يعني أن جولة واحدة تكفي دائماً، فكلما أصبح المشي عادة منتظمة، زادت فرص الاستفادة من آثاره المتعلقة بالمزاج، والنوم، والوقاية من القلق، والاكتئاب.
ولا تقتصر فائدة المشي على التغيرات الكيميائية داخل الجسم، فالطبيعة الإيقاعية للحركة يمكن أن تساعد أيضاً في تهدئة الذهن.
وحسب كلية طب هارفارد، قد تعمل الأنشطة المتكررة، مثل المشي، بطريقة تشبه التأمل الحركي. فانتظام الخطوات، وتحريك الذراعين والساقين، وملاحظة التنفس، كلها أمور تساعد على تحويل الانتباه بعيداً عن الأفكار المقلقة إلى الإحساس بالجسم والحركة.
ويفيد ذلك، بصورة خاصة، عندما يجد الشخص نفسه عالقاً في دائرة من الاجترار الذهني، أي إعادة التفكير في المشكلة نفسها مرات متتالية من دون الوصول إلى حل.
ولا يعني ذلك أن الأفكار المزعجة ستختفي تماماً، لكن المشي قد يخلق مسافة نفسية بينها وبين الشخص، فيصبح أكثر قدرة على رؤيتها بهدوء، بدلاً من الانجراف معها.
المشي في الطبيعة أكثر فائدة
يمكن أن يخفف المشي التوتر سواءً كان في شارع، أو داخل مكان مغلق، لكن البيئة المحيطة قد تضاعف أثره النفسي.
وفي دراسة منشورة في دورية PNAS أدى المشي لمدة 90 دقيقة في بيئة طبيعية إلى تقليل الاجترار الذهني مقارنة بالمشي في بيئة حضرية مزدحمة. كما ارتبطت التجربة بانخفاض النشاط في منطقة دماغية مرتبطة بالتفكير السلبي المتكرر.
وأظهرت مراجعة منهجية، أن المشي في المساحات الطبيعية يمكن أن يحسن مؤشرات الصحة النفسية، خصوصاً أعراض القلق والاكتئاب.
ولا تعني هذه النتائج أن المشي في الشوارع المزدحمة بلا فائدة، لكنها تشير إلى أن اختيار حديقة، أو ممشى هادئ، أو شارع تحيط به الأشجار، متى كان ذلك ممكناً، قد يمنح الشخص فائدة إضافية.
وقد يكون مجرد الابتعاد مؤقتاً عن الضوضاء والشاشات والزحام عاملاً مساعداً على تهدئة الجهاز العصبي، واستعادة التركيز.
هل يحمي المشي من الاكتئاب والقلق؟
تشير دراسات المتابعة إلى وجود علاقة عكسية بين النشاط البدني، وخطر الإصابة بالاكتئاب والقلق، فالأشخاص الأكثر نشاطاً يميلون إلى تسجيل معدلات أقل من هذه الاضطرابات مقارنة بالأشخاص الخاملين.
وأظهر تحليل منشور في دورية JAMA، أن ممارسة قدر من النشاط يعادل نحو ساعتين ونصف أسبوعياً من المشي السريع ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب مقارنة بعدم ممارسة أي نشاط.
واللافت أن جزءاً من الفائدة ظهر حتى لدى الأشخاص الذين مارسوا مستويات أقل من التوصيات الكاملة. وأشار تحليل للدراسة إلى أن ممارسة نصف الكمية الموصى بها ارتبطت أيضاً بانخفاض الخطر مقارنة بالخمول.
وتجعل هذه النتائج المشي خياراً واقعياً للأشخاص الذين يشعرون بأنهم لا يملكون الوقت أو الطاقة لممارسة برنامج رياضي طويل، فالبدء بـ10 أو 15دقيقة يومياً قد يكون أكثر فائدة من انتظار الظروف المثالية للالتزام بساعة كاملة من الرياضة.
تحسين النوم والمزاج
يعاني كثير من المصابين بالتوتر من صعوبة الدخول في النوم، أو الاستيقاظ المتكرر أثناء الليل. وقد يستمر العقل في مراجعة مشكلات اليوم بمجرد إطفاء الأنوار، ما يؤدي إلى الاستيقاظ في اليوم التالي مع شعور أكبر بالإرهاق والانفعال.
وتشير مراجعات علمية إلى أن النشاط البدني المنتظم يمكن أن يحسن جودة النوم، ويقلل الوقت اللازم للدخول فيه. وقد يساعد المشي، خصوصاً في الصباح، أو بعد الظهر، في تنظيم الإيقاع اليومي للجسم، وتعزيز الشعور الطبيعي بالنعاس ليلاً.
كما قد يسهم التعرض للضوء الطبيعي أثناء المشي النهاري في ضبط الساعة البيولوجية، بينما يساعد خفض التوتر الجسدي والنفسي على جعل النوم أكثر استقراراً.
