
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه سيرفع الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات والشاحنات الواردة من الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل، إلى 25%، مبرراً ذلك بعدم التزام التكتل بالاتفاق التجاري المُبرم مع واشنطن، في خطوة قد تهز الاقتصاد العالمي الذي يعاني جراء تداعيات حرب إيران، في حين اتهم رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، إدارة ترمب بـ"انتهاك" الاتفاق.
وقال ترمب في منشور على منصته للتواصل الاجتماعي "تروث سوشيال": "نظراً لعدم التزام الاتحاد الأوروبي باتفاق التجارة المبرم بيننا، سأرفع خلال الأسبوع المقبل الرسوم الجمركية المفروضة على صادرات الاتحاد الأوروبي من السيارات والشاحنات إلى الولايات المتحدة".
وأضاف: "من المفهوم والمتفق عليه تماماً أنه في حال أنتجت شركات الاتحاد الأوروبي سيارات وشاحنات في مصانع مقرها الولايات المتحدة، فستكون معافاة من أي رسوم".
وقال ترمب رداً على سؤال صحافيين بشأن زيادة ضرائب الاستيراد أثناء مغادرته البيت الأبيض متوجهاً إلى فلوريدا، إن الرسوم الجمركية المرتفعة ستجبر شركات صناعة السيارات الأوروبية على نقل إنتاج مصانعها إلى الولايات المتحدة بشكل أسرع.
وأضاف: "يربطنا اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي. لكنهم لم يلتزموا به. لذلك رفعت الرسوم الجمركية على السيارات والشاحنات إلى 25%، وهذا يعني أن مليارات الدولارات قادمة إلى الولايات المتحدة، وسيجبرهم ذلك على نقل إنتاج مصانعهم بوتيرة أسرع بكثير".
كان ترمب ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، قد وافقا على الاتفاق التجاري في يوليو الماضي. وحدد الاتفاق سقفاً للرسوم الجمركية بنسبة 15% على معظم السلع، على الرغم من أن المحكمة العليا الأميركية قضت هذا العام بعدم صحة الصلاحيات القانونية التي استند إليها ترمب لفرض تلك الضريبة.
وأدى ذلك إلى بحث ترمب عن صلاحيات بديلة، حيث فرضت إدارته ضريبة بنسبة 10% في الوقت الذي تجري فيه تحقيقات بشأن اختلالات التوزان التجاري، وقضايا أمن قومي بهدف فرض رسوم جمركية جديدة لتعويض الإيرادات المفقودة.
تداعيات حرب إيران
وأشارت وكالة "أسوشيتد برس" إلى أن هذه الرسوم الجمركية تأتي في وقت أثقلت فيه الحرب مع إيران كاهل الاقتصاد العالمي، مع توقعات بتباطؤ النمو وارتفاع التضخم، وذلك في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي نتيجة إغلاق مضيق هرمز الحيوي بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي.
وفي الوقت نفسه، يواجه ترمب ضغوطاً سياسية في الولايات المتحدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، بسبب ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة.
وكان البرلمان الأوروبي يتحرك ببطء لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية التجارة التي أبرمت العام الماضي، لكن كان من المتوقع أن ينتهي من العمل على الاتفاق الشهر المقبل.
وقال الاتحاد الأوروبي في بيان، إنه ينفذ "التزاماته وفقاً للممارسات التشريعية المعتادة"، وإنه في حال "اتخذت الولايات المتحدة تدابير تتعارض مع" تلك الاتفاقية، "فإننا سنبقي خياراتنا مفتوحة لحماية مصالح الاتحاد الأوروبي".
لم يرد مسؤولو إدارة ترمب على الأسئلة المتعلقة بزيادة الرسوم الجمركية، ولا السبب الذي دفع ترمب إلى القول بأن الاتفاقية قد انتهكت. لكن علاقة ترمب بأوروبا كانت متوترة، حيث هدد في وقت سابق من العام الجاري بالسيطرة على جرينلاند، ثم انتقد حلفاء الناتو في وقت لاحق لعدم تقديمهم مزيداً من الدعم للولايات المتحدة في حرب إيران.
رد أوروبي
في المقابل، كتب رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي، بيرند لانج، في منشور على منصة "إكس"، أن زيادة ترمب للرسوم الجمركية على السيارات "غير مقبولة"، وأن إدارة ترمب "تستمر في انتهاك التزاماتها"، بما في ذلك الضرائب على استيراد منتجات الصلب والألومنيوم.
واعتبر لانج، في تصريحات لـ"بلومبرغ"، أن "هذه الخطوة الأخيرة تُظهر مدى عدم موثوقية الجانب الأميركي. هذه ليست الطريقة التي يُعامل بها الشركاء المقربون".
وفي إشارة إلى التعريفات الأميركية على الصلب والألومنيوم، قال لانج: "لقد انتهكت الولايات المتحدة الاتفاقية بشكل متكرر". وأضاف: "لقد شهدنا بالفعل هذه الهجمات التعسفية من جانب الولايات المتحدة في قضية جرينلاند".
