وزير الدفاع المصري في تركيا شراكة عسكرية وسط تحولات إقليمية | الشرق للأخبار
تحليل إخباري

وزير الدفاع المصري في تركيا.. "شراكة عسكرية" متنامية وسط تحولات إقليمية

"خطاب نوايا حسنة" للتعاون الثنائي في المجال الدفاعي

time reading iconدقائق القراءة - 10
جانب من مناورات جوية مصرية تركية مشتركة في مصر. 21 يونيو 2026 - x.com/EgyArmySpox
جانب من مناورات جوية مصرية تركية مشتركة في مصر. 21 يونيو 2026 - x.com/EgyArmySpox

تتجاوز زيارة وزير الدفاع والإنتاج الحربي المصري أشرف سالم زاهر إلى تركيا، حدود الإطار البروتوكولي، في مسار استعادة العلاقات بين القاهرة وأنقرة، إذ تعد مؤشراً على انتقال العلاقات الثنائية إلى مرحلة جديدة، عنوانها بناء شراكة أمنية وعسكرية تتخطى إدارة الخلافات السابقة، نحو تنسيق استراتيجي تفرضه التحولات الإقليمية المتسارعة.

ووصل وزير الدفاع المصري إلى أنقرة، الاثنين، على رأس وفد عسكري رفيع المستوى، في زيارة هي الأولى له منذ توليه منصبه، والأولى لوزير دفاع مصري منذ عام 2013.

واستقبل وزير الدفاع التركي يشار جولر، نظيره المصري في مقر وزارة الدفاع التركية في أنقرة، بمراسم استقبال عسكرية رسمية، فيما يعكس توقيع الجانبين "خطاب نوايا حسنة" للتعاون الثنائي في المجال الدفاعي، تطور العلاقات بين مصر وتركيا في كافة المجالات، لا سيما الدبلوماسية والدفاعية، وطي صفحة الخلافات بين بلدين رائدين في المنطقة.

وفي هذا الإطار، وصف المحلل السياسي التركي شنار بابر، خلال حديثه لـ"الشرق"، عودة العلاقات بين تركيا ومصر إلى مسارها الطبيعي، بـ"تطور استراتيجي مهم"، إذ أن البلدين يشكلان ركيزتين أساسيتين للاستقرار في شرق المتوسط والشرق الأوسط.

وأضاف بابر: "عندما يمتد التقارب إلى المجالين السياسي والعسكري، فهذا يعني أن أنقرة والقاهرة انتقلتا من إدارة الخلافات إلى بناء آليات للتنسيق في الملفات الإقليمية، وهو ما ينعكس إيجاباً على قضايا ليبيا وسوريا وأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، والتعاون بين أكبر قوتين عسكريتين في المنطقة، ما يمنح كلاً منهما قدرة أكبر على مواجهة التحديات المشتركة بعيداً عن منطق الاستقطاب".

واعتبر المحلل السياسي التركي خلال حديثه لـ"الشرق"، أن المنطقة الممتدة من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر، مروراً بليبيا وسوريا وقطاع غزة، تشهد "إعادة تشكيل لموازين القوى، بينما تواجه الدول الإقليمية تحديات أمنية متشابكة تتطلب قدراً أكبر من التنسيق بين القوى العسكرية الكبرى في المنطقة، وفي مقدمتها مصر وتركيا".

الزيارة تاتي بعد أيام قليلة فقط من اختتام التدريب الجوي المشترك "نسر الأناضول 2026"، الذي شاركت فيه القوات الجوية المصرية والتركية إلى جانب أذربيجان، وبمشاركة طائرة إنذار مبكر تابعة لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، وهو ما يعكس انتقال العلاقات العسكرية بين القاهرة وأنقرة من مرحلة إعادة التواصل إلى مرحلة بناء تعاون عملي ومؤسسي.

كما سبقت الزيارة خطوات متقدمة شهدها التعاون العسكري خلال الأسابيع الماضية، أبرزها انعقاد اللجنة العسكرية المصرية التركية المشتركة للمرة الخامسة، وتوقيع خارطة طريق للتعاون العسكري بين البلدين، بما يشير إلى وجود برنامج عمل طويل الأمد لتوسيع مجالات التعاون الدفاعي.

من التنافس إلى إدارة المصالح

قبل سنوات قليلة، كانت القاهرة وأنقرة تقفان على طرفي نقيض في عدد من الملفات الإقليمية، خاصة ليبيا وشرق المتوسط، وكان الخطاب السياسي بين البلدين يعكس حالة من التنافس الحاد، لكن منذ بدء مسار المصالحة السياسية، ثم تبادل الزيارات الرئاسية، بدأت أولويات الطرفين تتغير، إذ أدركت العاصمتان أن تكلفة استمرار التنافس أصبحت أعلى من مكاسب التعاون، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وتراجع الانخراط الدولي المباشر في بعض ملفات المنطقة.

