
عندما أدت حرب إيران خلال الأشهر الماضية إلى تعطيل أحد أهم مسارات الشحن في العالم، رأت سوريا فرصة سانحة. فبفضل موانئها المتعددة على البحر المتوسط وحدودها مع تركيا والعراق والأردن ولبنان، باتت سوريا توفر بديلاً تحتاج إليه المنطقة بشدة لتعويض إغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الاستراتيجي في نقل إمدادات النفط العالمية، وفق "نيويورك تايمز".
وبدأت بالفعل دول مثل العراق والإمارات في نقل النفط وسلع أخرى براً لشحنها عبر سوريا.
وقال مدير العلاقات العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، مازن علوش، للصحيفة: "بعد إغلاق مضيق هرمز، طرقت تقريباً جميع الدول المجاورة في المنطقة أبوابنا للحصول على منفذ إلى الموانئ السورية". وأضاف: "إنهم يضعون خططاً بديلة إذا استمرت الأزمة لفترة أطول".
لكن للاستفادة من هذه الفرص الجديدة، يتعين على سوريا تجاوز عقبات كبيرة، من بينها النقص الواسع في الكهرباء والمياه. فقد دمرت الحرب الأهلية، التي استمرت قرابة 14 عاماً وانتهت في 2024 بالإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد، البنية التحتية للبلاد.
وتمتلك سوريا تاريخاً طويلاً بوصفها حلقة وصل في التجارة العالمية. وقال حازم السبتي، مدير العلاقات العامة في المؤسسة العامة للمناطق الحرة السورية: "كانت سوريا جزءاً من طريق الحرير القديم، وممراً تجارياً مهماً".
وفي أواخر ستينيات القرن الماضي، سعى الاتحاد السوفيتي إلى التحالف مع نظام الأسد جزئياً لضمان استخدام الموانئ السورية على البحر المتوسط.
وخلال حكم الأسد، شكلت سوريا جسراً برياً استخدمته إيران لنقل الأموال والأسلحة إلى حليفها الإقليمي الأبرز "حزب الله" في لبنان. لكن هذا الدور انتهى بعد الإطاحة بالأسد وابتعاد السلطات الجديدة في دمشق عن إيران.
فرصة اقتصادية في وسط الحرب
مع اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، بدأت كميات النفط الخام في العراق المجاور، تتكدس بسبب تعطل طرق الشحن وعدم القدرة على إيصالها إلى المشترين.
وطلبت شركة تسويق النفط العراقية الحكومية من سوريا، السماح بنقل النفط الخام براً لشحنه عبر ميناء بانياس على البحر المتوسط، وفق صفوان أحمد، مدير العلاقات العامة في الشركة السورية للبترول.
ومثّل ذلك فرصة اقتصادية تحتاج إليها سوريا بشدة. فالبلاد تفرض رسوماً على العبور والمناولة في موانئها، كما يراهن قادتها على إقناع الدول والشركات بأن الاستفادة الكاملة من موقع سوريا تتطلب الاستثمار في إعادة تأهيل بنيتها التحتية وإعمارها.
فعلى سبيل المثال، ظل معبر التنف الحدودي، وهو نقطة رئيسية لنقل النفط براً من العراق، خارج الخدمة لسنوات. وقال علوش لـ"نيويورك تايمز"، إن إعادة تأهيله بالكامل ستستغرق عدة أشهر على الأقل، وبتكلفة تقدر بنحو 25 مليون دولار.
ومع ذلك، لم ترغب القيادة السورية في تفويت فرصة قد تدر عوائد ضخمة. ولهذا أرسلت هيئة الموانئ قوافل وأجهزة حاسوب وفرقاً للجوازات والرقابة الحدودية ووحدات سكن متنقلة لإعادة تشغيل المعبر سريعاً، بحسب علوش.
وفي أواخر مارس، أرسل العراق أولى شحنات النفط ضمن سلسلة شحنات متتالية. وفي بعض الأيام، تعبر أكثر من 400 شاحنة صهريج الحدود، تحمل كل منها ما يصل إلى 10500 جالونات من النفط الخام.
لكن الأعداد تنخفض أحياناً بسبب محدودية سعة خزانات التخزين في ميناء بانياس، وفق ما قاله أحمد ومسؤول بوزارة النفط العراقية لـ"نيويورك تايمز".
مشروعات لإحياء خطوط الطاقة
وأبدت عدة شركات أجنبية اهتماماً بالمساعدة في إحياء خط أنابيب النفط الذي كان يربط بانياس بمدينة كركوك شمال العراق، قبل أن يتضرر خلال الحرب الأهلية السورية، بحسب أحمد.
