
جاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية وخسارة الجمهوريين محمّلة باتهامات بشأن قرار حرب إيران، لتضع وزير الحرب الأميركي بيت هيجسيث في مرمى النيران داخل الحزب الجمهوري، وسط تحركات لمساءلته ودعوات لتحميله جانباً من فاتورة الحرب والهزيمة الانتخابية، رغم تمسك الرئيس دونالد ترمب بدعمه.
وتتباين التقييمات بشأن دور هيجسيث في قرار الحرب وتداعياتها، ومدى مسؤوليته عن الخسائر الانتخابية التي مُني بها الحزب.
وزير الحرب الأميركي، شدد، الخميس، على أنه "لن يتراجع" أمام مساعي مساءلته تمهيداً لعزله، واصفاً مواد الاتهام المقدمة ضده بأنها "صورية"، كما اتهم خصومه بممارسة "مسرح سياسي" والسعي إلى تدمير منافسيهم بدلاً من تقديم سياسات ناجحة.
كما أكد في مقطع فيديو عبر منصة "إكس"، على مواصلة تنفيذ أجندة ترمب "أميركا أولاً" وسياسة "السلام من خلال القوة".
وبحسب شبكة CNN الأميركية، يعتزم النائب الجمهوري توماس ماسي، الدفع نحو تصويت على مساءلة هيجسيث، مع عودة الكونجرس إلى الانعقاد الأسبوع المقبل، وسط توقعات بتمرير الخطوة.
ويرى مشرعون جمهوريون أن هيجسيث لعب دوراً محورياً في إقناع ترمب بشن حرب إيران "دون استراتيجية واضحة للخروج منها، أو خطة للتعامل مع تداعياتها"، متهمين إياه بالمبالغة في تقدير قدرة الجيش الأميركي على حسم المواجهة سريعاً، ما حول الحرب إلى "مأزق استراتيجي"، فاقم أزمة غلاء المعيشة، وأسهم في تراجع شعبية الجمهوريين وخسائرهم الانتخابية.
وفي هذا السياق، قال عضو الحزب الجمهوري، جورج توسي، لـ"الشرق"، إن هيجسيث أصبح "الخيار الأوضح" داخل الحزب لتحميله مسؤولية التداعيات السياسية وخسائر الجمهوريين.
وأضاف توسي أن تقييم أي قضية في واشنطن يخضع عادة لاعتبارين أساسيين: "مدى وجاهة السياسة المتبعة، وحساباتها السياسية"، معتبراً أن وضع هيجسيث يجسد التداخل بين الجانبين.
وأشار توسي إلى أن هيجسيث واجه انتقادات منذ ترشيحه لمنصب وزير الحرب، شملت مؤهلاته وأسلوبه الشخصي، إلى جانب قضايا الجاهزية العسكرية والسيطرة المدنية والأولويات الاستراتيجية والرقابة البرلمانية، لافتاً إلى أن بعضها تحركه دوافع سياسية، وأن الانتقادات الجمهورية له التي كانت غير معلنة قبل انتخابات التجديد النصفي، أصبحت أكثر وضوحاً بعدها.
غضب الناخبين من حرب إيران
وكان استطلاع للرأي أجرته وكالة "أسوشيتد برس" عقب انتخابات التجديد النصفي، أظهر أن نحو ثلث الناخبين اعتبروا حرب إيران عاملاً حاسماً في تصويتهم لانتخاب أعضاء الكونجرس، فيما رأى نحو 6 من كل 10 مشاركين، أي 60%، أن قرار اللجوء إلى العمل العسكري ضد طهران كان خاطئاً.
وفي سياق تحميل الحرب مسؤولية الخسائر، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الأربعاء، إن المواجهة مع إيران كانت السبب الرئيسي لهزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي.
وأضاف، في منشور عبر منصة "إكس"، أن المشكلة لم تكن ضعف المشاركة، بل تصويت كثير ممن أيدوه وترمب في انتخابات 2024 لمصلحة الديمقراطيين، مشدداً على ضرورة الاعتراف بدور الحرب عند مناقشة مستقبل الحزب.
وعلى الصعيد السياسي، أضاف توسي أن الناخبين الجمهوريين كانوا أكثر استياءً من الحرب، لأن ترمب خاض حملته الانتخابية على أساس إبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن الحروب، ولا سيما الحروب الطويلة في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن مجلس النواب قد يصوت، في وقت مبكر من الأسبوع المقبل، على مساءلة هيجسيث، موضحاً أن بعض النواب الجمهوريين الذين احتفظوا بمقاعدهم يبحثون عن طرف آخر، غير أنفسهم، لتحميله مسؤولية نتائج الانتخابات، وأن وزير الحرب أصبح هدفاً لهم.
