أميركا وإيران أمام معركة الصمود وسط أزمة اقتصاد وضغوط داخلية | الشرق للأخبار

أزمة اقتصادية في إيران وضغوط داخلية على ترمب.. واشنطن وطهران تختبران "معركة الصمود"

سفن في مضيق هرمز تظهر بالقرب من شاطئ بندر عباس في إيران. 28 أغسطس 2026 - Reuters
سفن في مضيق هرمز تظهر بالقرب من شاطئ بندر عباس في إيران. 28 أغسطس 2026 - Reuters

بعد نصف عام من اندلاع حرب إيران، لا تزال واشنطن وطهران من دون اتفاق واضح ينهي الصراع الذي بدأ يتحول إلى إحدى نسخ "الحروب التي لا تنتهي"، بينما يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطاً داخلية متواصلة لإنهاء الحرب، وسط مخاوف من خسارة الحزب الجمهوري انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.

ومع عدم ظهور أي اختراق في الأفق، يختبر كل طرف قدرة الآخر على الصمود. ورغم أن ترمب معروف بنفاد صبره، فإنه أوضح، مساء الخميس، أنه "ليس في عجلة من أمره"، نافياً اهتمامه في المرحلة الحالية بالتفاوض مع إيران، بحسب ما أوردت صحيفة "نيويورك تايمز".

وفي طهران، بدأ القادة الإقرار بالتداعيات الاقتصادية للحرب، إذ دعا المرشد مجتبى خامنئي الحكومة إلى معالجة الصعوبات المعيشية، فيما أعلن الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان أن حجم التجارة الخارجية للبلاد انكمش بنسبة 35% بسبب العقوبات والحصار، بحسب ما أوردت وكالة "رويترز".

وتأتي هذه التحذيرات في الوقت الذي يهدد فيه مسؤولون إيرانيون آخرون الولايات المتحدة برد عسكري، ويؤكدون أن البحرية الإيرانية لا تزال تسيطر على مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي.

ومع استمرار جمود المفاوضات، كثفت إدارة ترمب جهودها لمعاقبة إيران مالياً، في إطار ما وصفته بـ"يوم الإنزال الاقتصادي".

وحذرت واشنطن الدول من مواصلة علاقاتها التجارية مع إيران، مهددة بفرض عقوبات ثانوية عليها، إلا أن وزارة الخزانة الأميركية امتنعت حتى الآن عن فرض عقوبات على شركاء تجاريين رئيسيين لطهران، مثل الصين والهند، في ظل ما قد يترتب على ذلك من تداعيات على الاقتصادين الأميركي والعالمي.

أزمة الاقتصاد الإيراني

وتزيد حملة العقوبات الأميركية من الضغوط التي تفرضها الحرب على الاقتصاد الإيراني، إذ بلغ معدل التضخم السنوي 66% الشهر الماضي.

وقالت الحكومة الإيرانية في بيان، السبت، إنها "ستقف بحزم في وجه العقوبات الأميركية"، وما وصفته بـ"المؤامرات" الأميركية الإسرائيلية، معتبرة أن الدبلوماسية والدفاع أداتان "متكاملتان ومنسقتان ولا تنفصلان" لحماية المصالح الوطنية والأمن والسلامة الإقليمية للبلاد.

وأضافت في بيان أنها "ستسلك المسارين معاً، وستركز على كبح التضخم وتوفير فرص العمل ودعم الإنتاج المحلي والحد تدريجياً من الاعتماد على الدولار"، بحسب ما نقلت "رويترز" عن وسائل إعلام محلية.

مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ هجوم 28 فبراير، الذي أودى بحياة والده المرشد السابق علي خامنئي، دعا الحكومة إلى معالجة الصعوبات الاقتصادية.

وجاء في بيان مكتوب منسوب إلى خامنئي: "هناك حاجة إلى معالجة جدية لسلسلة التحديات الاقتصادية والمعيشية، مثل التضخم والبطالة وإدارة الأسعار وأسواق السلع والخدمات".

بدوره، قال بيزشكيان، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني، إن صادرات إيران ووارداتها تراجعت بنحو 35% بسبب العقوبات الأميركية والحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية.

لكنه أشار إلى أن إيران تمكنت من بيع نحو 90 مليون برميل من النفط خلال فترة سريان مذكرة التفاهم قصيرة الأجل، التي وقّعتها الولايات المتحدة وإيران في يونيو، عندما سمحت واشنطن بمبيعات النفط الإيراني.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان الجمعة، إن "الحملة الاقتصادية الأميركية أداة قاسية مصممة لإلحاق الألم والمعاناة بالإيرانيين"، مشيرة إلى أن العقوبات" تعرّض صحة ملايين المدنيين وسبل عيشهم لخطر جسيم"، بحسب البيان.

وحضّت الخارجية الإيرانية دول العالم على الامتناع عن تطبيق العقوبات الأميركية.

ضغوط داخلية على ترمب

ويواجه ترمب ضغوطاً داخلية لإنهاء الحرب، التي وصفتها "نيويورك تايمز" بأنها "أكبر مقامرة" في فترته الثانية، على الأقل على صعيد السياسة الخارجية، كما باتت نموذجاً يوضح مدى اختلاف نهجه خلال ولايته الثانية عن الأولى.

ففي حين اتسمت سنوات حكمه الأربع الأولى بسياسة "أميركا أولاً" الأكثر ميلاً إلى الداخل، رداً على النزعة التدخلية في عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش، عاد ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي أكثر استعداداً لاستخدام القوة في الخارج، وأكثر رغبة على ما يبدو في إعادة تشكيل العالم وفق رؤيته.

