
أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في رسالة رسمية وجهها إلى الكونجرس الجمعة، أن الأعمال القتالية ضد إيران "انتهت"، رغم استمرار وجود قوات أميركية في المنطقة.
وحصلت "الشرق" على الرسالة التي بعثها الرئيس ترمب إلى رئيس مجلس النواب مايك جونسون ورئيس مجلس الشيوخ المؤقت السيناتور تشارلز جراسلي، لإبلاغهم بوقف الأعمال القتالية ضد إيران.
وقالت وكالة "أسوشيتد برس"، في تقرير، إن هذا الإعلان من ترمب يُسقط عملياً المهلة القانونية التي كانت تنتهي في الأول من مايو، والتي كانت تتطلب الحصول على موافقة الكونجرس لمواصلة الحرب مع إيران، وهي مهلة كان يُتوقع أن تمر دون أي إجراء من جانب المشرعين الجمهوريين الذين يفضلون ترك القرار للرئيس.
وأضافت الوكالة أن الرسالة تسلط الضوء على التوسّع الجريء، والمُثار حوله جدل بشأن مدى قانونيته، في صلاحيات الرئيس خلال الحرب التي بدأها ترمب قبل شهرين دون الحصول على موافقة الكونجرس.
نص رسالة ترمب إلى الكونجرس
"أكتب لإبلاغكم بالتغييرات التي طرأت على وضع قوات الولايات المتحدة المسلحة فيما يتعلق بمنطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية، وذلك في إطار جهودي لإبقاء الكونجرس على اطلاع كامل، وبما يتماشى مع قانون صلاحيات الحرب.
في الثاني من مارس 2026، أبلغتُ الكونجرس بأن قوات الولايات المتحدة قد بدأت عملية "الغضب الملحمي" في الثامن والعشرين من فبراير 2026. وشرعت في تنفيذ ضربات دقيقة ضد النظام الإيراني. وقد أمرتُ بهذه العملية بما يتسق مع مسؤوليتي في حماية المواطنين الأميركيين ومصالح الولايات المتحدة داخل البلاد وخارجها، وتعزيز الأمن القومي الأميركي ومصالح السياسة الخارجية.
وفي السابع من أبريل 2026، أمرتُ بوقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين، وقد تم تمديد هذا الوقف منذ ذلك الحين، ولم يحدث أي تبادل لإطلاق النار بين قوات الولايات المتحدة وإيران منذ السابع من أبريل 2026.
الأعمال القتالية التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 قد انتهت.
ورغم نجاح العمليات الأميركية ضد النظام الإيراني واستمرار الجهود لتأمين سلام دائم، فإن التهديد الذي تمثله إيران للولايات المتحدة وقواتنا المسلحة لا يزال كبيراً.
وبناءً على ذلك، تواصل وزارة الحرب تحديث وضع قواتها في منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية في بعض الدول، حسبما تقتضيه الضرورة وبما يتناسب مع التهديدات التي تشكلها إيران ووكلائها، وذلك لحماية الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها. وترد تفاصيل هذه التغييرات بشكل أكثر اكتمالًا في المرفق المصنف لهذه الرسالة.
لقد قمت وسأستمر في توجيه القوات المسلحة للولايات المتحدة بما يتماشى مع مسؤولياتي وبموجب سلطتي الدستورية في إدارة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، وبصفتي القائد الأعلى ورئيس السلطة التنفيذية.
ومع تطور الوضع، سأواصل إطلاع الكونجرس على أي تغييرات مهمة في انتشار قوات الولايات المتحدة المسلحة، وذلك بما يتماشى مع قانون صلاحيات الحرب. وأقدّر دعم الكونجرس لهذه الإجراءات".
وينُص قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 على ضرورة انسحاب القوات الأميركية من أي نزاع خلال 60 يوماً من إخطار الرئيس للكونجرس، ما لم يصوّت المشرعون لصالح تفويض استمرار العمليات. كما يتيح القانون تمديداً إضافياً لمدة 30 يوماً بهدف إنهاء الصراع.
كما ينص الدستور الأميركي على أن الكونجرس وحده، وليس الرئيس، هو الذي يمكنه إعلان الحرب، لكن هذا القيد لا ينطبق على العمليات قصيرة الأجل أو لمواجهة تهديد فوري.
جدل قانوني حول صلاحيات الحرب
من جانبها، قالت مجلة "بوليتيكو" إن الرئيس الأميركي سعى في الرسالة إلى احتواء الجدل المتصاعد بشأن ضرورة حصول الإدارة على موافقة تشريعية لاستمرار العمليات العسكرية، إضافة إلى تبرير عدم طلبه تفويضاً من الكونجرس بعد وصول الحرب في إيران إلى عتبة الـ60 يوماً القانونية.
ووفقاً للرسالة، فإن وقف إطلاق النار مع طهران "يُوقف فعلياً احتساب هذه المهلة".