ومع ذلك، قد يجد بعض الأشخاص أن المشي السريع، أو النشاط القوي قبل النوم مباشرة يزيد يقظتهم، ولذلك يمكن تجربة توقيتات مختلفة لمعرفة ما يناسب الجسم.
وبحسب "مايو كلينك"، يمكن للتمارين أن تحسن المزاج، وتقلل القلق بطرق نفسية واجتماعية أيضاً، فالمشي يمنح الذهن استراحة مؤقتة من مصادر القلق، ويساعد الشخص على الشعور بأنه أنجز شيئاً مفيداً لنفسه.
ومع تكرار هذه العادة، قد يزداد الشعور بالكفاءة والثقة والقدرة على السيطرة على جزء من اليوم.
وقد يكون المشي فرصة للتواصل الاجتماعي إذا مورس مع صديق، أو أحد أفراد الأسرة. ويمكن للحديث أثناء السير أن يجعل مناقشة بعض المشكلات أقل توتراً من الجلوس وجهاً لوجه في مكان مغلق.
وفي المقابل، قد يحتاج البعض إلى المشي المنفرد للحصول على فترة من الهدوء بعيداً عن المطالب والاتصالات المتواصلة. ولا توجد طريقة واحدة صحيحة، فالأهم هو اختيار الشكل الذي يمنح الشخص أكبر قدر من الراحة والاستمرارية.
المدة المناسبة للمشي
توصي منظمة الصحة العالمية البالغين عادة بممارسة ما بين 150 و300 دقيقة أسبوعياً من النشاط البدني متوسط الشدة، أو ما بين 75 و150 دقيقة من النشاط عالي الشدة.
ويدخل المشي السريع ضمن النشاط متوسط الشدة عندما يرفع سرعة التنفس ونبض القلب قليلاً، مع بقاء الشخص قادراً على التحدث، وإن كان من الصعب عليه الغناء أثناء السير.
ويمكن تحقيق الحد الأدنى من التوصيات عبر المشي لمدة 30 دقيقة في خمسة أيام أسبوعياً، لكن ليس من الضروري تنفيذ المدة كاملة في جولة واحدة، إذ يمكن تقسيمها إلى فترتين، أو ثلاث فترات قصيرة خلال اليوم.
وتؤكد مراكز مكافحة الأمراض الأميركية أن أي مقدار من الحركة أفضل من الجلوس الكامل. لذلك يمكن اعتبار المشي إلى متجر قريب، أو النزول من وسيلة المواصلات قبل المحطة المعتادة، أو السير بعد الغداء جزءاً من النشاط اليومي المتراكم.
يمكن للشخص الخامل أن يبدأ بعشر دقائق يومياً بوتيرة مريحة، ثم يزيد المدة، أو السرعة تدريجياً. وقد يكون الهدف الأول هو الانتظام، لا الوصول إلى عدد محدد من الكيلومترات.
ومن المفيد اختيار وقت ثابت نسبياً، مثل المشي بعد الإفطار، أو بعد انتهاء العمل، حتى تتحول الممارسة إلى عادة مرتبطة بجزء معروف من اليوم.
والمشي وكبار السن
أظهرت مراجعات علمية أن النشاط البدني يمكن أن يقلل أعراض القلق لدى كبار السن أيضاً. ويعد المشي من أكثر الأنشطة ملاءمة لهذه الفئة لأنه قابل للتعديل وفق الحالة الصحية والقدرة على الحركة.
وقد يبدأ الشخص الأكبر سناً بجولات قصيرة وعلى أرض مستوية، مع استخدام وسيلة مساعدة عند الحاجة، وارتداء حذاء ثابت، وتجنب الأجواء شديدة الحرارة، أو الطرق غير الآمنة.
وينصح من يعانون أمراض القلب، أو مشكلات التوازن، أو آلام المفاصل الشديدة، أو ضيق التنفس باستشارة الطبيب بشأن مستوى النشاط المناسب لهم.
في أغلب الحالات يكون المشي آمناً ومفيداً، لكن تحويله إلى مهمة صارمة قد يقلل فائدته النفسية؛ فإذا أصبح الشخص يلوم نفسه عند تفويت يوم، أو يراقب الأرقام بصورة مفرطة، فقد تتحول العادة إلى مصدر ضغط جديد. لذلك يفضل التعامل مع المشي باعتباره مساحة لاستعادة الهدوء، لا اختبارا للأداء. وقد تكون عشر دقائق مريحة أكثر فائدة نفسياً من جولة طويلة تمارس تحت الشعور بالإجبار أو الذنب.
كما ينبغي التوقف وطلب المشورة الطبية عند ظهور ألم في الصدر، أو دوخة شديدة، أو ضيق تنفس غير معتاد، أو خفقان قوي، أو ألم حاد أثناء المشي.
ورغم فوائده، لا يمثل المشي علاجاً كاملاً لجميع حالات القلق أو الاكتئاب، فهو أداة مساعدة يمكن دمجها مع النوم الجيد، والدعم الاجتماعي، والعلاج النفسي والأدوية عند الحاجة.











