
ابتعد وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث عن واجهة المشهد في الملف الإيراني منذ توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، بينما برز نائب الرئيس جي دي فانس في الدفاع عن المسار الدبلوماسي الذي لا يزال يواجه تحديات.
وتراجع الحضور الإعلامي لهيجسيث، الذي كان الواجهة الأبرز لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال العمليات العسكرية ضد إيران، منذ توقيع مذكرة التفاهم في 17 يونيو الماضي لإنهاء الحرب، من دون التوصل إلى تنازلات كبيرة من طهران بشأن برنامج الصواريخ أو مخزونات المواد النووية، بحسب صحيفة "ذا هيل".
ويعكس هذا التوزيع في الأدوار، وفق الصحيفة، ما نُقل عن مداولات داخل الإدارة الأميركية، إذ قال ترمب في مارس الماضي إن هيجسيث كان "أول من" أيّد الخيار العسكري ضد إيران، في حين كان فانس أقل حماساً لتلك المقاربة.
وقال مدير السياسات في منظمة "بول موس بروجيكت" المحافظة، أنتوني كونستانتيني، إن هيجسيث أدى خلال العمليات العسكرية دور "الشرطي السيئ"، فيما يضطلع فانس حالياً بدور "الشرطي الجيد" في مرحلة المفاوضات.
وأضاف كونستانتيني أن "مهمة وزير الحرب تتمثل في تقديم الخيارات العسكرية للرئيس، ولذلك سيكون "أمراً غير معتاد" أن يتحدث باستمرار عن الاتفاق"، لأنه "ليس الشخص الذي يقود المفاوضات".
انتقادات لغيابه عن النقاش
في المقابل، اعتبرت أستاذة الاستراتيجية والسياسة في الكلية الحربية البحرية الأميركية، إيفون تشيو، أن "هيجسيث ينبغي أن يكون أكثر انخراطاً في مناقشة الاتفاق والاستراتيجية العسكرية المرتبطة به، بما يسهم في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي".
ورأت تشيو أن اهتمام هيجسيث ينصب بدرجة أكبر على "العمليات العسكرية الاستعراضية"، الضربات الجوية والمهام الخاصة، أو على القضايا الداخلية داخل وزارة الحرب، أكثر من تركيزه على ملفات مثل "تصميم هيكل القوات أو إدارة جهود حفظ الاستقرار"، لافتة إلى أن هذا النهج يكتسب أهمية خاصة في التعامل مع الملف الإيراني.
كما أشارت إلى أن "هيجسيث ليس المسؤول الوحيد داخل الإدارة الذي قلل من الحديث عن الاتفاق"، مبينة أن المحادثات التي تتوسط فيها قطر وباكستان "لا تزال عالقة بسبب الخلاف حول سيطرة إيران على مضيق هرمز، وهو ما يؤخر إحراز تقدم في الملف النووي".
وتابعت: "أعتقد أنهم يدركون أن الاتفاق ليس مثالياً. وهذا لا يعني أنه لا يمكن أن يحقق نتائج إيجابية، لكنه ليس اتفاقاً جيداً، ولذلك يبدو أن التوجه العام هو عدم تسليط الضوء عليه أكثر من اللازم."
من الإحاطات إلى الصمت
وأشارت صحيفة "ذا هيل" إلى أن ذلك يمثل تحولاً واضحاً مقارنة بالفترة التي سبقت الاتفاق، عندما كانت وزارة الحرب "البنتاجون" تعقد إحاطات صحافية دورية.
وخلال 39 يوماً من العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، التي استمرت بين 28 فبراير و8 أبريل، كان هيجسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين يعقدان إحاطات منتظمة للإعلام، استعرضا خلالها تفاصيل أكثر من 13 ألف ضربة نفّذتها القوات الأميركية داخل إيران، والأهداف التي استهدفتها، والقدرات العسكرية المستخدمة في عملية "الغضب الملحمي" (Epic Fury).
ومنذ توقيع مذكرة التفاهم، اقتصرت تصريحات هيجسيث بشأن إيران إلى حد كبير على التأكيد أن "الخيار العسكري لا يزال مطروحاً".
