
كشفت دراسة جديدة عن وظيفة غير معروفة سابقاً لجزيئات "البوليامينات" الموجودة بكميات كبيرة داخل الخلايا، إذ تعمل كمخازن مؤقتة للحديد، فتمنعه من الدخول في تفاعلات كيميائية مدمرة، قد تلحق الضرر بالحمض النووي، والبروتينات وأغشية الخلايا.
وقال الباحثون إن هذا الاكتشاف قد يفسر لغزاً بيولوجياً قائماً منذ عقود حول سبب احتفاظ الخلايا بتركيزات مرتفعة للغاية من البوليامينات.
وبحسب الدراسة المنشورة في دورية Cell يفتح الاكتشاف مساراً بحثياً محتملاً لاستغلال سمية الحديد في قتل الخلايا السرطانية، ودراسة بعض أشكال التنكس العصبي.
والحديد عنصر لا غنى عنه للحياة، إذ تحتاج إليه الخلايا في عمليات حيوية، تشمل إنتاج الطاقة، ونقل الأكسجين، وعدد كبير من التفاعلات الكيميائية، لكن وجود كميات زائدة من الحديد في صورة كيميائية نشطة، أو "حرة"، يمكن أن يحوله إلى مصدر للخطر، لأنه يحفز تفاعلات أكسدة قادرة على إتلاف مكونات الخلية.
لغز جزيئات البوليامينات
بدأ العلماء دراسة البوليامينات أساساً بسبب قدرتها على الارتباط بالحمض النووي الريبي، والمساهمة في تشكيل بنيته.
لكن الباحثين اشتبهوا في وجود وظيفة أكبر لهذه الجزيئات؛ لأن الخلايا تحتفظ بها بتركيزات مرتفعة تصل إلى مستويات تقارن من حيث الوفرة بجزيئات رئيسية مثل ATP الذي يمثّل عملة الطاقة في الخلية.
وقال الباحث الرئيسي للدراسة، أنكور جاين، من معهد وايتهيد والأستاذ المشارك في علم الأحياء بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إن العلماء يعرفون منذ فترة طويلة أن الخلايا تتوقف عن النمو والانقسام في غياب البوليامينات، لكن الوظائف المعروفة سابقاً لهذه الجزيئات لا تبدو كافية لتفسير الكميات الكبيرة الموجودة منها.
وللبحث عن وظيفة خفية، لجأ الفريق إلى فحوص جينية واسعة النطاق باستخدام CRISPR، سمحت لهم بدراسة الجينوم على نطاق شامل، وتحديد نقاط الضعف التي تظهر عندما تنخفض مستويات البوليامينات.
وأظهرت النتائج أن انخفاض البوليامينات يجعل بروتيناً، يسمى GPX4، شديد الأهمية لبقاء الخلية حية.
ويُعد GPX4 أحد أهم أنظمة الحماية من "الفيروبتوسيس"، وهو شكل من أشكال موت الخلايا يرتبط بالحديد وتراكم الأضرار التأكسدية في الدهون التي تكون أغشية الخلايا.
البوليامينات والحديد داخل الخلية
وقاد ذلك الباحثين إلى الاشتباه في وجود علاقة مباشرة بين البوليامينات والحديد. وأظهرت التجارب أن نقص البوليامينات يعيد توزيع الحديد داخل الخلية، ويرفع كمية ما يُعرف بالحديد المتاح أو المتفاعل كيميائياً، بالتزامن مع زيادة إنتاج الفيريتين، وهو البروتين الذي تخزّن الخلايا داخله الحديد في صورة أكثر أماناً.
ولفتت النتائج إلى أن الخلية عند فقدان البوليامينات تحاول تعويض اختفاء أحد خطوط دفاعها ضد الحديد من خلال زيادة أنظمة أخرى لتخزينه، ومنع نشاطه الكيميائي.
ولاختبار الفرضية بصورة مباشرة، طوّر العلماء مستشعراً فلورياً وراثياً جديداً، يستطيع رصد الحديد النشط كيميائياً داخل الخلايا الحية.
وعندما استخدم الباحثون هذا المستشعر إلى جانب مستشعر آخر للبوليامينات، وجدوا نمطاً واضحاً: كلما انخفضت مستويات البوليامينات ارتفعت كمية الحديد الكيميائي النشط داخل الخلية.
وخلص الفريق البحثي إلى أن البوليامينات لا تؤدي فقط الوظائف المعروفة المرتبطة بالنمو، والحمض النووي الريبي، بل تعمل أيضاً كعازل كيميائي للحديد، إذ ترتبط بجزء من الحديد المتاح، وتحد من قدرته على إثارة التفاعلات التأكسدية الضارة.
