
بعد 6 أشهر من حرب إيران، تنقسم القيادة الإيرانية بين معسكر يدفع نحو اتفاق مع واشنطن لتخفيف الضغوط الاقتصادية، وآخر متشدد يرفض التسوية ويراهن على الصمود واستنزاف الخصوم، فيما يلتزم المرشد الإيراني مجتبى خامنئي الحذر وسط هذا الانقسام.
وبينما يدفع البراجماتيون والتكنوقراط، نحو تسوية تخفف الضغوط الاقتصادية وتكسر عزلة البلاد، يرفض المحافظون المتشددون أي اتفاق مع واشنطن، مستندين إلى عقود من انعدام الثقة وتجارب تفاوضية فاشلة، ومراهنين على استطاعة إيران الصمود واستنزاف خصومها، وفق شبكة CNN.
واسترجعت الشبكة الأميركية أحداث الحرب الإيرانية العراقية قبل أكثر من 4 عقود، مشيرة إلى أن آلاف الجنود الإيرانيين الشبان شنوا هجوماً مباغتاً قلب دفة الحرب بعد أشهر من الانتكاسات في مواجهة نظام الرئيس الراحل صدام حسين.
واستدركت: "لكن بدلاً من ترسيخ الانتصار، أراد المرشد الإيراني آنذاك، الخميني، تحقيق المزيد: الإطاحة بالرئيس العراقي، الذي كان يحظى بدعم متزايد من واشنطن، وإظهار أن الحرب مع إيران ستكون باهظة الثمن بالنسبة إلى أي أعداء مستقبليين".
وتابعت CNN: "كان الصراع مع العراق لحظة مفصلية في تشكيل الدولة الإيرانية الحديثة. فقد حوّل قرار الخميني الحرب إلى حرب استنزاف استمرت 6 سنوات، وأودت بحياة مئات الآلاف، لتصبح واحدة من أكثر الصراعات دموية في المنطقة في تاريخها الحديث".
وبحسب الشبكة الأميركية، تواجه إيران الآن مجدداً السؤال نفسه: هل تواصل القتال أم تبرم اتفاقاً؟
فالثوريون الذين قادوا ذلك الهجوم يهيمنون اليوم على مواقع السلطة في طهران. وهم يرون أن الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، مثل الحرب مع العراق، كانت حرباً فُرضت على إيران، وأن نتيجتها لن تحددها القوة التي يمتلكها كل طرف، بل الطرف الأكثر قدرة على الصمود.
وفي المقابل، يرى معسكر أكثر اعتدالاً فرصة لتثبيت المكاسب التي حققتها إيران في محادثات لم تحرز سوى تقدم محدود. وبعد أشهر من الحرب، أدى الجمود إلى انقسام البلاد على نحو مرير، فيما لا يزال صاحب الكلمة الفصل، المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، متوارياً عن الأنظار.
انقسام أيديولوجي
يؤكد السياسيون المتنافسون في طهران علناً أن إيران خرجت منتصرة من الحرب، لكن انقساماً أيديولوجياً عميقاً لا يزال قائماً بشأن شكل الانتصار الذي ينبغي أن تحققه طهران.
في أحد طرفي المشهد يقف البراجماتيون والتكنوقراط، بقيادة الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وهم يؤيدون التوصل إلى اتفاق نهائي، مستندين إلى اقتصاد أنهكته الحرب، وحصار بحري أميركي مُرهق، وأضرار لحقت بالبنية التحتية للبلاد.
وحذّر هؤلاء علناً من أن نافذة التوصل إلى تسوية من موقع قوة آخذة في الانغلاق. وهم يعبرون عن موقف إيرانيين يرون أن إنهاء الصراع المستمر منذ 47 عاماً مع واشنطن هو السبيل الأضمن لتخفيف الأزمات الداخلية التي تعانيها البلاد، والإبقاء على الجمهورية الإيرانية من خلال كسر عزلتها الدولية.
وقال بيزشكيان هذا الشهر: "يجب أن تنتهي الحرب في مرحلة ما. ومن الأفضل أن ننهيها اليوم، ونحن في موقع قوة وكرامة، والعالم بأسره يعترف بانتصارنا".
وعلى الجانب الآخر يقف المحافظون المتشددون. وتتمحور أيديولوجيتهم حول عدم الثقة في واشنطن، التي يرون أنها مصممة على تدمير البلاد. وعلى مدى أكثر من نصف قرن، حذروا من النوايا الأميركية، وهم يرون اليوم أن الحرب التي يشنها الرئيس دونالد ترمب أثبتت صحة موقفهم في مواجهة خصومهم المعتدلين.
كما يتهمون المسؤولين الحاليين بأنهم "موالون للغرب"، وبمحاولة التأثير في الرأي العام لدفعه نحو قبول اتفاق، من خلال المبالغة في حجم المشكلات الداخلية.
في هذا الإطار، قالت مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مركز "تشاتام هاوس" للأبحاث، ومقره لندن، سنام وكيل، لشبكة CNN: "إنهم ينظرون إلى الولايات المتحدة كطرف لا يُوثق به على الإطلاق... وقد تعرضوا للخداع مراراً من قبل ترمب نفسه، لدرجة أنهم يعتقدون أن هذا ما سيحدث مجدداً".
وأضافت: "في نظرهم، بمجرد عدم خسارتهم الحرب، يكونون قد حققوا النصر، وهم لا يسعون فقط إلى الحصول على اتفاق أفضل من واشنطن، بل يبحثون عن ضمان استمرارية نفوذهم الداخلي في منافستهم مع خصومهم".