لكن الآمال بأن تكون إيران نجاحاً سريعاً وحاسماً، مثلما حدث في فنزويلا، تبددت، وأصبح الهدف الأساسي الآن هو إيجاد مخرج يمكن تقديمه باعتباره نوعاً من الانتصار، بحسب الصحيفة.

وطالب زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي، حكيم جيفريز، الجمعة، بوضع حد لحرب إيران، وإقالة وزير الحرب بيت هيجسيث.

ووصف جيفريز، في منشور على منصة "إكس"، حرب إيران بـ"المتهورة"، معتبراً أن ترمب والجمهوريين "وعدوا بعدم خوض حروب فاشلة أخرى، لكنهم فعلوا العكس تماماً".

وأضاف: "يجب إقالة بيت هيجسيث، وإنهاء الحرب، وإنفاق أموال دافعي الضرائب على تيسير سبل العيش للأميركيين".

وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن هناك قلقاً متزايداً داخل الحزب الجمهوري بشأن الانتخابات النصفية، مع تراجع شعبية ترمب بسبب حرب إيران، وأيضاً بسبب ارتفاع الأسعار.

وقالت مصادر للصحيفة إن كبار مستشاري ترمب يحاولون منذ أشهر إعادة توجيه اهتمامه نحو الاقتصاد، في محاولة لإظهار أنه يركز على القضية التي تهم الناخبين أكثر من غيرها.

في المقابل، دعا مؤيدو الحرب إلى التحلي بالصبر، معتبرين أن ترمب نجح في إضعاف إيران، التي يصفونها بأنها دولة "متطرفة وخطيرة"، وبخسائر أميركية أقل بكثير مقارنة بحربي بوش البريتين في العراق وأفغانستان.

ويرى هؤلاء أنه إذا واصل ترمب سياسته الحالية، فقد ينجح في النهاية في إجبار إيران على التراجع، سواء بالقوة العسكرية أو بالضغط الاقتصادي.

مصير غامض للدبلوماسية

وفي الوقت الذي تركز فيه الولايات المتحدة على حملة الضغط الاقتصادي، تسعى أطراف أخرى إلى إحياء الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب.

والتقى رئيس الوزراء القطري، وزير الخارجية، الشيخ محمد بن عبد الرحمن قادة إيرانيين في طهران، الخميس. وقال إنه شدد خلال الاجتماع على أهمية إعادة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى الوضع الذي كانت عليه قبل الحرب.

ووصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، المحادثات مع رئيس الوزراء القطري بأنها كانت بناءة.

كما قال عراقجي إن إعادة الدبلوماسية إلى مسارها ليست أمراً مستحيلاً، مشيراً إلى أن على الولايات المتحدة أن تدرك أن سياسة الضغط على طهران لن تجدي نفعاً، على حد تعبيره.

ولكن ترمب قال للصحافيين، الخميس، نافياً اهتمامه في المرحلة الحالية بالتفاوض مع إيران: "ليس هناك الكثير مما يمكن الحديث عنه، لا نريد التحدث إليهم، ولسنا نسعى إلى الاجتماع أو أي شيء من هذا القبيل، المضيق مفتوح، وهناك الكثير من السفن، وملايين البراميل من النفط تخرج من المضيق يومياً".

وكانت قطر وباكستان قد ساعدتا في التوسط للتوصل إلى مذكرة التفاهم في يونيو، والتي أفضت إلى وقف قصير لإطلاق النار بين واشنطن وطهران، قبل أن تؤدي الخلافات بشأن مضيق هرمز إلى انهيارها.

تصريحات متضاربة بشأن هرمز

يقول قادة عسكريون أميركيون إن قواتهم طهّرت مضيق هرمز من الألغام البحرية التي زرعها الحرس الثوري الإيراني قبل أشهر، وإنهم يسيطرون على الممر المائي.

ولكن بحرية الحرس الثوري قالت، مساء الجمعة، إنها تحتفظ بـ"سيطرة كاملة" على مضيق هرمز، معتبرة أن المضيق مغلق أمام السفن التي تسعى إلى عبوره من دون تنسيق مع طهران.

ووصفت بحرية "الحرس الثوري" التصريحات الأميركية بشأن بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة الملاحة بأنها "كذبة واضحة".

وأعلن قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، براد كوبر، صباح الجمعة، نجاح القوات الأميركية في إزالة ألغام بحرية من ممرات الشحن الدولية في مضيق هرمز، مضيفاً أن "الممرات المعترف بها دولياً أصبحت خالية من الألغام البحرية".

كما نقل موقع "أكسيوس"، الجمعة، عن مسؤولين أميركيين قولهم إن إيران فقدت جانباً كبيراً من سيطرتها على هرمز، في حين بات الجيش الأميركي يسيطر فعلياً على معظم مناطق المضيق.

وأظهرت بيانات أولية لحركة الشحن، أوردتها "رويترز"، أن 7 سفن فقط لنقل السلع عبرت مضيق هرمز الخميس، انخفاضاً من 17 سفينة في اليوم السابق، وأقل من متوسط الأيام العشرة البالغ 15 سفينة.

ولكن بعض السفن تطفئ أجهزة التتبع لتجنب أي هجمات، ما يرجح أن يكون العدد الفعلي للسفن العابرة لمضيق هرمز أعلى.

تصنيفات

قصص قد تهمك