ترمب يغيّر سياسة العقوبات على إيران ويربك الأسواق والبنوك | الشرق للأخبار

ترمب يغيّر سياسة العقوبات على إيران ويربك الأسواق والبنوك

time reading iconدقائق القراءة - 8
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال فعالية في واشنطن العاصمة. 26 يونيو 2026 - Reuters
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال فعالية في واشنطن العاصمة. 26 يونيو 2026 - Reuters

في تحولٍ غير مسبوق في السياسة الأميركية تجاه إيران، تقود إدارة الرئيس دونالد ترمب مساراً لإعادة تفكيك منظومة عقوبات امتدت لعقود، في إطار اتفاقٍ أوسع يهدف إلى إنهاء الحرب، وفتح مضيق هرمز، وخفض أسعار الطاقة عالمياً، وفق ما نقلته "بلومبرغ".

غير أن هذا التوجه، بحسب الوكالة، يضع الحكومات والبنوك والشركات أمام حالةٍ من الارتباك، مع تداخلٍ معقد بين قيود قديمة وتراخيص جديدة لا تزال غير مستقرة حتى الآن.

ومنذ الثورة الإيرانية عام 1979، أصبحت طهران واحدة من أكثر الدول خضوعاً للعقوبات في العالم، بفعل برنامجها النووي ودعمها لمجموعات مسلحة في المنطقة. لكن البيت الأبيض يشهد حالياً، وفق الوكالة، انعطافة حادة تقود إلى إعادة فتح قنوات اقتصادية ومالية كانت مغلقة لعقود، في إطار تسوية سياسية أوسع.

اقرأ أيضاً

كيف حاصرت العقوبات إيران منذ ثورة 1979؟

منذ الثورة 1979 تواجه طهران عقوبات متواصلة طالت النفط والمال والأصول الخارجية وغيرت مسار اقتصادها لعقود.

ورغم الزخم السياسي، لم تَسرِ العملية بسلاسة على الإطلاق، إذ اتهم ترمب إيران، الجمعة، بانتهاك وقف إطلاق النار الهش، فيما نفذت القيادة المركزية الأميركية ضربات جديدة على أهداف داخل طهران، كما لا تزال نقاط خلاف متعددة تهدد بانهيار هذه التفاهمات.

ومع ذلك، فقد فاجأ إيقاع هذا الجهد وحجمه المراقبين المخضرمين لملف العقوبات. وكانت الولايات المتحدة قد أجازت بالفعل بيع النفط والوقود الإيراني، وتعهدت بالإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال المجمّدة.

وتنص مذكرة التفاهم، التي وقعها ترمب ونظيره الإيراني مسعود بيزشكيان في 17 يونيو الجاري، على رفع جميع العقوبات الأميركية المفروضة على طهران "وفق جدول زمني متفَق عليه"، مع منح وزارة الخزانة تفويضاً بإصدار إعفاءات من العقوبات القائمة لمدة 60 يوماً ريثما تُستكمل المفاوضات الفنية.

مخاوف امتثال في الأسواق

ويرى مسؤولون سابقون في وزارة الخزانة، ومحامون متخصصون في العقوبات، ومصادر مطلعة على ملف العقوبات في القطاع المالي، أن هذا التحول المُربك قد يكون صعب التنفيذ، لا سيما بالنسبة للمؤسسات المالية الأميركية التي تتسم بحذر شديد تجاه مخاطر الامتثال.

ونقلت "بلومبرغ" عن آدم سميث، المستشار السابق لمدير مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية، قوله: "يجب التأكد بنسبة 100% من التزام المؤسسات المالية بالشروط"، مضيفاً أن "بعض المعاملات الفردية خلال فترة الستين يوماً قد تكون ممكنة، لكن العثور على بنوك أو وسطاء مستعدين لتنفيذها قد يظل تحدياً".

آليات دفع مثيرة للجدل

وفي ظل حالة عدم اليقين هذه، يضغط بعض المتشددين داخل الإدارة الأميركية تجاه إيران باتجاه تحويل عائدات النفط الإيراني من مدفوعات نقدية إلى حسابات ضمان، بما يضمن عدم وصول الأموال إلى جماعات مسلحة في المنطقة.

وكان ترمب قد ألمح علناً إلى إمكانية إيداع الأموال الإيرانية في حسابات ضمان خاضعة للسيطرة الأميركية، أو قصر إنفاقها على شراء منتجات زراعية أميركية، وهي أفكار لم تتضمنها مذكرة التفاهم ورفضتها طهران وسخرت منها.

وأشارت المصادر إلى أن فكرة استخدام الأموال المجمّدة لشراء منتجات زراعية أميركية طُرحت للمرة الأولى خلال اجتماع في المكتب البيضاوي قبل نحو شهر، بحضور ترمب ونائبه جي دي فانس ومستشارين آخرين لشؤون إيران.