مستقبل هيجسيث
وفي تقييم لدور وزير الحرب في التخطيط العسكري، قال مارك كيميت، مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق والمسؤول السابق في البنتاجون، لـ"الشرق"، إن هيجسيث كان له تأثير كبير في إقناع الرئيس ترمب بشن الحرب، وكان الشخصية الأهم في وضع الاستراتيجية العسكرية التي اتبعتها الولايات المتحدة بعد ذلك.
وأضاف كيميت أن "خطة الخروج من الحرب كانت واضحة، وأن أهداف العملية العسكرية كانت محددة، وشملت البرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى القادرة على الوصول إلى أهداف خارج المنطقة".
واعتبر المسؤول الأميركي السابق أن عدم تحقيق نصر سريع وحاسم، على النحو الذي وعد به هيجسيث الرئيس ترمب والشعب الأميركي، وضع مستقبل وزير الحرب في منصبه أمام خطر حقيقي.
وقارن كيميت وضع هيجسيث بما واجهه وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد في عام 2006، عندما تعرض لضغوط سياسية متزايدة على خلفية إدارة حرب العراق.
وفي قراءة للتقديرات التي سبقت الحرب، قال المسؤول السابق في الاستخبارات الأميركية، نورمان رول، لـ"الشرق"، إن التوقعات بتحقيق نصر سريع وحاسم استندت إلى 3 رهانات رئيسية: "تحقيق نجاح عسكري كبير وسريع، واحتمال انهيار النظام الإيراني، وإمكانية اندلاع انتفاضة شعبية ضده".
وأوضح رول أن التفوق العسكري للولايات المتحدة وإسرائيل على إيران "كان تقديراً صحيحاً"، لكنه أشار إلى أن الرهان على انهيار النظام الإيراني كان "مفرطاً في التفاؤل".
وأضاف أن الاضطرابات التي شهدتها إيران والتي بلغت مستويات استثنائية خلال عامي 2025 و2026، عززت الاعتقاد بإمكانية انهيار النظام، رغم أن هذا الاحتمال لم يكن مؤكداً. ولفت إلى أن توقع اندلاع انتفاضة شعبية فورية مع بدء الحرب لم يتحقق.
واعتبر رول، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن الحرب أظهرت أن "التفوق العسكري يمكن أن يحسم نتائج المعارك، لكنه لا يحدد بالضرورة النتائج السياسية للحرب"، مشدداً على أن "الصراعات العسكرية بطبيعتها غير قابلة للتنبؤ، وأن من يدعي اليقين بشأن نتائجها وتداعياتها يظل في الغالب يقدم تخمينات".
حدود مسؤولية هيجسيث
وفي ما يتعلق بمسؤولية هيجسيث عن أي أخطاء في التقديرات أو إخفاقات استخباراتية، قال رول إن قرارات الأمن القومي الأميركي تتخذ تقليدياً عبر مشاورات بين كبار المسؤولين، بينما يحتفظ الرئيس بسلطة اتخاذ القرار النهائي، وإن كانت شخصيات بعينها قد تهيمن أحياناً على النقاشات.
وأوضح أن وزير الحرب يتحمل مسؤوليات مهمة في التخطيط العسكري وتقديم المشورة وتنفيذ قرارات الرئيس، لكن تحديد مسؤوليته عن أي أخطاء يتطلب الاطلاع على التقييمات التي قُدمت، والنصائح التي طُرحت، والقرارات التي اتُخذت في النهاية، والصلاحيات التي مارسها كل مسؤول، لافتاً إلى أن جانباً كبيراً من هذه العملية "جرى بعيداً عن الأنظار".
وأضاف أن تحديد المسؤولية يخضع تقليدياً لتقدير الرئيس والمسؤولين المعنيين، إلى جانب الدور الرقابي للكونجرس، مع احتمال أن تؤثر الحسابات السياسية في هذه العملية.
ولم تقتصر التساؤلات على هيجسيث، إذ أشارت صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن بعض مساعدي البيت الأبيض بحثوا احتمال تحميل رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، وقائد القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" الأدميرال براد كوبر، جانباً من المسؤولية، نظراً لدورهما في تقديم المشورة بشأن الحرب والإشراف عليها.
وكان بعض مساعدي البيت الأبيض يتوقعون أن يتحمل كين وكوبر جانباً من المسؤولية، بالنظر إلى الدور البارز الذي اضطلعا به في المشورة العسكرية المتعلقة بالحرب وإدارتها.