ففي يوم توقيع الاتفاق، قال إن التفاهم الذي توصّل إليه ترمب "أفضل بكثير" من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما عام 2015، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستضمن "بقاء الخيار العسكري قائماً".
وقبل توجهه إلى بروكسل للمشاركة في اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي (الناتو) الشهر الماضي، حذَّر هيجسيث من أن الجيش الأميركي مستعد لاستئناف العمليات العسكرية إذا لم تلتزم إيران بما تعهدت به.
وقال للصحافيين: "سنكون مستعدين لاستئناف العمليات إذا لم تفِ إيران، خلال فترة المفاوضات، بما قالت إنها ستفعله، وهو التخلي عن الأسلحة النووية والطموحات النووية والمواد النووية وإغلاق المنشآت النووية. نحن نفضل عدم العودة إلى العمليات العسكرية، لكننا مستعدون لذلك إذا لزم الأمر".
وفي الوقت نفسه، شدد كل من ترمب وهيجسيث على أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بوجود عسكري كبير حول إيران، يشمل مجموعتي حاملة طائرات في منطقة الشرق الأوسط.
وأرجعت المديرة التنفيذية لقسم الأمن القومي والسياسة الدولية في مركز "التقدم الأميركي"، أليسون ماكمانوس، تراجع ظهور هيجسيث الإعلامي إلى عدم مشاركته المباشرة في المفاوضات الدبلوماسية، إضافة إلى غياب تطورات إيجابية يمكن للإدارة الأميركية الترويج لها.
وقالت: "لا أعتقد أن هناك الكثير من الأخبار الإيجابية، سواء بالنسبة لهيجسيث، أو (وزير الخارجية) ماركو روبيو، أو (المبعوث الخاص) ستيف ويتكوف، أو حتى ترمب نفسه، وأعتقد أن الإدارة ترغب ببساطة في الانتقال إلى ملفات أخرى".
تجنب الاصطدام بترمب
من جانبه، رأى الضابط السابق في الجيش الأميركي، جيسون ديمبسي، أن "هيجسيث كان أكثر استعداداً للحديث خلال المراحل الأولى من الحرب، عندما كانت أهداف إدارة ترمب تبدو واضحة وحاسمة.
وأضاف ديمبسي أن تغير موقف ترمب نحو السعي إلى اتفاق جعل من مصلحة هيجسيث تجنب التصريحات الحادة، حتى لا يجد نفسه في موقف يتعارض مع رئيس كثيراً ما ينتقل بين التهديد باستخدام القوة والتفاؤل بإمكان التوصل إلى تسوية دبلوماسية.
وأشار إلى أن ابتعاد هيجسيث عن لعب دور الواجهة الإعلامية للأزمة "قد يكون أكثر قراراته حكمة حتى الآن".
وتابع بالقول إن "وزير الحرب عاد إلى التركيز على قضايا تحظى باهتمام قاعدة ترمب السياسية، مثل إلغاء بعض السياسات داخل وزارة الحرب، وهي ملفات لا تعرّضه لخطر الاختلاف مع الرئيس".
جهود لزيادة الإنفاق العسكري
وفي الوقت نفسه، واصل هيجسيث نشاطه في الكونجرس، إذ كثف اتصالاته مع المشرّعين لحشد الدعم لطلب ترمب زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 1.5 تريليون دولار، إلى جانب طلب تمويل تكميلي بقيمة نحو 80 مليار دولار لتعويض الذخائر التي استُهلكت خلال الحرب مع إيران.
من جهتها، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن هيجسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين ناقشا مع ترمب عدة مرات خيار تنفيذ ضربات إضافية ضد إيران، إلا أن الرئيس الأميركي فضَّل مواصلة المفاوضات.
ورغم تأكيد ترمب أن المحادثات تحقق تقدماً، فإنه شدد على أن الخيار العسكري سيظل مطروحاً إذا انهارت المفاوضات. وقال للصحافيين الأسبوع الماضي: "إنهم يوافقون على كل ما أريده، وعليهم أن يفعلوا ذلك، وإلا فسنعود إلى القيام بما يتعين علينا القيام به".