ويرى هؤلاء أن بيزشكيان "رئيس ضعيف" وصل إلى المنصب بمحض الصدفة بعد وفاة سلفه المتشدد في حادث تحطم مروحية. كما أن توقيعه، إلى جانب توقيع ترمب، على اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو زاد من عزلته، ومنح خصومه المتشددين مزيداً من القوة في حملتهم لتحميله مسؤولية الاقتصاد المنهار، والاتفاق الفاشل مع واشنطن.
ووصل عمق الانقسامات إلى حد اتهام المتشددين مسؤولين حكوميين بسوء إدارة الأزمة الاقتصادية عمداً، بهدف دفع شعب أنهكته الحرب إلى قبول اتفاق. وذهب بعضهم إلى حد الزعم بأن الحكومة تعمدت التسبب في نقص الوقود لجعل التوصل إلى اتفاق أمراً لا مفر منه، بينما ذهب آخرون أبعد من ذلك، متهمين المعتدلين بتدبير انقلاب.
وقال النائب الإيراني المتشدد محمد منان رئيسي: "هل نحن حقاً في مأزق اقتصادي، أم أنكم تتصورون فقط أننا في مأزق؟ لقد أُلقي باللائمة كلها على الحرب، مع أن الأمر ليس كله مرتبطاً بها".
ماذا يريد المتشددون؟
يشير المتشددون إلى اتفاقات سابقة مع الولايات المتحدة انتهت بالفشل، من بينها الاتفاق النووي الذي أُبرم عام 2015 مع إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، قبل أن ينسحب منه ترمب لاحقاً. كما يستشهدون بمرتين هاجمت فيهما الولايات المتحدة طهران بينما كانت المفاوضات جارية.
ويراهن هذا المعسكر على قدرة البلاد على الصمود، ويؤكد أن سياسة المواجهة، المدعومة بوكلاء مسلحين في المنطقة، والصواريخ والطائرات المسيّرة، والمعتقدات الدينية، وفرت حماية للبلاد بصورة أكثر فاعلية من الدبلوماسية التي يتبناها السياسيون "الموالون للغرب".
وقالت وكيل: "خلص المتشددون إلى أنهم لن يتوصلوا إلى أي اتفاق مع ترمب، وربما يعيشون الآن ببساطة في حالة حرب بين الحروب"، مضيفة: "هم يعتقدون أنهم قادرون على إنهاك ترمب، واستغلال الوقت لإضعافه من خلال إطالة أمد المعاناة الاقتصادية".
واتهم نائب متشدد المؤيدين للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بالوقوف في مواجهة المرشد السابق، علي خامنئي، الذي اغتيل في الضربات الأميركية الإسرائيلية في بداية الحرب.
وقال كمران غضنفري أمام البرلمان، الخميس، في إشارة إلى المؤيدين للدبلوماسية مع الولايات المتحدة: "إنهم يريدون تهيئة الرأي العام لقبول اتفاق وسلام مهين". وأضاف: "لكن العدو أثبت مراراً أنه مهما قدمنا له من تنازلات، ومهما تراجعنا أمامه، فإنه لن يرضى أبداً، وسيواصل مطالبتنا بالمزيد، ولن يقبل بأقل من استسلامنا الكامل".
"ترمب لا يساعد"
ولفتت CNN إلى أن "في الوقت الذي يخوض فيه البراجماتيون الإيرانيون لعبة سياسية عالية المخاطر مع واشنطن، اكتسبت تحذيرات المتشددين من عقد اتفاق مع الولايات المتحدة مزيداً من القوة، في ظل استراتيجية متقلبة من جانب ترمب، وعدم اليقين بشأن مدى التزامه بأي اتفاق محتمل".
وقالت وكيل: "ترمب لا يساعد. فهو يقول إنه يريد أن يجعل إيران عظيمة مجدداً، ثم يهدد إيران في التغريدة التالية، وهذا يؤجج نيران الارتياب داخل النظام الإيراني".
ويعتقد المحافظون، الذين يسيطر بعض عناصرهم على الصحف ووسائل الإعلام الرسمية، إلى جانب المحتجين في الشوارع وأتباعهم داخل المؤسسة العسكرية، أن ترمب يستخدم الدبلوماسية للتحضير لحملة عسكرية أخرى، وأنه "في كل مرة يسلكون فيها طريق الدبلوماسية" مع ترمب، فإنه "يخونهم"، بحسب وكيل.
وظل مجتبى خامنئي صامتاً وسط هذا الانقسام. ويبدو أنه يدرك أن الانحياز إلى أحد طرفي المفاوضات مع ترمب، الذي لا يمكن الوثوق به، قد يضر بمنصبه في وقت يعمل فيه على ترسيخ شرعيته.
والجمعة، أشاد بأداء الحكومة تحت الضغط، لكنه حض المسؤولين على معالجة نقاط ضعف البلاد دون التركيز عليها علناً، محذراً من أن القيام بذلك قد يشجع أعداء إيران ويُضعف معنويات حلفائها.
ومع عدم وجود من يفرض عليهم التراجع، يواصل المتشددون حملتهم ضد إبرام أي اتفاق.
وقال غضنفري عن خصومه في الداخل: "لقد حذرهم إمامنا (علي خامنئي) عشرات المرات، فكيف لا يفهمون؟ إنهم يتحدثون بطريقة لا تفوح منها سوى رائحة الاستسلام والخضوع".









