
بعد أكثر من أسبوع من الضربات التي أطاحت بوقف إطلاق النار، لم يكتب له النجاح، يقف الصراع بين الولايات المتحدة وإيران على حافة الهاوية. ويرى محللون أن الوقت قد حان لتهدئة المواجهة التي تتسع بوتيرة متسارعة، أو المخاطرة بإشعال حرب قد تتجاوز قدرة الطرفين على احتوائها، وفق "نيويورك تايمز".
وقال محللون للصحيفة الأميركية، إنه رغم تصاعد مخاطر التصعيد، فإن أياً من الجانبين لا يستطيع تحمل تبعاته، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي داخلياً.
وخلال الأيام القليلة الماضية، وجهت طهران وواشنطن ضربات تجاوزت سريعاً استهداف المواقع العسكرية، لترفع تدريجياً سقف المواجهة في الحرب المتجددة بينهما. واستهدف الطرفان محطات المياه وتحلية المياه، بما يهدد بحرمان عشرات الآلاف من إمدادات الكهرباء والمياه في ذروة حرارة الصيف القاسية بمنطقة الخليج.
كما تعطلت حركة الملاحة مجدداً عبر مضيق هرمز الحيوي بفعل الإجراءات التي اتخذتها كل من طهران وواشنطن، فيما أعادت الولايات المتحدة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.
وشنت الولايات المتحدة غارات مكثفة على طرق وبنى تحتية في جنوب إيران، ما أودى بحياة مدنيين ومحاصرة آخرين، وأثار في الوقت نفسه مخاوف من أنها تمهد لعملية "غزو بري" محتملة في المنطقة.
في المقابل، أودت الضربات الإيرانية التي استهدفت القوات الأميركية في الأردن، بحياة جنديين أميركيين وإصابة العشرات، لتقرب الكلفة البشرية للحرب من الداخل الأميركي، وتقوض صورة التفوق العسكري المطلق التي سعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ترسيخها، وفق "نيويورك تايمز".
وقالت إيلي جيرانمايه، الخبيرة في الشؤون الإيرانية لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، للصحيفة: "هذه هي لحظة الاستفاقة للطرفين. فإما أن يسلكا الآن المسار الدبلوماسي، أو يخاطرا بانزلاق الحرب إلى مستوى يتجاوز التصعيد القابل للإدارة". ومع اتساع قائمة الأهداف، تتزايد أيضاً احتمالات امتداد رقعة الحرب جغرافياً.
ومن شأن تصاعد الضربات المتبادلة التي تستهدف البنية التحتية في إيران ودول الخليج العربية أن يلحق سريعاً أضراراً جسيمة بالسكان المدنيين في المنطقة. وكانت إيران قد حذرت بالفعل من أنها إذا تعرضت لضربات قاسية للغاية، فستستهدف منشآت خليجية حيوية لإمدادات الطاقة العالمية.
كلفة التصعيد
وتحمل وتيرة التصعيد المتسارعة "كلفة باهظة" على الطرفين. فكل من إدارة ترمب والقيادة الإيرانية الجديدة، تواجهان المخاطر الاقتصادية والسياسية نفسها التي دفعت حكومتي البلدين، قبل شهر واحد فقط، إلى توقيع "مذكرة التفاهم" بصياغة عامة هدفت إلى التفاوض لإنهاء الصراع.
وكما كان الحال آنذاك، فإن الاضطرابات التي ألحقها النزاع بالاقتصاد العالمي منذ الهجوم الأميركي الإسرائيلي الأول على إيران في فبراير الماضي لم تهدأ بعد.
كما أن توسيع نطاق الحرب، التي لا تحظى بتأييد شعبي، قد يضر بحلفاء ترمب الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
وكان الاقتصاد الإيراني يعاني أوضاعاً متدهورة حتى قبل اندلاع الحرب، الأمر الذي أشعل احتجاجات واسعة قمعتها السلطات بعنف، مخلفة قتلى. أما اليوم، وبعد الدمار الواسع الذي لحق بالبلاد، فتواجه إيران أزمة اقتصادية خطيرة تتفاقم بسبب الحصار الأميركي المفروض على سفنها.
ويرى محللون أن العوامل نفسها التي تجعل التصعيد شديد الخطورة بالنسبة إلى واشنطن وطهران قد تكون أيضاً ما يدفعهما إلى شن هجمات أكثر جرأة، في محاولة لزيادة الضغط المتبادل.
وكتب حميد رضا عزيزي، الخبير الإيراني في الشؤون الأمنية لدى المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي: "لقد تحول الصراع الآن إلى سباق مع الزمن وحرب استنزاف".
وأضاف: "السؤال الحاسم سيكون ما إذا كان تدهور الأوضاع الاقتصادية والبنية التحتية في إيران سيتسارع بوتيرة تفوق ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن اضطرابات مضيق هرمز، أم أن العكس هو الذي سيحدث". وبدأ الاستياء من الكلفة البشرية والاقتصادية للحرب يصبح أكثر وضوحاً داخل إيران.