وأكد لانج مجدداً أن البرلمان الأوروبي يعمل على صياغة تشريع للتصديق على الاتفاقية التجارية مع الولايات المتحدة، ويأمل في الانتهاء منه في يونيو المقبل.
ورفضت سيجريد دي فريس، المديرة العامة للهيئة الأوروبية لصناعة السيارات Acea، التعليق مباشرة على خطوة ترمب. لكنها قالت إن "العودة إلى فرض رسوم جمركية بنسبة 27.5 %، واستمرار النزاع التجاري إلى أجل غير مسمى سيكون لهما أثر ضار للغاية على شركات تصنيع السيارات الأوروبية وعمالها، وعلى اقتصاد الاتحاد الأوروبي ككل".
وقالت جينيفر سافافيان، الرئيسة التنفيذية لشركة "أوتوس درايف أميركا" Autos Drive America التي تمثل العمليات الأميركية لشركات تصنيع السيارات الأجنبية، إن زيادة الرسوم الجمركية "من شأنها أن تهدد التقدم الذي أحرز بالفعل في فتح أسواق الاتحاد الأوروبي، وتنمية صناعة السيارات الأميركية".
وكانت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أكدتا في وقت سابق التزامهما بالحفاظ على الإطار التجاري، المعروف باسم "اتفاقية تيرنبيري"، التي سميت على اسم ملعب ترمب للجولف في اسكتلندا.
وفرضت إدارة ترمب العام الماضي رسوماً جمركية نسبتها 25% على واردات السيارات العالمية بموجب قانون تجاري يتعلق بالأمن القومي، لكنها أبرمت اتفاقاً مع الاتحاد الأوروبي في أغسطس يخفض هذه الرسوم إلى 15% على معظم السلع الواردة من الاتحاد الأوروبي.
وفي المقابل، وافق الاتحاد الأوروبي على إلغاء الرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية الأميركية، بما يشمل السيارات، وقبول معايير السلامة والانبعاثات الأميركية للمركبات.
وقد أثيرت الشكوك حول مصير اتفاقية عام 2025 لأول مرة بعد أن قضت المحكمة العليا الأميركية هذا العام بأن الرئيس يفتقر إلى الصلاحية القانونية لإعلان حالة طوارئ اقتصادية، وفرض رسوم جمركية على البضائع الواردة من دول الاتحاد الأوروبي ودول أخرى.
وقد فتحت إدارة ترمب تحقيقات تجارية بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974 لتعويض الرسوم الجمركية التي ألغتها المحكمة. وتركز إحدى التحقيقات على ما إذا كان هؤلاء الشركاء التجاريون متساهلين في مكافحة العمل القسري. بينما تتناول تحقيقات أخرى مزاعم بأنهم أفرطوا في إنتاج السلع، ما أدى إلى انخفاض الأسعار ووضع المصنعين الأميركيين في موقف ضعف.
الاتفاق مع بروكسل
وحذرت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، من أن هذه الخطوة تهدد بتقويض الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن وبروكسل الصيف الماضي، بعد أشهر من إعلان ترمب عن "يوم التحرير" في الحرب التجارية، في إشارة إعلان فرض رسوم جمركية على عشرات الدول.
وهذه التعريفات الجمركية البديلة التي تدرسها إدارة ترمب ربما تؤدي في نهاية المطاف إلى تعريض الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي لخطر الانتهاك، على الرغم من أن مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون التجارة والأمن الاقتصادي، ماروش شيفتشوفيتش، صرح للصحافيين الأسبوع الماضي، بأن العلاقة مع الولايات المتحدة أصبحت "أكثر إيجابية" خلال العام الماضي.
وقال سكوت لينسيكوم من مركز دراسات السياسة التجارية التابع لمعهد "كاتو" Cato Institute، إنه لرفع معدلات الرسوم الجمركية، من المرجح أن يستخدم الرئيس المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، التي تسمح بفرض رسوم جمركية لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
وفرض ترمب رسوم جمركية بنسبة 25% بموجب المادة 232 على السيارات الأجنبية في مارس 2025، لكن تلك الرسوم خفضت لاحقاً في إطار الاتفاق التجاري مع الاتحاد الأوروبي.
واعتبر لينسيكوم أيضاً، أن تهديدات ترمب هي "مجرد مثال آخر على سبب كون هذه الاتفاقيات التجارية مجرد وعود جوفاء. فهي تعتمد جميعها على المصافحات والغمزات والأمل في ألا يغضب ترمب من شيء ما".
وكان الاتحاد الأوروبي قال إنه يتوقع أن توفر الاتفاقية الثنائية لشركات صناعة السيارات الأوروبية ما بين 500 مليون و600 مليون يورو (585 مليون إلى 700 مليون دولار) شهرياً.
وبلغت قيمة التجارة في السلع والخدمات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة 1.7 تريليون يورو (2 تريليون دولار) في عام 2024، أي بمتوسط 4.6 مليار يورو يومياً، وفق وكالة الإحصاءات الأوروبية "يوروستات".