واليوم، تترجم الزيارة العسكرية الرفيعة، هذا التحول، إذ ينتقل التقارب من المستوى السياسي إلى المستوى الأمني والعسكري، وهو المستوى الأكثر حساسية واستراتيجية في العلاقات بين الدول.

وفي حديث لـ"الشرق"، اعتبر المحلل السياسي مهند حافظ أوغلو، أن زيارة وزير الدفاع المصري إلى تركيا "ظاهرها عسكري وجوهرها سياسي، بعد تقاطع الأهداف بين أنقره والقاهرة، وحاجة كل منهما إلى الآخر ضمن (تعاون تنافسي) ووفق رؤية إقليمية واسعة".

وأشار حافظ أوغلو إلى أن "التعاون العسكري بين مصر وتركيا له ثلاثة أبعاد، البحري شرق المتوسط لإفشال مخططات قبرص واليونان بقيادة إسرائيل هناك، والبري من خلال توسيع التفاهمات الثنائية لا سيما في الداخل الليبي، والجوي المسيّر ضمن ترتيبات باتت ضرورية وبشكل خاص ضد التصعيد الذي تنتهجه إثيوبيا، إضافة إلى تنسيق عملياتي مبدئي لأي تطور لاحق بشأن مجلس السلام في غزة".

وتابع: "وعليه، تبدو الزيارة بمثابة درع قومي خاص لكلتا الدولتين خصوصاً وللشرق الأوسط عموماً!".

ليبيا.. الملف الأكثر أهمية

يظل الملف الليبي أحد أبرز دوافع التقارب العسكري بين القاهرة وأنقرة.

فعلى الرغم من اختلاف مواقف البلدين خلال سنوات الصراع الليبي، فإن الواقع الحالي يفرض مصالح مشتركة تتمثل في عدة نقاط لعل أبرزها يتمثل في "الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية ومنع العودة إلى الحرب الشاملة"، و"منع تمدد (التنظيمات الإرهابية) والجريمة المنظمة عبر الحدود"، و"حماية المصالح الاقتصادية المرتبطة بإعادة الإعمار والطاقة"، و"دعم الاستقرار الذي يسمح بإجراء تسوية سياسية دائمة".

أبرز نقاط التوافق بين مصر وتركيا في الملف الليبي

  • الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية ومنع العودة إلى الحرب الشاملة.
  • منع تمدد "التنظيمات الإرهابية" والجريمة المنظمة عبر الحدود.
  • حماية المصالح الاقتصادية المرتبطة بإعادة الإعمار والطاقة.
  • دعم الاستقرار الذي يسمح بإجراء تسوية سياسية دائمة.

ولا يعني ذلك تطابقاً كاملاً للرؤى بشأن ليبيا، لكن التنسيق العسكري والأمني بين البلدين يمكن أن يُقلل من احتمالات الاحتكاك، ويخلق آليات لإدارة الخلافات، خصوصاً أن لكل من مصر وتركيا نفوذاً مؤثراً في المشهد الليبي.

مقاربة جديدة بشأن سوريا

التحولات التي تشهدها الساحة السورية تفرض بدورها أجندة جديدة على العلاقات المصرية التركية.

فبعد سنوات من التباين السياسي، أصبحت الأولوية بالنسبة للطرفين في سوريا تتمثل في مكافحة "التنظيمات الإرهابية"، والحد من مخاطر عدم الاستقرار الممتد عبر الحدود، ودعم مؤسسات الدولة السورية بما يمنع تفككها، والتعامل مع ملف اللاجئين والتحديات الإنسانية.

أولويات مصرية تركية بشأن سوريا

  • مكافحة "التنظيمات الإرهابية".
  • الحد من مخاطر عدم الاستقرار الممتد عبر الحدود.
  • دعم مؤسسات الدولة السورية بما يمنع تفككها.
  • التعامل مع ملف اللاجئين والتحديات الإنسانية.

كما أن انخراط أنقرة في ترتيبات أمنية داخل الشمال السوري، يقابله اهتمام مصري متزايد بمستقبل الدولة السورية ودورها في النظام الإقليمي العربي، وهو ما يجعل الحوار العسكري بين البلدين، أكثر أهمية خلال المرحلة المقبلة.

وعن أهمية الزيارة التي يقوم بها وزير الدفاع المصري إلى تركيا، اعتبر المحلل السياسي عمر كوش، أن "الزيارة جاءت وسط توترات تشهدها المنطقة مع عودة التصعيد الأميركي الإيراني، وتوجس إسرائيلي متزايد من التقارب بين مصر وتركيا".

