
قبل 15 أسبوعاً، وفي ذروة حرب إيران، تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن أي اتفاق مع طهران لن يكون أقل من "استسلام غير مشروط"، إلا أن "مذكرة التفاهم" التي كشف عنها البيت الأبيض، مساء الأربعاء، والتي حرص أحد كبار المسؤولين على شرحها والدفاع عنها بنداً بنداً، لا تعكس في مضمونها صورة "وثيقة الاستسلام".
في بداية الحرب، حدد ترمب معايير طموحة للغاية لأي تسوية ناجحة مع إيران، شملت بالإضافة إلى "الاستسلام غير المشروط"، التفكيك الكامل لبرنامج طهران النووي، ووقف تخصيب اليورانيوم، وفرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف تمويل الوكلاء، بل إن ترمب قال إنه يرغب في اختيار المرشد الإيراني.
وأظهرت "مذكرة التفاهم" اختلافاً عميقاً بين الشروط الأولية التي وضعها ترمب وما تم التوصل إليه، بل إنه أثار تساؤلات عدما أعرب، الأربعاء، عن تفهمه لرغبة إيران في امتلاك صواريخ، والسعي إلى تطوير الطاقة النووية. وقال: "لا بد أن يكون لديهم بعضها لأن الآخرين يمتلكونها. الصواريخ ليست هي المشكلة".
وعلى الرغم من تكبد الإيرانيين، خسائر فادحة في الحرب، لكنهم استخلصوا من هذه المواجهة أن "الفوضى الاقتصادية" يمكن استخدامها كسلاح، كما تمكنوا من استعادة القدرة على جني مئات المليارات من الدولارات من مبيعات النفط، ما يخفف الضغط على الحكومة.
وتنص "مذكرة التفاهم" على أن "تجري إيران حواراً مع سلطنة عُمان لتحديد آليات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز"، ويبدو أن هذا يتعارض مع تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قبل بضعة أسابيع فقط، والتي ذكر فيها أن أي شيء بخلاف نوع المرور الحر عبر المضيق الذي عرفه العالم قبل الحرب، هو أمر "غير مقبول"، و"لا يمكن أن يحدث".
وتحدد المذكرة، التي وقعها ترمب والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، مساء الأربعاء، مساراً يمكن لإيران من خلاله البدء في تلقي أصول بقيمة مليارات الدولارات كانت مجمدة منذ سنوات.
ويصر ترمب على أن الأموال لن يُفرج عنها إلا مقابل "سلوك حسن"، وهي خطوة تشبه التنازل الذي قدمه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قبل 11 عاماً، والذي لم يتوقف ترمب عن انتقاده بشدة منذ ذلك الحين.
الاتفاق النهائي
واعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز"، أنه إذا كانت "المرحلة الأولى" من استراتيجية إيران قد حققت معظم أهدافها، فإن هناك مخاوف بشأن تنفيذ طهران لـ"المرحلة الثانية"، والتي قد تتمثل في المماطلة وربح مزيد من الوقت.
ففي المفاوضات السابقة، أتقن الإيرانيون فن الجدال حول كل فقرة، ووضعوا عقبات جديدة أمام عمليات التفتيش، أو أعادوا تفسير معنى "البحوث النووية" بحيث تشمل استمرار تخصيب اليورانيوم.
ويقول مفاوضون أميركيون سابقون لـ"نيويورك تايمز"، إن عدداً قليلاً من المشاركين في هذه العملية تفوق على وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وهو مفاوض مخضرم في المحادثات السابقة.
وأقر ترمب وفريقه بأن التوصل إلى اتفاق نهائي قد لا يحدث أبداً، لكنه قال، الأربعاء، إنه "إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق في غضون 60 يوماً، فسنعود إلى القصف". وأضاف لاحقاً أن الموعد النهائي قد يتغير.
وفي رده على المنتقدين للاتفاق، قال ترمب إن "هؤلاء المتشددين سيقودون البلاد إلى الهاوية"، ووصفهم بأنهم "أغبياء" لرغبتهم في مواصلة قصف إيران.
وشدد ترمب على أنه لا يريد أن يتسبب في "كارثة" اقتصادية ويصبح نسخة أخرى من الرئيس الأميركي السابق هربرت هوفر، الذي تولى الرئاسة خلال فترة الكساد الكبير في عشرينيات القرن الماضي.
وأضاف ترمب: "لقد كان دائماً الشخص الذي لم أرغب في أن أكون مثله"، في إشارة إلى الرئيس الحادي والثلاثين، الذي شهد فترة انهيار الأسواق التي أدت إلى "الكساد الكبير".
وتابع: "لم أرغب في رؤية كارثة اقتصادية"، وأشار لاحقاً إلى أنه لو استمرت الحرب، لكانت مخزونات النفط قد بدأت في النفاد.
وأشار ترمب إلى أن الأهداف العسكرية الأميركية، مثل تدمير البحرية الإيرانية، قد تحققت، معتبراً أن "مذكرة التفاهم" تفتح الطريق للحد من برنامج إيران النووي على المدى الطويل.
ولفت الرئيس الأميركي إلى أن حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط، ربما باستثناء إسرائيل، يرغبون في إنهاء الحرب وتوقيع الاتفاق.
نقاط خلاف رئيسية
وإحدى نقاط الخلاف، التي يركز عليها المنتقدون، هي أن مذكرة التفاهم تقتصر على دعوة إيران إلى فتح مضيق هرمز دون قيود لمدة 60 يوماً، ما يترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية فرض رسوم عبور بعد ذلك. ورداً على ذلك، قال مسؤول أميركي للصحافيين، إن ذلك لن يحدث لأن دول الخليج لن توقع على أي اتفاق يسمح بذلك.
كما تدعو "مذكرة التفاهم" إلى وضع خطة لإنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران.
ونفى ترمب أن تساهم الولايات المتحدة بأموال في مثل هذا الصندوق، وقال مسؤولون أميركيون، إن الأمر يتعلق أساساً بإمكانية إجراء استثمارات بعد التوصل إلى اتفاق نووي، مثل السماح ببناء محطة لتوليد الطاقة في إيران.
ورغم أن الإدارة الأميركية تقول إن هذا الاتفاق كان قائماً بالكامل على مبدأ "الدفع مقابل الأداء"، فإن نص الاتفاق يوضح أن إيران ستحصل على إعفاءات من العقوبات لبيع النفط بحرية طالما استمرت المفاوضات.
وقال مسؤولون أميركيون، إن النتائج العملية المترتبة على الاتفاق ستكون محدودة لأن إيران تصدر النفط بالفعل إلى الصين.
ولا تتطرّق مذكرة التفاهم إلى صواريخ إيران الباليستية، أو دعمها للجماعات المرتبطة بها في المنطقة، على الرغم من إصرار ترمب منذ ولايته الأولى على أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يشمل تلك القضايا.
ويبدي بعض أعضاء الفريق القيادي لترمب، ومنهم مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA، جون راتكليف، شكوكاً كبيرة في أن الإيرانيين ينوون تقديم تلك التنازلات، حسبما نقل موقع "أكسيوس".









