
ردت الصين بشدة، الثلاثاء، على حملة العقوبات الجديدة التي أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد إيران، محذرة من أنها ستدافع عن مصالحها، ومتهمة الولايات المتحدة بزعزعة النظام المالي العالمي، ما يمهد لتجدد التوتر بين أكبر قوتين في العالم، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد كشف، الاثنين، عن خطط لـ"قطع كل شريان اقتصادي" عن إيران، مستهدفاً مجموعة من الجهات التي تواصل توفير شريان مالي حيوي لطهران. لكن الإدارة الأميركية بدت حريصة على تجنب استهداف الصين، التي تعد بفارق كبير أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وهو أهم صادرات طهران.
وشملت القائمة الأميركية أكثر من 60 وسيطاً وشركة وسفينة خاضعة للعقوبات، بينها أكثر من عشر شركات صغيرة من هونج كونج والبر الرئيسي الصيني. لكن القائمة خلت بشكل لافت من المؤسسات الكبرى في النظام المالي الصيني، وهو ما اعتبره خبراء مؤشراً على إحجام واشنطن عن تعريض الهدنة الهشة مع بكين للخطر.
ومع ذلك، جاء الرد الصيني قوياً. وقال لين جيان، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، خلال إفادة صحافية، الثلاثاء، إن بلاده "ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها بحزم".
وذهبت وسائل الإعلام الرسمية الصينية إلى أبعد من ذلك، إذ نشرت صحيفة "تشاينا نيوز" رسماً كاريكاتورياً يصور تمثال الحرية باعتباره شخصاً يتعاطى المخدرات، مع إبر مغروسة في إحدى ذراعيه، واصفاً استخدام واشنطن للعقوبات بأنه "إدمان".
وقالت "نيويورك تايمز" إن الرد التصادمي أبرز معضلة تواجه إدارة ترمب، فبكين تتحدى منذ فترة طويلة العقوبات الأميركية وتواصل شراء النفط الإيراني، كما توفر لطهران مواد خام وتكنولوجيا تدعم اقتصادها وقدراتها العسكرية.
لكن بعد نحو ستة أشهر من الحرب مع إيران، لا تبدو الولايات المتحدة مستعدة لفتح جبهة اقتصادية أخرى مع الصين، التي باتت أكثر ميلاً للرد بالمثل، وفقاً للصحيفة.
توقيت شديد الحساسية
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التصعيد يأتي في توقيت شديد الحساسية، إذ من المتوقع أن يتوجه الرئيس الصيني شي جين بينج إلى الولايات المتحدة الشهر المقبل للقاء ترمب، ومواصلة المحادثات الهادفة إلى تحقيق الاستقرار في العلاقات بين البلدين.
وعندما سُئل بيسنت، الاثنين، عن سبب عدم استهداف الإدارة للبنوك الصينية، اكتفى بالقول إن "الدبلوماسية الهادئة" هي أفضل وسيلة للتعامل. لكنه تعهد في مرحلة ما بفرض عقوبات على مؤسسة مالية دولية كبيرة، من دون تقديم تفاصيل.
ويرى بعض المحللين أن عدم انتقاد بيسنت للصين بشكل مباشر يمثل إقراراً ضمنياً بأن الحفاظ على الهدنة مع بكين قد يفوق، في الوقت الراهن، فوائد اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد إيران.
وقال دانيال تانباوم، المسؤول السابق في وزارة الخزانة خلال إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش والشريك حالياً في شركة الاستشارات "أوليفر وايمان": "كانت واشنطن مترددة للغاية في استهداف الصين"، مضيفاً: "لا أعتقد أن ذلك سيتغير اليوم، خصوصاً في وقت تتمتع فيه الصين بنفوذ أكبر من الولايات المتحدة".
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن الولايات المتحدة استغلت على مدى عقود موقعها المحوري في النظام المالي العالمي لعزل خصومها، مثل إيران وكوريا الشمالية، من خلال تهديد الشركات والبنوك بالحرمان من التعامل بالدولار إذا تعاملت مع كيانات خاضعة للعقوبات.
وأدت جولات متعاقبة من العقوبات إلى عزل إيران إلى حد كبير عن النظام المالي العالمي، لكنها لم تنجح في شل اقتصادها.
وفي المقابل، أظهرت الصين خلال الفترة الأخيرة استعداداً لاستخدام نقاط الاختناق الاقتصادية التي تملكها. وخلال الحرب التجارية الشاقة التي شهدها العام الماضي، قيّدت بكين الوصول إلى المعادن الحيوية واستخدمت سيطرتها على سلاسل الإمداد كورقة ضغط على الشركات الأميركية.