تحركات جمهورية
في المقابل، قال جيم موران، عضو الحزب الديمقراطي والعضو السابق في الكونجرس الأميركي لـ"الشرق"، إن هيجسيث يجب أن يحاسب على كثير من القرارات والتصرفات التي وصفها بأنها "لا يمكن تبريرها"، لكنه استبعد تحميله مسؤولية قرار بدء الحرب على إيران.
وأضاف موران أن قرار شن الحرب اتخذه الرئيس ترمب، "بناءً على إلحاح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وليس هيجسيث".
وتوقع موران عقد جلسات استماع وفتح بعض التحقيقات بشأن أداء هيجسيث والحرب، مرجحاً أن تتولى ذلك لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي ولجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي.
ومن جانبه، قال كريس لابتينا، وهو مستشار سياسي في الحزب الديمقراطي، لـ"الشرق"، إن حزبه لا يسعى لإنقاذ هيجسيث، "لكنه يتوخى الحذر في التعامل مع دعوات عزله، حتى لا يظهر بمظهر الحزب المنشغل بمحاولات العزل على حساب القضايا التي تؤثر في حياة الناخبين".
وأوضح أن وسائل إعلام محافظة تروج لرسالة مفادها بأن الديمقراطيين أصبحوا مهووسين بمحاولات العزل، وأن هذه التحركات لن تسهم في تحسين حياة الأميركيين، مضيفاً أن أي تحرك جدي للإطاحة بهيجسيث "ينبغي أن يأتي من داخل الحزب الجمهوري".
وأشار لابتينا، خلال حديثه لـ"الشرق"، إلى أن ذلك قد يحدث في ظل غضب عدد من الجمهوريين في الكونجرس من ترمب، رغم أنهم لا يستطيعون الإطاحة بالرئيس، ويتعين عليهم العمل معه خلال العامين المقبلين.
وفي المقابل، نقلت شبكة CBS News عن مصادر مطلعة أن ترمب استطلع آراء مستشاريه بشأن استمرار هيجسيث في منصبه، عقب الخسائر الانتخابية، لكنه لم يتخذ قراراً باستبداله.
وقال ترمب للصحافيين إنه لا يفكر في تغيير وزير الحرب، مضيفاً: "أعتقد أنه يؤدي عملاً جيداً جداً". كما أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي أن الرئيس لديه "ثقة كاملة" في هيجسيث.
كما دافع ترمب عن قرار هيجسيث إبعاد عدد من كبار الضباط العسكريين، قائلاً: "كان لدينا عدد كبير جداً من الجنرالات. كان الجميع برتبة فريق أول. لم أرَ شيئاً كهذا من قبل. وكان كثيرون منهم من أصحاب التوجهات اليسارية، وأنا لا أحب الجنرال اليساري".
إجراءات الكونجرس
وفي ما يتعلق بمستقبل هيجسيث في منصبه، قال جون فورتيير، المحلل السياسي المتخصص في سياسة الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لـ"الشرق"، إن وزير الحرب قد يصبح هدفاً لتحقيقات وإجراءات رقابية يقودها الديمقراطيون في الكونجرس، مشيراً إلى أن سيطرتهم على اللجان وأجندة جلسات الرقابة والتحقيقات ستتيح لهم توسيع التدقيق في أدائه.
وأضاف فويتيير أنه من الممكن أيضاً أن يتجه مجلس النواب ذو الأغلبية الديمقراطية إلى مساءلة هيجسيث تمهيداً لعزله، وإجراء محاكمة له في مجلس الشيوخ، لكنه استبعد حصول هذه الخطوة على أغلبية الثلثين اللازمة لإدانته وعزله من منصبه.
واستبعد المحلل السياسي أن يواجه هيجسيث مسؤولية قانونية خارج إطار المساءلة السياسية عن التصرفات التي قام بها خلال توليه منصب وزير الحرب.
وفي ما يتعلق باحتمالات مغادرة هيجسيث لمنصبه، قال فورتيير إن ذلك "سيحتاج إلى أن يحدث سريعاً، سواء بقرار منه أو بطلب من الرئيس دونالد ترمب، لأن الجمهوريين سيرغبون في المصادقة على تعيين وزير دفاع جديد خلال الدورة الحالية للكونجرس، وقبل 3 يناير، عندما يفقدون أغلبيتهم في مجلس الشيوخ".
وأضاف أنه إذا تأخر رحيل هيجسيث إلى ما بعد ذلك الموعد، فقد يجد ترمب صعوبة في الحصول على موافقة مجلس الشيوخ على تعيين خليفته، في حال أصبح المجلس تحت سيطرة الديمقراطيين.












