
بعد أقل من أسبوع من قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليق الضربات على إيران لإفساح الطريق أمام الجهود الدبلوماسية، عاد الجيش الأميركي لشن غارات جديدة على إيران، رداً على "هجوم مباغت" على القوات الأميركية في الأردن، ما فتح الباب أمام "موجة جديدة مكثفة" من التصعيد.
وأعنلت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، الخميس، شن موجة من الضربات على إيران استمرت ساعتين، استهدفت خلالها عشرات المواقع. ووصفت الهجمات بأنها "رد قوي" على الصواريخ الإيرانية التي أُطلقت باتجاه القوات الأميركية في الشرق الأوسط قبل يوم.
ووصفت القيادة المركزية الأميركية ضربات الخميس، في منشور على منصة "إكس"، بأنها "رد قوي على الهجمات الإيرانية التي استهدفت القوات الأميركية المتمركزة في الشرق الأوسط"، مشيرة إلى أن الضربات الأميركية بدأت عند الساعة 00:00 بتوقيت جرينتش، وانتهت عند الساعة 02:00 بتوقيت جرينتش الخميس.
وجاء في البيان، أن "القيادة المركزية استهدفت عشرات المواقع التابعة للحرس الثوري الإيراني داخل إيران، بما في ذلك مراكز قيادة عسكرية، ومنشآت للصواريخ والطائرات المسيّرة، ومواقع للمراقبة والدفاع الساحلي، وقدرات بحرية".
وفي وقت لاحق، الخميس، أعلن الجيش الأردني "إحباط محاولة استهداف أراضي المملكة بخمسة صواريخ قادمة من إيران".
خطط أميركية لتصعيد عسكري "أكبر"
وأعد القادة العسكريون الأميركيون خطة لترمب كانت تقضي بإطلاق حملة قصف جديدة تستمر عدة أيام، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
ونقلت القوات الأميركية أصولاً جوية إلى إسرائيل استعداداً لتلك الهجمات، ولا تزال هذه الطائرات في مواقعها تحسباً لقرار محتمل من ترمب باستئناف العمليات العسكرية في ضوء التحرك الإيراني.
وخلال المناقشات بشأن الخطة، حذر رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال دان كين، في جلسات خاصة، من أن استئناف العمليات القتالية واسعة النطاق ضد إيران ممكن من الناحية العسكرية، لكنه سيؤدي إلى استنزاف خطير لمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى القيادة المركزية الأميركية، حسبما نقلت "نيويورك تايمز" عن شخصين مطلعين على المناقشات.
وقال الشخصان إن قائد القيادة المركزية، براد كوبر، رأى أنه إذا لم يقرر ترمب استئناف العمليات العسكرية الكبرى، فينبغي للولايات المتحدة إنهاء حملة القصف حول مضيق هرمز لأنها بلغت الحد الأقصى من فعاليتها.
وأضافا أن الضربات الأميركية في مضيق هرمز، تهدف إلى إعادة فتح الممر المائي الدولي الذي أدى الصراع إلى تعطيل الملاحة فيه فعلياً، الأمر الذي أسهم في ارتفاع أسعار النفط منذ اندلاع الحرب.
ووفق صحيفة "وول ستريت جورنال"، يرى كوبر أن نجاح العمل العسكري يتطلب تكثيف الضربات الجوية بصورة كبيرة لإضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية وكسر حالة الجمود، وهو ما سيؤدي أيضاً إلى تقليل حاجة الولايات المتحدة لاستخدام صواريخها الاعتراضية، لأن إيران ستكون أقل قدرة على تنفيذ هجمات جديدة.
في المقابل، يتبنى دان كين موقفاً أكثر حذراً، إذ يحذر باستمرار البيت الأبيض من "التداعيات الثانوية" لأي عملية عسكرية واسعة.
إعادة إيران إلى المفاوضات
وأصبح الصراع، الذي يسعى ترمب إلى إنهائه عبر المسار الدبلوماسي منذ أبريل ، مهدداً بالاتساع في وقت تريد فيه الولايات المتحدة تجاوزه.
وكان ترمب قد قال للصحافيين، الأربعاء، إن الولايات المتحدة ستوجه ضربة "قوية جداً" لإيران، مضيفاً: "حان دورنا". كما زعم أن إيران أقرت بأن إطلاق الصواريخ كان "خطأ"، وطلبت من الولايات المتحدة عدم الرد.
وعلّق ترمب الضربات، الجمعة، بعد 13 ليلة متواصلة من استهداف مواقع عسكرية إيرانية، في خطوة هدفت إلى فتح نافذة قصيرة أمام الجهود الدبلوماسية.
وفي مقابلة أخرى مع شبكة "فوكس نيوز"، الثلاثاء، بدا ترمب وكأنه يوازن بين استئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق، بما يشمل توجيه ضربات جديدة إلى البنية التحتية الإيرانية مثل الجسور ومحطات الكهرباء، وبين ما قد تسببه هذه الهجمات من معاناة إنسانية للسكان المدنيين. وقال: "ومن الذي سأؤذيه هناك؟ سأؤذي الشعب، لذلك لا أتطلع إلى القيام بذلك".