وفي حديث لـ"الشرق"، أضاف كوش: "تأتي الزيارة بعد أن وصل التنسيق العسكري إلى مرحلة متقدمة للغاية، وبما يدعم فرص تعزيز الاستقرار بالمنطقة، وخاصة الوضع في سوريا، حيث تدعم أنقرة والقاهرة الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار فيها، وترفضان الاعتداءات الإسرائيلية".

شرق المتوسط.. من الصراع إلى البراجماتية

كان شرق المتوسط أحد أكثر ملفات الخلاف تعقيداً بين مصر وتركيا، خصوصاً في ظل التنافس على مناطق النفوذ البحرية وملفات الطاقة.

غير أن التطورات الأخيرة، تشير إلى أن البلدين يتجهان نحو مقاربة أكثر براجماتية تقوم على إدارة المصالح بدلاً من إدارة الصراع.

فمصر تمتلك بنية تحتية متقدمة لتسييل وتصدير الغاز، بينما تسعى تركيا إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي لنقل الطاقة بين آسيا وأوروبا.

اقرأ أيضاً

مصر وتركيا.. مرحلة جديدة للتعاون والشراكة بعد عقد من التوتر

بعد عقد من القطيعة، استعادت مصر وتركيا دفء العلاقات عبر سفراء جدد وزيارات رئاسية، وصولاً إلى مناورات بحرية مشتركة عام 2025 تحت اسم "بحر الصداقة".

وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، تبدو فرص التنسيق في أمن الملاحة البحرية وحماية البنية التحتية للطاقة أكثر واقعية من أي وقت مضى، حتى وإن بقيت بعض الملفات القانونية والسياسية بحاجة إلى مفاوضات أطول.

الصناعات الدفاعية.. البعد الاقتصادي للشراكة

يتمثل أحد أهم الملفات التي تحظى باهتمام خاص من القاهرة وأنقرة، في التعاون بمجال الصناعات الدفاعية.

فتركيا أصبحت خلال العقد الأخير من أبرز الدول الصاعدة في الصناعات العسكرية، بعدما نجحت في تطوير منظومة واسعة تشمل، الطائرات المسيّرة القتالية والاستطلاعية، والذخائر الذكية، والمدرعات والعربات القتالية، والسفن الحربية، وأنظمة الحرب الإلكترونية والرادارات.

في المقابل، تمتلك مصر قاعدة صناعية عسكرية كبيرة، وخبرة طويلة في التصنيع المشترك، إلى جانب سوق دفاعية واسعة، وعلاقات تسليحية متنوعة مع الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وكوريا الجنوبية والصين وروسيا.

ومن ثم، فإن التعاون بين البلدين قد يتجه إلى أكثر من مسار، مثل الإنتاج المشترك لبعض الأنظمة، وتبادل الخبرات الفنية، ونقل التكنولوجيا في مجالات محددة، وفتح أسواق تصديرية جديدة في إفريقيا والشرق الأوسط، وهي مجالات تُحقق مكاسب اقتصادية واستراتيجية للطرفين من دون أن تعني بالضرورة إبرام صفقات كبرى على المدى القريب.

أمن البحر الأحمر وغزة

لا يُمكن فصل الزيارة عن التطورات المتلاحقة في البحر الأحمر والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

فالبلدان يتقاسمان مصلحة مباشرة في حماية طرق التجارة الدولية، وتأمين خطوط الملاحة التي تعرضت خلال الفترة الماضية لتهديدات متزايدة، فضلاً عن منع اتساع رقعة الصراع إلى ساحات إقليمية جديدة.

كما أن استمرار الهجمات الإسرائيلية علبى قطاع غزة يفرض مستوى أعلى من التنسيق السياسي والأمني بين القوى الإقليمية الفاعلة، خاصة ما يتعلق بإدارة التداعيات الإنسانية والأمنية، ومنع انتقال التوتر إلى ساحات أخرى.

رسائل تتجاوز العلاقات الثنائية

وتحمل زيارة وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر إلى أنقرة، رسائل متعددة، تتمثل في أن المصالحة المصرية التركية، أصبحت خياراً استراتيجياً وليس مجرد تفاهم سياسي مؤقت، كما أنها تعكس إدراك البلدين أن البيئة الإقليمية الحالية تفرض بناء آليات تعاون عسكري وأمني قادرة على التعامل مع الأزمات المتشابكة، في حين، تسعى القاهرة وأنقرة إلى إعادة تعريف دورهما الإقليمي عبر الشراكة والتنسيق، بدلاً من التنافس الذي طبع جزءاً مهماً من علاقاتهما خلال العقد الماضي.

تصنيفات

قصص قد تهمك