وتهدف الرسالة إلى احتواء تصاعد الخلاف داخل الكونجرس، حيث يواجه ترمب احتمال تراجع الدعم الجمهوري مع دخول الحرب شهرها الثاني من دون استراتيجية خروج واضحة.
إلّا أن هذا التفسير لا يحظى بقبول لدى الديمقراطيين وبعض الجمهوريين، الذين يرون أن الإدارة مطالبة بإنهاء العمليات العسكرية فور الوصول إلى هذا الحد الزمني.
وقال ترمب في رسالته: "لم يحدث أي تبادل لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران منذ 7 أبريل 2026"، مشيراً إلى وقف إطلاق النار الذي قال إنه مدّده إلى أجل غير مسمى.
وتأتي الرسالة في ظل تعثر المحادثات واستمرار الحصار العسكري على الموانئ الإيرانية.
وذكر ترمب للصحافيين قبيل مغادرته البيت الأبيض متوجهاً إلى فلوريدا، الجمعة، إنه قدّم لإيران "عرضاً نهائياً"، لكنه أعرب عن تشاؤمه بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الإيرانية التي وصفها بأنها "مفككة".
وأضاف: "لقد أحرزوا تقدماً، لكنني لست متأكداً من أنهم سيصلون إلى اتفاق… لست راضياً. إنهم يريدون صفقة، لكنني غير راضٍ".
وقدّم وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث، خلال جلسة في الكونجرس، الخميس، الحجة القانونية التي تستند إليها الإدارة لمواصلة العمليات في الشرق الأوسط، قائلاً إن وقف إطلاق النار "يعني توقف عداد الستين يوماً".
انقسام داخل الحزب الجمهوري
وظهرت مؤشرات تراجع في الدعم الجمهوري شبه الكامل لترمب، عندما أصبحت السيناتور سوزان كولينز من ولاية مين أول عضو جمهوري في مجلس الشيوخ يغيّر موقفه منذ بدء الحرب في فبراير الماضي.
وكانت كولينز، التي تُعد من أبرز المشرعين الجمهوريين المهددين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، قد أشارت ضمنياً إلى أنها لن تدعم استمرار الحرب بعد انتهاء المهلة القانونية. وقالت في بيان: "هذه المهلة ليست مجرد اقتراح، بل هي شرط إلزامي".
ويرى مراقبون أن هذا التطور قد يشير إلى بداية تآكل الدعم الجمهوري للحرب، خصوصاً في ظل تزايد الضغوط الشعبية لإنهائها.
في المقابل، هاجم ترمب بعض المشرعين الذين يطالبون بتفويض الكونجرس، قائلاً: "لا أعتقد أن ما يطلبونه دستوري. هؤلاء ليسوا وطنيين".
خلاف دستوري متصاعد
ويقول معارضو موقف الإدارة إن ترمب يسيء تفسير قانون عام 1973، مشيرين إلى أن القوات الأميركية ما زالت منخرطة في حصار عسكري يهدف إلى الضغط على طهران، إضافة إلى بقاء نحو 50 ألف جندي أميركي في الشرق الأوسط، رغم وقف إطلاق النار.
كما زعم ترمب يوم الخميس أن الرؤساء السابقين لم يلتزموا بمهلة الستين يوماً، قائلاً: "كما تعلمون، تجاوز العديد من الرؤساء هذه القاعدة… واعتبرها الجميع تقريباً غير دستورية".
وفي السياق ذاته، أكد مسؤولون في البنتاجون لـ"بوليتيكو" أن القوات الأميركية لا تزال على أهبة الاستعداد لاستئناف الهجمات على إيران في حال انهيار محادثات السلام.
من جانبه، قال السيناتور الديمقراطي تيم كاين إن فكرة إعلان البيت الأبيض انتهاء الحرب دون سحب القوات من المنطقة "خاطئة تماماً"، داعياً الجمهوريين إلى التوحد مع الديمقراطيين لمحاسبة الإدارة على هذا الانتهاك، على حد تعبيره.
مهلة "60 يوماً" جديدة
ووفقاً لوكالة رويترز، فإنه إذا استؤنف القتال، بإمكان ترمب أن يقول للمشرعين إنه بدأ مهلة أخرى من 60 يوماً. وفعل رؤساء من كلا الحزبين ذلك مراراً، عند شن أعمال عدائية على فترات متقطعة، منذ إقرار الكونجرس قانون صلاحيات الحرب بعد حرب فيتنام.
وفي السياق ذاته، أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن "هذا التفسير القانوني يعني أن مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في قانون صلاحيات الحرب أُغلقت مع وقف العمليات، وأنها ستبدأ من جديد فقط إذا استؤنفت الأعمال القتالية، وهو ما يتوقع أن يعترض عليه ديمقراطيون في مجلس الشيوخ".









