
التزمت دول حلف شمال الأطلسي، الأوروبية منها على الخصوص، برفع إنفاقها الدفاعي، وهو التحدي الذي واجهه الأمين العام للحلف، مارك روته، عندما تولى منصبه في عام 2024، والآن بعد تدفق عشرات المليارات من الدولارات، تبرز مشكلة جديدة تتمثل في تحويل هذه الأموال بسرعة إلى أسلحة فعالة لرفع كفاءة جيوش القارة الأوروبية، حسبما أشارت صحيفة "وول ستريت جورنال".
وفي مقابلة مع الصحيفة، قال روته قبيل قمة قادة الناتو المقررة في أنقرة، هذا الأسبوع: "قبل عام، كان التركيز كله على الوعود" بزيادة الإنفاق. وأضاف: "هذا العام، الأمر يتعلق بالتنفيذ".
واعتبرت "وول ستريت جورنال"، أن حلفاء الناتو وجدوا أنفسهم عالقين بين روسيا، التي تزيد من عدوانيتها وتسليحها في الشرق، والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشكك في أهمية الحلف غرباً، إذ أعلنت واشنطن خططاً لتقليص الالتزامات العسكرية الأميركية تجاه أوروبا.
والخميس الماضي، اشتكى ترمب في منشور على منصة "تروث سوشيال"، من الإنفاق العسكري الأوروبي، وقال إن الولايات المتحدة لا تجني "أي فائدة" من انضمامها إلى حلف الناتو.
تريليون ترمب
وخلال لقاء في البيت الأبيض مع ترمب، أشاد روتّه بخطة زيادة الإنفاق الدفاعي من قبل الحلفاء الأوروبيين وكندا، والتي أطلق عليها اسم "تريليون ترمب"، مؤكداً استجابة أوروبا لمطالب الولايات المتحدة ببذل المزيد من الجهود لتطوير حلف الناتو.
وفي العام الماضي، رفعت الدول الأعضاء في الحلف، إنفاقها العسكري بنسبة 20% عن مستويات عام 2024، ليصل إلى 574 مليار دولار، وفق بيانات الناتو.
وارتفع الإنفاق الألماني بنسبة 24% ليصل إلى 114 مليار دولار، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وتطمح برلين إلى إنفاق نحو 180 مليار دولار في عام 2029، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف مستوى عام 2024.
وبالفعل، باتت وتيرة ونطاق الزيادات في الإنفاق الأوروبي تُهدد بتجاوز قدرة شركات تصنيع الأسلحة على تلبية الطلب على الأسلحة المتطورة. وقد صرّح روتّه بأنه تم طلب أسلحة بقيمة 300 مليار دولار تقريباً من شركات أميركية.
وأضاف روتّه: "نحن نقترب من مستوى القدرة الاستيعابية"، في حين تعمل الحكومات على تجاوز عقبتين رئيسيتين.
وأشار الأمين العام للناتو إلى أن أولى هذه العقبات هي القدرة الصناعية، التي تعاني أصلاً من ضغوط بسبب حرب أوكرانيا وحاجة الولايات المتحدة وحلفائها إلى إعادة بناء مخزوناتهم بعد استهلاك كميات كبيرة من الذخائر في حرب إيران. أما المَعوق الثاني فهو القدرة على تجنيد وتدريب جنود جدد لتوسيع القوات المقاتلة.
عقبات لوجستية
وتقوم الدول التي تسعى لحماية شركاتها المحلية بإنتاج أنواع عديدة من المركبات المدرعة. وهو ما اعتبرته الصحيفة "غير فعال"، ويعني أيضاً نقصاً في التمويل المخصص لأمور مثل الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى.
كما أن الأنظمة الكبيرة التي تتطلب دمج القوات المسلحة في جميع أنحاء القارة، كأنظمة الاستخبارات والاتصالات والاستطلاع، قد تكون عرضة للخسارة.
وقال روتّه إن تجاوز هذه العقبات "هو القضية الرئيسية التي يجب مناقشتها الأسبوع المقبل". والآن بعد أن بدأ التمويل بالتدفق، تُنتج القاعدة الصناعية الدفاعية المزيد، و"علينا تسريع هذه الوتيرة بشكل ملحوظ".
وصرح سفير الولايات المتحدة لدى حلف الناتو، ماثيو ويتاكر، الأربعاء الماضي، بأن إحراز تقدم في أنقرة، أمر بالغ الأهمية. وقال: "الأمر لا يقتصر على إنفاق الأموال فحسب، بل يتعلق في نهاية المطاف بالقدرات التي يتم شراؤها بهذا الإنفاق".
ودعا ويتاكر إلى دمج شركات الدفاع الأوروبية، قائلاً: "هناك حاجة ماسة إلى بذل جهد حقيقي لتوحيد صناعة الدفاع بأكملها، وجعلها أكثر كفاءة، وزيادة إنتاجها لما هو مطلوب"، بما في ذلك الدفاع الجوي، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، والأنظمة غير المأهولة.
وقال ويتاكر: "سنحرص في جميع أنحاء حلف الناتو على ألا يذهب كل هذا الإنفاق إلى التضخم فحسب، بل يجب أن يُستثمر في أنظمة حقيقية، ومعدات حقيقية، وأسلحة حقيقية".
ويقول مسؤولون في الناتو وقطاع الدفاع إن سعر قذيفة المدفعية عيار 155 ملم، وهي من أبسط أنواع الذخيرة لدى الناتو، قد تضاعف أكثر من أربع مرات منذ اندلاع حرب أوكرانيا في عام 2022.
تطوير القاعدة الصناعية
وفي أنقرة، بالتزامن مع اجتماعات القادة، سيعقد الناتو منتدى صناعياً لمديري إنتاج الأسلحة ومسؤولين من الحكومات لمناقشة سبل تسريع وتوسيع الإنتاج.
ويتوقع مسؤولو الناتو الإعلان عن عقود واتفاقيات أولية واتفاقيات إنتاج مشترك بمليارات الدولارات خلال هذا الحدث الذي يبدأ الثلاثاء.
ويشير روته في حديثه لـ"وول ستريت جورنال"، إلى أن الرأي العام في جميع أنحاء القارة الأوروبية، تغيّر بشكلٍ جذريّ منذ عام 2022، عندما شنّت القوات الروسية أكبر حرب برية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ما عزّز دعم زيادة الإنفاق العسكري.
وقال روتّه: "يتمثّل التحوّل في العقلية الذي نشهده الآن في أنّ الدفاع يجب أن يكون في صميم عملنا ومحوره. ويشمل ذلك القاعدة الصناعية الدفاعية".
ويمكن لحلف الناتو أيضاً أن يستفيد من تجربة أوكرانيا، لا سيما فيما يتعلق بأهمية بناء صناعة دفاعية تتمتع بالمرونة الكافية للابتكار السريع، وتطوير الأسلحة الجديدة، وتكييفها وفقاً لمتطلبات ظروف ساحة المعركة المتغيرة. وقد حققت أوكرانيا نجاحاً باهراً في هذا الصدد، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة.
وأضاف روتّه: "لا يقتصر الأمر على إنتاج الطائرات المسيّرة فحسب، بل على امتلاك القدرة الإنتاجية اللازمة لذلك، لأن التكنولوجيا نفسها تتطور باستمرار، وتتغير كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع".