ووفق "نيويورك تايمز"، يركز ترمب بصورة أكبر على إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، رغم تهديداته، فيما تعمل الدول التي تضطلع بدور الوساطة، وفي مقدمتها باكستان وقطر، على تهيئة الأجواء لاستئناف المحادثات.
ونادراً ما يتحدث مسؤولو إدارة ترمب حالياً عن قائمة الأهداف التي أعلنوها في بداية الحرب، والتي شملت إسقاط النظام، والقضاء على البرنامج النووي الإيراني، وإضعاف القدرات الصاروخية لطهران، والحد من نفوذ الجماعات المتحالفة معها.
ويبدو أن الهدف الأهم بالنسبة لترمب هو إعادة فتح مضيق هرمز، لكن بطريقة لا تبدو وكأنها تراجع أو هزيمة للولايات المتحدة.
إلا أنه ما لم تستأنف حركة الملاحة في الممر المائي، دون أن تتعرض ناقلات النفط لهجمات إيرانية أو تثير مخاوف شركات التأمين بشأن سلامة العبور، فمن المرجح أن تواصل أسعار النفط ارتفاعها بدلاً من التراجع.
ووفق "نيويورك تايمز"، فإن الصعوبات التي تواجهها إدارة ترمب مع إيران حالياً تعود، جزئياً على الأقل، إلى القادة الجدد في إيران، إذ أشارت إلى أن المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، الذي تولى قيادة إيران لنحو 37 عاماً، كان يتبنى نهجاً حذراً مقارنة بخليفته مجتبى خامنئي.
وأضافت أن وكالات الاستخبارات الأميركية خلصت إلى أن مجتبى خامنئي أكثر انفتاحاً على السعي لامتلاك سلاح نووي مقارنة بوالده، الذي كان قد أعلن مراراً رفض ذلك.
كما أشارت إلى أن قادة النظام السابق، الذين سقط معظمهم أيضاً خلال الحرب، كانوا ينسقون الضربات الانتقامية بطريقة تحفظ ماء الوجه داخلياً، دون دفع الصراع إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
تنسيق أميركي إسرائيلي
وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، ولقاء ترمب ونائبه جي دي فانس ووزير الحرب بيت هيجسيث.
وقال مسؤولون لموقع "أكسيوس"، إن القوات الإسرائيلية قد تشارك في أي هجوم أميركي واسع إذا قررت إدارة ترمب العودة إلى العمليات العسكرية الكبرى.
وكشف مسؤول إسرائيلي كبير، تفاصيل الاجتماع المغلق الذي جمع نتنياهو بترمب واستمر 90 دقيقة، مشيراً إلى أن الملف الإيراني تصدر المحادثات، كما أبدت تل أييب شكوكاً بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع طهران، فيما بحث الجانبان تشديد الضغوط عليها بوسائل عسكرية وغير عسكرية.
وذكر المسؤول، في إحاطة للصحافيين نقل تفاصيلها موقع "أكسيوس"، أن إيران كانت الموضوع الرئيسي في الاجتماع الذي شهد بحث 3 خيارات تتعلق بالمرحلة المقبلة من الحرب.
وكان اجتماع الثلاثاء، أول لقاء يجمع ترمب ونتنياهو منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير الماضي، وجاء في وقت تواصل فيه الإدارة الأميركية مساعيها للتوصل إلى اتفاق مع طهران، بالتوازي مع دراسة خيار استئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق.
وبحسب المسؤول الإسرائيلي، ناقش ترمب ونتنياهو ثلاثة خيارات يدرسها الرئيس الأميركي للتعامل مع إيران خلال المرحلة المقبلة.
ويتمثل الخيار الأول في مواصلة الجهود للتوصل إلى اتفاق، إذ لا يزال مبعوثا واشنطن، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، يجريان مفاوضات مع الإيرانيين، رغم أن الفجوات بين الطرفين تبدو كبيرة في الوقت الراهن، فيما قال المسؤول إن نتنياهو أبلغ ترمب بأنه يشكك في إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران.
خيارات على طاولة ترمب بشأن إيران
- مواصلة الجهود الدبلوماسية من أجل التوصل إلى اتفاق دائم ونهائي لوقف إطلاق النار.
- استمرار الحصار البحري المفروض على موانئ إيران بالتزامن مع زيادة الضغوط الاقتصادية عليها.
- تكثيف الضربات العسكرية على إيران.
أما الخيار الثاني، فيشمل استمرار الحصار البحري المفروض على إيران، بالتزامن مع زيادة الضغوط الاقتصادية عليها، فيما يتمثل الخيار الثالث في استئناف الضربات العسكرية وتكثيفها.
وأضاف المسؤول: "ناقشنا جميع هذه الخيارات باستفاضة وبصراحة كبيرة، ليس بهدف الدفع نحو خيار على حساب آخر، بل لدراسة النتائج التي يمكن أن يحققها كل خيار وتحديد المسار الأفضل. هذا ما تمحورت حوله المحادثات".