ففي السبت الماضي، وقع 268 شخصية إيرانية بارزة، بينهم أكاديميون وسياسيون ورياضيون ورجال دين ونقابيون، عريضة بعنوان "لا للحرب"، في خطوة تنطوي على مخاطر في وقت تواصل فيه الحكومة، المدعومة من قاعدة متشددة تؤيد الحرب بقوة، حملتها الصارمة لقمع المعارضين، بحسب "نيويورك تايمز".
وقال أميد ميماريان، المحلل المختص بالشأن الإيراني في معهد "داون" للأبحاث في واشنطن، للصحيفة: "ستواجه الحكومة صعوبة بالغة في إقناع الشعب بضرورة مواصلة هذه الحرب على حساب تدمير إيران. ولذلك فإن الوقت ينفد بالنسبة إليها أيضاً".
وأضاف فرزان ثابت، الباحث في الشأن الإيراني لدى معهد الدراسات العليا في جنيف، أن "هذا الشعور بضيق الوقت ربما كان أحد الأسباب التي دفعت إيران إلى شن الهجمات على السفن التي أطلقت شرارة التصعيد الأخير، ليس بهدف توسيع نطاق الحرب، بل لاستثمار المكاسب الاستراتيجية التي لا تزال تمتلكها".
وتابع: "رأت إيران أن قدرتها على التحكم بالمضيق بدأت تتراجع سريعاً"، وذلك بعدما شجعت الولايات المتحدة السفن على عبور الممر المائي خارج نطاق الرقابة الإيرانية خلال فترة وقف إطلاق النار.
خطر "سوء التقدير"
ويرى ميماريان أن هذه الهجمات ينبغي النظر إليها بوصفها محاولة إيرانية لـ"الحفاظ على مكانها على طاولة المفاوضات المرجحة"، أكثر من كونها مؤشراً إلى سعيها لتحقيق نصر عسكري، محذراً في الوقت نفسه من أنها قد تأتي بنتائج عكسية.
وأشار إلى أن الضربات التي استهدفت مواقع أميركية في الأردن، لم تسفر فقط عن خسائر بشرية وأضرار بالمروحيات والمعدات، "بل أظهرت بوضوح أن طهران ما زالت تحتفظ بقدرتها على الرد، بل ومناورة جيش أميركي يفوقها قوة في بعض الأحيان".
وقال ميماريان إن احتمال أن تثير هذه الهجمات غضب الرأي العام الأميركي، أو أن تستفز الرئيس الأميركي المعروف بتقلب مواقفه، "وضع ترمب بوضوح في موقع يجعله أكثر ميلاً إلى التصعيد العسكري". وفي الوقت نفسه، ومع ارتفاع الكلفة الاقتصادية والسياسية، لا يملك ترمب خيارات كثيرة مقبولة للتصعيد.
ويرى ثابت أنه بين الآن ومنتصف أغسطس المقبل تقريباً، ستسعى إدارة ترمب على الأرجح إلى إضعاف القيادة الإيرانية عسكرياً أو تقويض قدرة إيران على التحكم بحركة الملاحة في مضيق هرمز عبر هجمات غير تقليدية، لكنه أشار إلى أن المؤشرات لا توحي بإمكانية نجاح الولايات المتحدة في تحقيق ذلك.
وقال: "أشك في أن أي تصعيد أميركي منفرد سيكون قادراً على تغيير حسابات إيران بصورة جذرية"، مضيفاً: "سيحتاج الأمر إلى حدث استثنائي يقلب المعادلة بالكامل".
وأضاف أن أحد الخيارات القادرة على تحقيق ذلك يتمثل في "غزو بري" أميركي، يرجح أن يبدأ من جزيرة جنوبية قريبة من المضيق. وقد اعتبر كثير من الإيرانيين أن الضربات الأميركية المكثفة على جنوب البلاد قد تكون تمهيداً لمثل هذه العملية.
وقالت جيرانمايه، إن المخاطر التي جعلت إدارة ترمب تتحفظ سابقاً على هذا الخيار، بدءاً من احتمال تكبد خسائر بشرية كبيرة وصولاً إلى خطر الانخراط في احتلال طويل الأمد، أصبحت اليوم أكبر من أي وقت مضى.
وأضافت أن القوات الأميركية ستواجه تحديات إضافية، من بينها حرارة الصيف الشديدة، فضلاً عن أن القوات الإيرانية أمضت أشهراً في الاستعداد لمواجهة هجوم من هذا النوع.
ورجح ثابت أنه إذا كان ترمب يدرس بالفعل تنفيذ مثل هذه الحملة، فمن المرجح أن يؤجلها إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، عندما تصبح المخاطر السياسية بالنسبة إليه أقل.
ومع ذلك، تبقى الأيام المقبلة محفوفة بالمخاطر. وقال ميماريان إن حرص إيران على إظهار قوتها العسكرية يجعل كل ضربة تحمل خطر "سوء التقدير"، بما قد يؤدي إلى تعميق الحرب بدلاً من تسريع مسار التفاوض. وأضاف: "أعتقد أن الأمور ستزداد سوءاً كثيراً قبل أن تبدأ بالتحسن".