واعتبرت هذه الخطوة وسيلةً لحماية البيت الأبيض من الانتقادات التي وجّهها الجمهوريون لإدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بسبب تسليم إيران "كميات هائلة من الأموال النقدية"، على حد قول المصدر، مضيفاً أنهم اعتقدوا أن طهران لم يكن أمامها خيار سوى قبول مثل هذه الآلية.

فرصة أم مخاطرة؟

وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن إيران ستصدر فواتير صادرات النفط بالدولار الأميركي، وهو ما يمثل تحولاً عن السياسة الأميركية التقليدية التي سعت إلى عزل طهران عن النظام المالي الأميركي.

لكن تنفيذ هذا التوجه يتطلب إشراك بنوك أميركية كبرى أو بنوك مرتبطة بالولايات المتحدة، وهي مؤسسات ظلت مترددة في التعامل مع أي معاملات خشية انتهاك العقوبات، وفقاً لمسؤول سابق في وزارة الخزانة.

وكانت أولى الخطوات، الاثنين، عندما أصدرت وزارة الخزانة "الترخيص العام إكس"، الذي يسمح بإجراء مبيعات النفط عبر أموال مُقوّمة بالدولار.

وبحسب مصادر في القطاع النفطي، تتجه الشركات إلى طلب توجيهات واضحة من وزارة الخزانة، تشمل خطابات طمأنة أو أوراقاً إرشادية تُصدر عادةً في القضايا الشائكة، بهدف إقناع أقسام الامتثال لديها بجواز المشاركة في هذه المعاملات.

وأضاف المصدر أن الشركات تتطلع إلى الحصول على توجيهات مماثلة لتلك التي صدرت بشأن فنزويلا بعد اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في يناير الماضي.

ويرى خبراء قانونيون أن المؤسسات المالية ستكون أكثر تحفظاً من عملائها مع بدء تفكيك أنظمة العقوبات. وقال مايكل هونك، المحامي المتخصص في التجارة والأمن القومي لدى شركة "مورجان، لويس آند بوكيوس"، إن "المؤسسات المالية عادةً ما تكون أكثر تجنباً للمخاطر من عملائها عندما تبدأ برامج العقوبات في التفكك"، مضيفاً أنه يتوقع استمرار الحذر الشديد.

وتشير "بلومبرغ" إلى أن التسرع والمخاطرة بانتهاك محتمل ليسا مقامرة مغرية، مشيرةً إلى أن بنوكاً كبرى مثل "BNP Paribas" دفعت نحو مليار دولار لتسوية اتهامات مع الولايات المتحدة عام 2014 على خلفية انتهاك عقوبات مفروضة على إيران والسودان، فيما تكبدت بنوك أخرى غرامات باهظة.

وفرضت الإدارات الأميركية المتعاقبة، بالتعاون مع الكونجرس، مئات العقوبات على إيران على مدار سنوات، ما أدى إلى تراكم طبقات معقدة من القيود صُممت بحيث يصعب رفعها دفعة واحدة.

معركة صعبة

وينُص قانون صدر عام 2015، يُعرف باسم "قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني"، على ضرورة مراجعة أي اتفاق نووي والموافقة عليه من قِبل الكونجرس، وقد أُقر هذا القانون عقب توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة، التي نُفذت خلال إدارة أوباما، وهي اتفاقية انتقدها ترمب مراراً قبل أن ينسحب منها عام 2018.

وبحسب مصادر مطلعة، يعتقد بعض المشرعين الأميركيين المتشددين أن الإدارة قد تتحايل على القانون بالقول إن مذكرة التفاهم مع إيران "ليست اتفاقاً نووياً"، رغم أنها تتناول هذا الملف بشكل مباشر.

وأضاف المصدر أنه في حال حدوث ذلك، فمن المرجح أن تمارس الولايات المتحدة مزيداً من الضغوط على البنوك والشركات التي تتعامل مع إيران، مع تذكيرها بالتزاماتها بموجب القانون الأميركي.

وأشار المصدر إلى قانونٍ صدر عام 2012 يُعرف باسم "قانون الحد من التهديد الإيراني وحقوق الإنسان في سوريا"، والذي يُلزم الشركات المدرجة في البورصات الأميركية بالإفصاح عن بعض الأنشطة المرتبطة بإيران أمام هيئة الأوراق المالية والبورصات، ما قد يعرّضها لاحقاً لرقابةٍ من الكونجرس في حال انهيار الاتفاق.

وقال كريس كينيدي، رئيس تحليل السياسات الاقتصادية في "بلومبرغ إيكونوميكس"، إن "الترخيص العام إكس" يمثل "تخفيفاً غير مسبوق في حجم القيود المفروضة على إيران". لكنه أضاف أن الاعتماد على التراخيص المؤقتة بدلاً من إصدار تشريعات جديدة يعني أن إدارة ترمب ستواجه، على المدى الطويل، معركة صعبة لتحقيق وعدها برفع العقوبات عن طهران بشكل دائم.

تصنيفات

قصص قد تهمك