وقال: "حتى إذا أعيد فتح هرمز، فإن الدول تحتاج إلى بديل للمضيق". وأضاف: "سوريا ستصبح حلقة الوصل مع البحر".
وفي الشهر الماضي، وصلت أول شحنة تضم 200 مركبة من الإمارات إلى سوريا براً عبر الأردن، قبل إعادة شحنها إلى أوروبا عبر ميناء اللاذقية.
كما قال رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، مؤسس شركة "إعمار العقارية"، إن مجموعته تدرس استثمارات تصل إلى 7 مليارات دولار على الساحل السوري، ونحو 12 مليار دولار في دمشق، وذلك خلال المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول الذي عُقد الأسبوع الماضي في العاصمة السورية.
وقال كرم شعار، الخبير في الاقتصاد السياسي ومدير شركة استشارات متخصصة في شؤون الشرق الأوسط، للصحيفة: "تمر سوريا حالياً بلحظة توفيق".
مركز لوجستي
يحاول المسؤولون السوريون، تصوير بلادهم باعتبارها محوراً أساسياً في سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية.
وخلال اجتماع عقد في قبرص الشهر الماضي، قال الرئيس السوري أحمد الشرع لقادة الاتحاد الأوروبي وشركاء إقليميين، إن بلاده مؤهلة لتصبح ممراً آمناً واستراتيجياً يربط آسيا الوسطى والخليج العربي بأوروبا.
وقال علوش، عقب لقائه السفير اليوناني في دمشق، إن الرئيس السوري "تواصل منذ الأيام الأولى مع جميع قادة الدول المجاورة، وأبلغهم بأن حدود سوريا وموانئها وطرقها جاهزة".
كما شرعت حكومة الشرع في إحياء مشروعات البنية التحتية والطاقة التي تعطلت بسبب الحرب الأهلية، مثل مشروع خط الغاز العربي، الذي كان يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من مصر إلى لبنان عبر الأردن وسوريا.
وقال شعار: "هناك رغبة سياسية كبيرة لإحياء هذه المشاريع"، مضيفاً أن العديد من الشركات تواصلت مع شركته للاستفسار عن مناقصات مشاريع خطوط الطاقة. وأضاف: "الحكومة الأميركية تدعم بقوة مثل هذه المبادرات".
وتشهد العلاقات السورية الأميركية تقارباً منذ الإطاحة بنظام الأسد، في وقت تحاول فيه سوريا الخروج من سنوات العزلة الدولية والانهيار الاقتصادي.
تحديات الإعمار والعقوبات
قد تتجاوز تكاليف إعادة إعمار سوريا 200 مليار دولار، من بينها أكثر من 80 مليار دولار للبنية التحتية وحدها، بما يشمل الطرق وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، وفق تقرير للبنك الدولي، العام الماضي.
ورغم رفع الولايات المتحدة معظم العقوبات المفروضة على سوريا، فإن البلاد لا تزال مدرجة على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو تصنيف يفرض عقوبات مستقلة تشمل قيوداً مالية.
وفي العام الماضي، نفذت سوريا أول تحويل إلكتروني مع بنك غربي منذ 14 عاماً، في خطوة اعتُبرت مؤشراً مهماً على العودة إلى النظام المصرفي العالمي.
لكن وبعد مرور نحو عام، لا تزال البلاد غير مرتبطة بنظام "سويفت" للتحويلات المالية الدولية، ما يشكل عقبة كبيرة أمام المستثمرين.
كما فاقمت حالة عدم الاستقرار داخل حكومة الشرع وغياب برلمان فاعل، بعد نحو تسعة أشهر من الانتخابات، حالة الضبابية.
وقال شعار: "هناك ميل في سوريا إلى الإعلان عن مشاريع كثيرة، لكنها لا تصل في النهاية إلى مرحلة التنفيذ".
ورغم هذه التحديات، تواصل سوريا جهودها لجذب الاستثمارات الأجنبية. وتسارع هيئة الموانئ إلى تجهيز المناطق الحرة السورية، وهي مواقع صناعية ومستودعات قرب الموانئ والمطارات لا تخضع للضرائب أو الرسوم الجمركية، ولو بالحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
وقال السبتي: "إذا كنت مستثمراً أرغب في القدوم، لا توجد كهرباء ولا مياه ولا فولاذ، فالمتطلبات الأساسية للعمل غير متوفرة".
لكنه حذر في الوقت نفسه من الظهور بمظهر المستفيد من مآسي الحرب، قائلاً: "لا نريد أن نقول إننا نجحنا بسبب الصراع".