"خزائن جزيئية"
ويمكن تشبيه الآلية بخزائن صغيرة منتشرة داخل الخلية، فالحديد ضروري، لكن تركه متاحاً للتفاعل بحرية قد يكون خطراً، ولذلك تساعد البوليامينات في إبقائه في حالة أقل نشاطاً حتى تحتاج الخلية إليه.
ويمثّل ذلك آلية دفاع إضافية إلى جانب الأنظمة المعروفة لتنظيم الحديد، مثل الفيريتين. كما يقدّم الاكتشاف رابطاً مباشراً بين أيض البوليامينات والفيروبتوسيس، وهو نوع من موت الخلايا يحظى باهتمام متزايد في أبحاث السرطان والأمراض العصبية.
نقطة ضعف محتملة في السرطان
وقد تكون النتائج ذات أهمية خاصة في أبحاث السرطان؛ لأن كثيراً من الخلايا السرطانية تحتفظ بمستويات مرتفعة من البوليامينات لدعم معدل النمو، والانقسام السريع.
وسبق للباحثين تطوير عقاقير تهدف إلى خفض مستويات البوليامينات لإبطاء نمو الأورام، لكن فاعلية هذا النهج بمفرده كانت محدودة في بعض السياقات.
وأشارت الدراسة الجديدة إلى تفسير محتمل وطريقة مختلفة لاستغلال المسار نفسه؛ فحين تنخفض البوليامينات تصبح الخلايا أكثر اعتماداً على GPX4 لحمايتها من الحديد النشط ومن الفيروبتوسيس.
ومن هنا، يرى الباحثون أن الجمع بين علاج يخفض البوليامينات وعلاج يعطل GPX4 قد يجعل الخلايا السرطانية أكثر عُرضة للموت، مقارنة باستهداف أي من المسارين بصورة منفردة.
وقال الباحث المشارك في الدراسة، بوشكال شارما، إن اعتماد الخلايا على GPX4 بعد فقدان البوليامينات يشير إلى احتمال وجود "نقطة ضعف" يمكن استغلالها علاجياً.
لكن هذا الاحتمال لا يزال في مرحلة البحث الأساسي، ولا تعني النتائج أن الجمع بين المسارين أصبح علاجاً مثبتاً للسرطان لدى البشر؛ فالدراسة تكشف آلية خلوية وتقدم فرضية يمكن اختبارها لاحقاً في النماذج الحيوانية والتجارب السريرية.
صلة محتملة بمرض باركنسون
وقد تساعد النتائج أيضاً في فهم بعض الأمراض العصبية، فطفرات في جينات مسؤولة عن نقل البوليامينات داخل الخلايا ارتبطت بأشكال نادرة من مرض باركنسون المبكر، بينما أظهرت دراسات على مدى سنوات اضطرابات في تنظيم الحديد في أدمغة بعض مرضى باركنسون.
ومن بين الجينات ذات الصلة ATP13A2، الذي تؤثر طفراته في تنظيم البوليامينات، وارتبطت بأشكال مبكرة من المرض. وتوفر العلاقة الجديدة بين البوليامينات والحديد فرضية يمكن من خلالها دراسة كيفية تداخل هذين المسارين داخل الخلايا العصبية.
إلا أن الباحثين أكدوا أن الدراسة لا تثبت أن خلل البوليامينات أو زيادة الحديد هو سبب مرض باركنسون، ولا تثبت أن تعديل أحدهما يمكنه علاج المرض، بل تحدد مساراً بيولوجياً يستحق المزيد من البحث.
ويرى الباحثون أن أهمية العمل قد تتجاوز الاكتشاف نفسه، بسبب المستشعر الجديد الذي طوروه لقياس الحديد الكيميائي النشط داخل الخلايا الحية؛ فالكثير من المعلومات التقليدية عن الحديد الخلوي تعتمد على قياس إجمالي الحديد، رغم أن الجزء الأخطر بيولوجياً ليس بالضرورة إجمالي الكمية، وإنما الجزء القادر على الدخول بسرعة في التفاعلات الكيميائية.
ومن خلال مراقبة هذا الحديد في الوقت الحقيقي، قد يتمكن الباحثون من دراسة دوره بصورة أكثر دقة في الشيخوخة، والسرطان، والتنكس العصبي وغيرها من الحالات المرتبطة بالإجهاد التأكسدي.