وكانت الصين قد وافقت العام الماضي على تأجيل القيود على صادرات المعادن الأرضية النادرة مؤقتاً، ضمن انفراجة في العلاقات مع الولايات المتحدة. ومن المقرر أن تنتهي مهلة التأجيل التي تستمر عاماً واحداً بعد أسابيع من الموعد المقرر للقاء شي وترمب.
رفع التكلفة
ورفع هذا النفوذ كلفة مواجهة بكين بشأن إيران، في الوقت الذي أصبحت فيه الصين عنصراً حاسماً في قدرة طهران على تحمل الضغوط الأميركية.
منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران في 28 فبراير، فرضت واشنطن عقوبات على أكثر من 400 شركة وشخص وسفينة مرتبطة بإيران في دول بينها تركيا والإمارات والصين.
كما أضافت الإدارة الأميركية أكثر من ألف كيان إلى قائمة العقوبات منذ بداية الولاية الثانية لترمب، ما أدى فعلياً إلى قطع وصول هذه الكيانات إلى الدولار، وفق تحليل أجرته "نيويورك تايمز". وشملت الجهات المستهدفة شركات شحن ومصافي نفط صينية. لكن النفط الإيراني واصل التدفق إلى الصين.
وتوجد كميات كبيرة منه حالياً على متن سفن وفي خزانات تخزين حول مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي، وكذلك بالقرب من الموانئ الصينية، وفق ميو شو، كبيرة محللي النفط في شركة "كبلر" المتخصصة في بيانات أسواق الطاقة.
وتظهر بيانات "كبلر" أن الصين استقبلت نحو 1.2 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني منذ بداية عام 2026، وهو مستوى يقل قليلاً فقط عن الفترة نفسها من العام الماضي. وقالت شو إن تحديد الأحجام الحالية بدقة بات صعباً، بسبب تنامي مهارة السفن في تفادي الرصد.
تحايل على العقوبات
تجنبت شركات النفط الصينية الثلاث الكبرى المملوكة للدولة شراء الخام الإيراني، بسبب علاقاتها الواسعة مع البنوك الغربية. لكن المصافي الخاصة المعروفة باسم "تيبوتس" اشترته بخصومات كبيرة، وحولته إلى بنزين وديزل للسوق المحلية.
وتشكل هذه الشركات تحدياً خاصاً لواشنطن، إذ لا تجري العديد منها معاملات دولية كثيرة يمكن لوزارة الخزانة استهدافها عبر تقييد وصولها إلى الدولار من خلال البنوك العالمية. وبدلاً من ذلك، يُعتقد أنها تجري جزءاً كبيراً من تجارتها بالعملة الصينية أو العملات المشفرة.
كما طورت هذه التجارة أساليب معقدة لحماية السفن والشحنات من العقوبات الغربية. وغالباً ما يُنقل النفط الإيراني إلى المياه قبالة ماليزيا، حيث تُنقل الشحنات بين السفن قبل مواصلة طريقها إلى الموانئ الصينية.
وفي أبريل، استهدفت الولايات المتحدة عدداً من المصافي الصينية الصغيرة، بينها مصفاة "هينجلي للبتروكيماويات". وكانت المصفاة، التي تعد من أكبر مشتري النفط الإيراني، قد اشترت بمليارات الدولارات من الخام الإيراني من الحرس الثوري، الذي يتمتع بنفوذ عسكري وسياسي واقتصادي واسع في البلاد.
البنوك العالمية قد تتحرك
وقال هان لين، مدير شؤون الصين في مجموعة "آسيا جروب" الأميركية للاستشارات، إنه حتى إذا لم تتخذ وزارة الخزانة الأميركية إجراءات مباشرة ضد البنوك الصينية الكبرى، فقد تبدأ البنوك الدولية في تقليص تعاملاتها معها.
وأوضح أن البنوك الكبرى تخشى إثارة غضب الجهات التنظيمية الأميركية. وبحسب "نيويورك تايمز"، هناك أسباب قوية تدفعها إلى هذا الحذر. وأشار ريتشارد نيب، إلى العقوبات التي فرضتها واشنطن عام 2018 على أوليج ديريباسكا وشركة "روسال" الروسية، التي كانت آنذاك ثاني أكبر منتج للألمنيوم في العالم. وقد اضطربت أسواق الألمنيوم بشدة بسبب احتمال انقطاع مصدر رئيسي للإمدادات العالمية.
لكن استهداف البنوك أو الشركات الصينية ذات الأهمية النظامية قد يؤدي إلى صدمة أكبر بكثير.
وقال نيب: "قد تجد الأسواق في حالة فوضى، والشركات في حالة فوضى، وشركات التأمين في حالة فوضى، والبنوك في حالة فوضى."









